د. عبدالسلام نورالدين المحتويات :  1- لماذا الذي كان ما زال ياتي، 2- تذكر المستقبل أو مستقبل الماضي، 3- هل السلفية وعي، موقف، نهج، أم معرفة؟، 4 - فقة النوازل: فتوى بمضاجعة الجثث، 5- هوامش وتعليقات.

-1- لماذا الذي كان ما زال يأتي

لماذا الذي كان ما زال ياتي
لأنّ الــذي ســوف يـأتي ذهـب

لأنّ الـوجـوه اسـتـحالت ظـهـورا
تـفـتّش عــن لـونـها الـمـغتصب

لأنّ الــمـغـنـي أحــــبّ كــثـيـرا
كـثـيرا ، ولــم يــدر مــاذا أحــب

البردوني (1)

-2-

تذكر المستقبل أو مستقبل الماضي

حاول الشاعر  اليمني  عبداللة البردوني ( 1929-1999 الذي شغل نفسه كثيرا بتذكر الزمان العربي للمستقبل ومفارقاته (2) المرعبه في النصف الثاني من القرن العشرين)  ان يضع عيون عقله و شعره علي الظاهره التي تعيد انتاج نفسها دون كلل او ملل- ظاهرة – مداهمة الماضي للحاضر, او بكلمات فؤاد زكريا (3) فإن الماضي يبدو في أحسن الأحوال ماثلاً دائماً أمام الحاضر ، لا بوصفه مندمجاً في الحاضر أو متداخلاً فيه ، بل بوصفه قوة مستقلة عنه ، منافسة له ، تدافع عن حقوقها ، إزاءه ، وتحاول أن تحل محله إن استطاعت”

لابد أن نتوقف كثيرا قبل أن نتفق أو نعترض علي النتيجه التي استخلصها الشاعر البردوني – بان الحضور القوي للماضي وجلوسه المضجر  كمفاوض ثقيل  يحتل  بمفرده  كل المائدة المستديرة  التي نصبت ليتداول الجميع حولها مواضع الخلف والاختلاف  ويبذل هذا الماضي من جانبه  جهودا جبارة  لطرد كل الاطراف التي لا تتفق معه في اللفظ والمعنى  ليجلس القرفصاء  علي مركز الضوء في  المائدة وحده يلوي على شئ  جوهري  أن يكون  بديلا عن الحاضر وقضاياه وتحدياته  هذا الحضور يجسد ببلاغه الغياب الحقيقي لحاضر فاعل أو بتعبير (لايخلو من تبسيط) ليس للشعوب العربية سوى ذلك الماضي الذي ذهب, لابد من التوقف لفحص الدالة “الماضوية السلفية “في ذاتها  ماذا  تعني؟ وما تبتغي؟.

-3-

هل السلفية  وعي، نهج، موقف، أم معرفة ؟

اذا كان الماضي قد تحول بالنسبة الى بعض الحركات الاسلامية  المتطرفة المعاصرة  إلى شبحٍ يقطع عليها الطريق الى المستقبل ويدفع بها قسراً ان تدخل  رأسها  في انية فخارية  كبيرة  (كتلك التي ادخل فيها ثور البصيرة أم حمد رأسه*),  ثم تسمح  لنفسها   بعدئذ ان تفتح  عيونها  لتتجول بحرية كاملة في ذلك العالم المحدود لغيرها  واللانهائي بالنسبة لها فهل من الخطأ أو الغلو أن نطلق على تلك العيون وعلى ذلك الضرب من اعمال النظر – السلفيةالاصولية ؟ وما العلاقة بين الماضي كمسار في حركة الزمان قد تفضي والسلفية الاصولية   المعاصرة  كايديولوجية  تفضي بمقولاتها وبمقاصد  من تعبر بعمق عن وعيهم بهلامية أو بدقة  الي الانزلاق بعفوية لرفض الحاضر  لفظا (وكثيرا) عنفا  متى تأتى لها ذلك  ؟  

نلاحظ في البدء تلك المفارقة التي تجابهنا في تداول الفكري اليومي عن السلفية كنهج او كفكر يفحص  في سياق اتساق بنائه  أو اضطرابه , ان ليس ثمة فكر او فقه او اصول متجانسة  ومتماسكة يمكن  ان نطلق عليها بدقة الفكرالسلفي منذ ظهور   الاسلام حتى  سقوط دولته الخراجية  الكبري في الشرق العربي (القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي ) اذ كانت كل المدارس في اصول الفقة وعلم الكلام  والتفسير والنحو والتاريخ والبيان والعروض والفلسفة والمنطق  والتصوف وعلم الميزان والهيئة ذات طابع ابتداعي وقد استقت بالطبع من المصادر اليونانية والرومانية والافلاطونية المحدثة الكثير من مناهجها ثم اضافت اليها ما فاءت به التجربة الاسلامية العربية في شتى حقول المعرفة لذا  يمكن  الحديث عن جذور ومعالم  وقضايا الفكر السني او الفقة الشيعي الجعفري او علم الكلام الاشعري او الماتريدي او المعتزلي او الفقه المالكي او الشافعي  أو التصوف نشأة و وان نتتبع مسار  الحب الالهي أو العرفان او الشطح  أو المقامات أو وحدة الوجود في مظانها الاولى (4) ولكن يشق في ذات السياق تلمس كل ذلك في موضوعة  السلفية كحقل معرفي مستقل بذاته كعلم التفسير مثلا  ولا يدحض  ذلك اننا نعثر في كتابات عديدة الاشارة الى نهج السلف  الصالح ونواجه ايضا  مواقف لا تخلو من  ارتباك وغموض حينما يصف احد مساجله  سيما في عصور الانحطاط الاسلامي (بعد سقوط الحضارة العربية الاسلامية في المشرق والاندلس 1492  وبعد الغزو العثماني والعصر المملوكي الثاني) بانه مبتدع فيرد عليه الآخر بانه سلفي –وينبع الضلال ان الذي  يدور حوله  الابتداع والسلفية انه اقرب الى الدفاع عن موقف أو اتهام تتبعه ادانة  منه  الى فرع في المعرفه  له كينونة ومقولات  مستقلة  كالخراج   أو الامامة (علم السياسة)  وهل تقوم  على الاتفاق والاختيار أم على النص أو التعيين (5) وكيف جرى ذلك في التاريخ النظري والعملي.

-4-

فقة النوازل أو فتوى بمضاجعة الجثث (6)

 وقد يفاخر رجل دين  سلفي معاصر   له شأن مثل الشيخ عبد الباري  الزمزمي رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل (7)  الذي اصدر فتوى لها دوي “مضاجعة  الوداع”  4 في مايو 2011  فحواها ” :” إن الدين الإسلامي يبيح ممارسة الجنس على الجثث, بشرط إذا كان الطرفان يربطهما عقد القران قبل الموت, وان لا حرج إذا أراد الزوج ممارسة الجنس مع جثة زوجته بعد ساعات من موتها”، معتبرا” أن الدين الإسلامي لم يحرم ذلك على الأزواج، مبررا موقفه “بان الزوجة حلال لزوجها حتى بعد مماتها, وأن الموت لا يفسخ العلاقة الزوجية, باعتبار أنه جاء في

القرآن أن الزوج والزوجة يمكن أن يكونا في الجنة معا, أي بعد الموت” يفاخر منافحا (الأصولي الزمزمي)  بانه يسير على نهج السلف فيما يعتقد ويفتي  فاذا عن لاحد أن يسأله  بوضوح ومن تعني بهؤلاء السلف الصالح لاجابك بحماس  وعجاله : ابوبكر الصديق وعمر بن الخطاب  وعثمان بن عفان  وعلي بن ابي طالب رضوان اللة عليهم . فاذا  دافعه محاوره   بان لا أحد من هؤلاء قد زج بنفسه في  مشاطحات فقه النوازل  التي يثيرها عن ممارسة الجنس مع الجثث  وان لكل من هؤلاء الخلفاء الراشدين  نهج ينفرد به في السلوك السياسي  والنظر الاجتهادي  وان هؤلاء قد اختلفوا كثيرا ً في قضايا جوهرية ذات طابع عملي واجهت المجتمع المسلم الاول كالموقف من مانعي الزكاة  وحروب الردة  التي وقعت في خلافة ابي بكر الصديق أو كيف يتم توزيع الخراج في خلافه عمربن الخطاب (8) أو ما الشورى ومن هم اهل الحل والعقد    . الجدير بالاعتبار  قد اتى كل  من الراشدين  الى السلطة او الخلافة على طريقه واسلوب جد مختلف عن الاخر, واذا كان ثمة ما يجمعهم  فانهم يجتهدون في قراءة النص القرآني والسني والامثلة لا حصر لها فهل انت يا زمزمي مجتهد بذلك المعني؟ ابمقدورك ان تجتهد فيما ورد فيه نص من القرآن هذا اذا تركنا مضاجعة الجثث هذه (التي لم تخطر حتى للشيطان) جانبا؟ لاجاب مذعوراً بان معني الاجتهاد لديه لا يكون فيما ورد فيه نص من القرآن او الحديث وهكذا فان معنى السلفية لدى هذا الذي يدعيها  المعاصر من الزاوية التاريخية الصرفة  لا علاقة لها بنهج النظر الى الوقائع الجديدة لدى  ابي بكر وعمر وعثمان وعلي  ولكنها من مزارعات ومحاصيل عصور الانحطاط  التي استقرت في وعيه فأضاف اليها فقهه في قواصم النوازل وبناء علي ذلك  يمكننا القول ان السلفية كمصطلح له اكثر من دلالة وتباين من موقف الى اخر ومن جماعة الى اخرى ومن شخص الى آخر الى حد التعارض والمواجهة. ويمكننا ان نشيرالى الوخائم والمقاتل  التي ترتبت على التباينات داخل المدرسة السلفية الواحدة   كتلك الجماعات السلفية التي دخلت مسجد انصار السنه بامدرمان 1994 واطلقت النيران على المصلين وهم لا يقلون عنهم سلفية وقد تمت مواجهات متعددة داخل المساجد اليمنية  بين الزيود والوهابيين  من طرف  ومن طرف آخر بين الوهابيين من انصار المملكة العربية السعودية وخصومها  من نفس المذهب فعبروا عن ذلك  باشهار السلاح   لاختلافات في المواقف السياسية عجز نهجهم “السلفي” المضطرب  في النظر من الاقتراب اليها عقلا فالتقوا عبر اسلحة غير سلفية وظل كل فريق منهم حريصا على قتل صاحبه الذي ينطلق من ذات المواقع .

نواصل

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk

***

هوامش وتعليقات

-1- عبد اللة البردوني-أغنية من خشب ص 662  – ديوان عبد اللة البردوني – الاعمال الكاملة – المجلد الاول-اصدارات الهيئة العامة للكتاب-2002

-2-

Erich   von Danikan   The  remembrance  of the future

يقع “تذكر المستقبل”  التخيل الروائي الاثاري للكاتب الدانماركي اريك فون ديكان في فضاء الخيال العلمي- اذ  يتطلع  الكاتب  في تعاريج  مزجه بين الخيال العلمي والنظر الاسطوري الديني  لنشأة الكون والحضارات من مرجعية  نصوص التوراة والانجيل أن يدحض   المفهوم المادي للتاريخ عبر العلية الدينية للاصحاحات فيعيد النظر من منظور الخيال العلمي في     ابعاد المكان والزمان في سياق رفض الفكرة القائلة ان الزمان شكل لوجود المكان الذي يساوي لدية أن الانسان يقبع  في حبس ابدي داخل قضبان المكان وعليه ان يتمرد على السجن والسجان أما التصور السلفي فلا يخرج من اليقين  ان المستقبل يكمن في استعادة  الماضي الذهبي  وبعجز هذا التصور عن تقديم اجابة عن ماذا يعني بالماضي  الذهبي – متى بدأ ومتى انتهى ؟. للمستشرق الشيكي كارل باتراشك (مؤلف) يناقش فيه عودة الزمن لدى المسلمين.

-3-

 فؤاد زكريا – التخلف الفكري وأبعاده في الحضارة ، ص 167 – ندوة الكويت 1974 – عن أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي.

* لسبب غير معلوم  وليس من اهتمامات الحكاية أن قد ادخل ثور راسه في آنية فخارية صغيرة العنق واسعة الجوف (برمة) فلما عجز من يعنيهم امر الثور والجرة عن حل ينزع به الثور عنقه  بسلام وتبقى الجرة سالمة استعانوا بالبصيرة أم حمد التي اشتهرت بطرائقها في اسداء الحكمة فاشارت عليهم  بقطع راس الثور اولا فلما فعلوا طلبت منهم كسر الجرة.

-4- لن يعثر القارئ في هذه الموسوعة بابا أو عنوانا أو موضوعا مستقلا يطلق عليه السلف أو  السلفيون.انظر:   فؤاد سزكين- تاريخ التراث العربي – علوم القران – علم الحديث – التدوين التاريخي  الى غاية سنة 430 هجرية تقريبا الاول والثاني- نقله للعربية  محمود فهمي حجازي- فهمي ابو الفضل- الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977 .

-5- الخلاف حول الامامة في الفكر السني

واعظم خلاف بين الامة- خلاف الامامة, اذ ما سل سيف في الاسلام كما سل علي الامامة في كل زمان – وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الاول, فاختلف المهاجرون والانصار فيها- فقالت الانصار منا أمير ومنكم أمير وأتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة  الانصاري فاستدركه  ابوبكر وعمر رضى الله عنهما في الحال لان حضرا سقيفة بني ساعدة وقال عمر: كنت أزور في نفسي كلاما  في الطريق فلما وصلنا الى الطريق  اردت ان أتكلم فقال أبوبكر: مه يا عمر- فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب- وانما سكتت الانصار عن دعواهم  لرواية ابوبكر عن النبي (صلى الله عليه وسلم): الائمة من قريش- وهذه هي البيعة التي جرت في السقيفة.

عبد الكريم الشهرستاني:ص 22 -23 الملل والنحل-دار الفكر بيروت- بدون تاريخ

أوجة الاختلاف حول الامامة

الاختلاف حول الامامة على وجهين:

1- القول ان الامامة تثبيت بالاتفاق والاختيار،

2- الامة تثبت بالنص والتعيين.

فمن قال ان الامامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بامامة كل من اتفقت عليه الامة او جماعة معتبرة من الامة أما مطلقا وأما بشرط أن يكون قرشيا  على مذهب قومه وبشرط أن يكون هاشميا على مذهب قومه.

الشهرستاني- ص 26 الملل والنحل -دار الفكر

-6-قانون “مضاجعة الوداع” يسمح بممارسة الجنس خلال الساعات الـستة الاولى من الوفاة

April 28, 2012