رشا عوض أعلم تمام العلم ان مجرد العنوان أعلاه يكفي لأن تشهر محاكم التفتيش سيوفها، ولأن تنطلق الفتاوى التكفيرية والاستتابات والمواعظ التي ينطلق بعضها بحسن نية وبعضها الآخر ظاهره الدين وباطنه المكر السياسي!

ولكنني اخترت هذا العنوان مع سبق الإصرار والترصد، لاعتقادي ان أحد أسباب استشراء “الإسلام السياسي”، وأهم الأسباب التي ترجح استمرار مسلسل الاحتيال السياسي باسم الدين، هو منهج المهادنة، وتفادي المواجهات الحاسمة والجذرية، و”التورط غير الواعي” أحيانا في التماهي مع مفردات خطاب الإسلام السياسي من قبل سياسيين ومثقفين أصحاب توجهات علمانية  ولبرالية! ومن أمثلة ذلك مثلا، عند إثارة السؤال الماكر حول الموقف من “الدولة الإسلامية” و من تطبيق “الشريعة الإسلامية” في السودان مثلا، ينصرف البعض إلى الحديث عن ان الذي طبقه جعفر نميري في الثمانينات، وما طبقته الإنقاذ منذ انقلابها المشؤوم ليس هو “الشريعة الصحيحة” بل هو “تشويه” للشريعة، وما فعلته الانقاذ بالدولة متناقض مع واجبات “الدولة الإسلامية” ويسترسل البعض في طرح الأسئلة الاستنكارية (هل هذه دولة إسلامية)، وكأنما “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” مسلّمات متفق عليها بيننا جميعا والاختلاف هو في طرائق التطبيق، وأهلية هذا التيار أو ذاك لقيادتنا نحو تحقيق هذه الأهداف!

 وهذا الحديث يحمل في أحشائه بذرة جديدة لتخلُق تيار “إسلام سياسي جديد” يتصدى لمهمة التطبيق “الصحيح” للشريعة الاسلامية، ومهمة إزالة” التشويه” الذي تم على يد النميري والإنقاذ! ومن ثم إقامة “الدولة الإسلامية الحقيقية” على أنقاض “الدولة الإسلامية الزائفة” القائمة حاليا! وبهذا علينا ان نستعد لاستقبال “محتالين جدد” ليفتحوا لنا صفحة جديدة من صفحات الابتزاز العاطفي باسم “الشريعة الإسلامية” و”الدولة الإسلامية”، وهي صفحة ستظل مفتوحة على الدوام ما لم  ننزع القدسية الزائفة عن مصطلحي”الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” عبر نقاش عقلاني حولهما ، يخضعهما لعملية تفكيك منهجي ومفهومي، يؤدي الى تجاوزهما تجاوزا حاسما، ومن ثم ينطلق الخطاب العلماني من منصة مستقلة متحررة تماما من “التورط غير الواعي” في فخاخ “الإسلام السياسي”.

ولكن تأسيس هذا الخطاب العلماني وتوطينه في بيئة ثقافية يشكل الدين الاسلامي رافدا مهما وأساسيا في تكوين ضميرها ووجدانها، يحتاج الى مخاض فكري عسير في التراث الإسلامي، ويحتاج إلى مشروعات نقدية لكل الأفكار المرجعية لجماعات” الإسلام السياسي” المعاصرة، بهدف بلورة وعي جديد، ورؤى فكرية تأخذ في اعتبارها التساؤلات البريئة والمخلصة لملايين المسلمين”غير المتورطين في الاحتيال السياسي باسم الإسلام” وعلى رأسها السؤال حول إمكانية ان يكون المسلم مسلما وفي ذات الوقت منحازا لعلمانية وديمقراطية الدولة، ومتفاعلا بصورة إيجابية مع منجزات العقل الحديث، وهذا العقل الحديث هو الآخر في متناول النقد.

أما بالنسبة للمسلمين المتورطين في خطيئة استغلال الإسلام في الاحتيال السياسي، فهؤلاء لا بد من تغيير أسلوب التعامل معهم من مواقع “دفاعية” هم أولى بها، فعندما يطرحون أسئلتهم الماكرة من قبيل هل تقبل او ترفض “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” فإن إجابتي التي أتحمل المسئولية عنها شخصيا، هي أنني أرفض تماما وبلا مواربة هاتين الفكرتين، لأسباب أجملها هنا، أما التأسيس النظري بصورة تفصيلية لهذه الإجابة ، فلا تتسع له هذه المقالة، وقد تناولته في أوراق بحثية مستقلة، أجمل أسبابي فيما يلي:

أولا: “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” عبارة عن مصطلحين سياسيين معاصرين من صنع”بشر عاديين” وليست لهما من وجهة نظري أية قدسية دينية تجعلني اتهيب المجاهرة برفضهما، فالإسلام كما أفهمه ليس من مقتضياته السعي لإقامة دولة تسمى “إسلامية” وتكون وظيفتها الأولى”تطبيق الشريعة الإسلامية”

ثانيا: المسلمون يحتاجون لمؤسسة الدولة من حيث هم بشر يحتاجون الى مؤسسات تتكامل لاداء وظائف يحتاجها البشر في ادارة معاشهم من توفير الأمن، وانفاذ القانون، وتنظيم الحياة العامة بمجالاتها المختلفة، فهم لا يحتاجون الى الدولة من حيث هم مسلمون! فالدولة كائن تاريخي متطور باستمرار ومتغير تبعا لمتغيرات الزمان والمكان وتبعا لمقتضيات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر الأزمنة المختلفة تاريخيا، وحتى في الزمان الواحد، تختلف الدولة من مكان الى آخر.

ثالثا: في شأن إدارة الدولة وممارسة العمل السياسي لا يوجد شيء اسمه “الشريعة الإسلامية” حيث لا توجد “حزمة من القوانين والتشريعات والبرامج ابتداء من مجالات الأمن والدفاع و السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، مرورا بالتعليم  والزراعة والصناعة والجمارك والطيران  والملاحة البحرية والنهرية والبيئة، وصولا الى كيفية توفير خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وبرامج ادارة مشروعات البنية التحتية من طرق وجسور ومطارات..الخ” لا توجد برامج مجملة او مفصلة لكل تلك المجالات  نستطيع ان نطلق عليها “شريعة إسلامية” وهذا يقر به حتى عتاة السلفيين وقادة الإسلام السياسي، وبالتالي فإن الذي يقتحم ساحة العمل السياسي في دولة تنتمي للقرن الحادي والعشرين ويطرح نفسه بديلا لقيادة هذه الدولة، لا يستقيم عقلا ولا خلقا ان يقول برنامجي هو تطبيق “الشريعة الإسلامية” و”الحكم بما أنزل الله” وهو عاجز تماما عن ان يشرح لنا بالتفصيل الممل  ما هو الذي أنزله الله بالتحديد في إدارة المجالات الواردة أعلاه بشروط اللحظة التاريخية المعاصرة، فتلك المجالات هي المحتوى الوظيفي للدولة وهي دائرة اشتغال السياسيين الذين يقدمون انفسهم لحكم وادارة الدولة، وهي مجالات مرتبطة بطعام المواطنين وشرابهم وامنهم وصحتهم وتعليمهم وحلهم وترحالهم، ولا تحتمل اية تهويمات إنشائية او اي استرسال في مساجلات فقهية وجدل عقدي متشعب، لانها أسئلة آنية ملحة لا تحتمل التأجيل!

شأن الدولة والسياسة بطبيعته النسبية المتغيرة المتحركة هو شأن المعرفة والخبرة والتجربة الإنسانية، وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه”الشريعة الاسلامية” في هذا المجال، هذا مجرد ادعاء، والذين يرفعون هذا الشعار مضافا اليه شعارات”الحاكمية لله” و”الحكم بما أنزل الله” يرغبون في الصعود بدون وجه حق إلى “منصة فوق إنسانية” تعصمهم من النقد وتختصهم بامتيازات “سياسية دنيوية” ويطرحون خطابهم وبرنامجهم” السياسي الوضعي البشري المحمل بمصالحهم الدنيوية وبأهوائهم ورغباتهم البشرية، والمحدود بحدود عقولهم وتجاربهم ومعارفهم النسبية” يطرحون هذا الخطاب من فوق تلك المنصة المتعالية! وبلا حياء يقولون للناس: هذا من عند الله! هذا شرع الله! هذا حكم الله!

هناك نصوص قرآنية تتضمن أحكاما مثل نصوص الحدود والقصاص والمواريث وبعض الأحكام في الزواج والطلاق، وشؤون النساء، واحكام القتال في سبيل الله، والجزية، والحكم بما أنزل الله، يستدل بها أهل “الإسلام السياسي” على وجوب اقامة دولة إسلامية ووجود كتلة صماء اسمها”الشريعة الإسلامية”، ولكن بقراءة تلك النصوص في سياقها التاريخي الاجتماعي، وبعقل متجاوز لمناهج الاستدلال والاستنباط التقليدية يمكن الاستدلال بها على استحالة وجود دولة اسلامية،

وهذا الباب طرقه كثيرون وادلو بدلوهم فيه، ولكن “الاسلام السياسي” يصادر مشروعية كل فكر متجاوز لمنهجيته التقليدية بسلاح الإرهاب التكفيري،لأنهم يريدون إنكار حقيقة التعددية في فهم الاسلام، وهي تعددية لا تستثني شيئا، حتى موضوع الأحوال الشخصية مثلا، الذي يتم الاستدلال به باعتباره “شريعة إسلامية محضة” نجد المسلمين مختلفين حوله اختلافا كبيرا، مثلا قانون الأحوال الشخصية التونسي يحرم تعدد الزوجات ويبيح التبني ويستند في ذلك الى اجتهادات الشيخ الطاهر الحداد، وقانون الأحوال الشخصية المغربي المسمى بمدونة الأسرة لا يعطي الرجل حق الطلاق منفردا حيث لا يعترف بالطلاق إلا اذا حكم به القاضي في المحكمة ويحصر تعدد الزوجات في اثنين فقط وبشروط مشددة في القانون ويحدد الحد الادنى لسن الزواج بستة عشرة عاما، ومرجعيته في ذلك اجتهادات مستنيرة في الاسلام، اما قانون الاحوال الشخصية السوداني فيجعل السن القانونية للزواج عشرة سنوات ويجعل الطلاق حقا مطلقا للرجل ويمكن ان يقع بكلمة منه ويبيح للرجل الزواج باربعة نساء دونما شروط، ويدعي ايضا انه يمثل “الشريعة الإسلامية”

وهذا شاهد بسيط على عدم وجود كتلة صماء متطابقة من الأحكام في شأن الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتحركة نستطيع ان نطلق عليها”الشريعة الإسلامية ” معرفة هكذا بالف ولام التعريف

هناك مقاصد كلية ومضامين قيمية واخلاقية في الدين الاسلامي، وكيفية تجسيد هذه المقاصد والمضامين متغير ومتعدد. .  

رابعا: “الإسلام السياسي” الذي يمارس الابتزاز العاطفي بشعارات “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” هو نفسه تيارات متباينة ومختلفة بل ومتقاتلة يضرب بعضها أعناق بعض بسبب الاختلاف حول “السلطة والثروة” وبسبب الاختلافات المتشعبة بينهم في فهم وتفسير الاسلام واختلاف تفسيرهم لما “أنزل الله” في كتابه، وحول ما هي”الشريعة الاسلامية” وكيف تكون”الدولة الإسلامية، وبالتالي فإن الإسلام السياسي فاشل تماما في تحقيق التعايش السلمي بين فصائله هو! فكيف يكون الحال مع العلمانيين المسلمين  ومع غير المسلمين أساسا! وطاحونة الاقتتال بين المسلمين على السلطة السياسية منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان إلى يومنا هذا تشهد بان ليس في الإسلام “دولة” او “نظام سياسي”.

لذلك على العلمانيين ان يكفوا عن طرح حجتهم القديمة ضد الإسلام السياسي وهي: لا بد ان تكون الدولة علمانية لان هناك مسيحيون! لان الحجة الأقوى هي اختلاف المسلمين بل اختلاف الاسلاميين انفسهم، والشواهد لا حصر لها قديما وحديثا.

خامسا: من اراد ان يكون للإسلام دورا كبيرا في حياة البشر فإن ذلك لن يتحقق إلا عندما يشتغل الإسلام في دائرة اشتغاله الحقيقية وهي الارتقاء بسلوك الفرد المسلم في مراقي الفضائل الأخلاقية من صدق وأمانة ووفاء بالعهد ومعاملة حسنة للاحياء والأشياء، وتعميق انحيازه لقيم العدل والحرية والإخاء والمساواة والاخذ بيد الفقراء والمستضعفين، واستنهاض ضميره باستمرار لكل ما هو خيّر وجميل ورحيم للانسانية.

       

ان من أهم أسباب تمدد خطاب الإسلام السياسي،  إغفال العمل الجاد في جبهة محورية من جبهات النهوض الحضاري للمجتمعات”المسلمة”، وهي جبهة الاستنارة! فلا نهوض لمجتمعاتنا دون ان يكون التنوير في القلب من مشروع نهضتها، ودون ان يفرد مشروع “التنوير” مساحة مقدرة لتأسيس منهج جديد ورؤية فلسفية جديدة للتعامل مع”الإسلام”، بهدف تحريره من “قوقعة الإسلام السياسي” الذي يستخدم الإسلام ك”ماركة تجارية” لتسويق بضاعته السياسية، ولا يمكن تجريد الإسلام السياسي من هذه الماركة ذات الجدوى التسويقية العالية إلا بالجرأة في النقد الصارم للمفاهيم والمصطلحات التي حوّلها خطاب”الإسلام السياسي” إلى “مسلّمات عقدية” من لم يؤمن بها ويدافع عنها فهو ليس معارضا سياسيا لتيار سياسي يقوده بشر عاديون، بل هو معارض للدين الإسلامي من حيث هو! و”محادد” لله ورسوله!

ولأن الفهم السائد في أوساط عموم المسلمين للإسلام هو الفهم الموروث من المدارس والمذاهب التقليدية على اختلافها، مدارس النقل والتقليد، التي تنتمي للقرن الرابع الهجري، والتي ما زالت متحكمة في “عقول المسلمين” وهي التي شكلت المرجعية لحركات”الإسلام السياسي” المعاصرة، حتى تلك التي تدعي التجديد، فإن تيارات”الإسلام السياسي” استطاعت بسهولة ويسر ان تمارس الإرهاب الفكري بمصطلح”الشريعة الإسلامية” و”الدولة الإسلامية” لأن البيئة الثقافية والفكرية التي تعمل فيها هذه الجماعات بيئة غير محصنة بالوعي الكافي الذي يجعلها تستقبل خطاب “الإسلام السياسي” بعقولها، بل إنها تستقبله بعواطف وأشواق ماضوية و”نوستالجيا” رومانسية، وتجاوز ذلك يحتاج إلى عمل طويل وشاق يتميز أصحابه بالجرأة والشجاعة، وبالمثابرة والإخلاص.

والبداية في هذا المشروع لن تكون بداية من الصفر! فهناك تراكم من المساهمات الفكرية التنويرية الجادة لكثير من المفكرين الذين بدأوا عملية “الحفريات” العميقة في التراث الإسلامي من منطلقات  مختلفة  وباستخدام مناهج متعددة منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن وحتى يومنا هذا، فهناك تراث تنويري متراكم لدى مختلف الشعوب المسلمة والسودان ليس استثناء، ولكن عملية تحقيق الانتقال التاريخي لهذه المجتمعات الى “العصر الحديث” ما زالت متعثرة جدا، وهذا ما نحتاج للتوقف عنده كثيرا.