مدخل مهم: نشأت في بيت صوفي وأقرب للسلفيّة بمعناها المحافظ والتقليدي. حيث عكف على تدريسي وتحفيظي القرآن والفقه والتجويد كلّ من والدي الشيخ الاستاذ محمد الحسن علي فضل (الذي سبق و انضم للحركة الإسلاميّة السودانية ابان دراسته بمصر وتركها قبل عودته للسودان في 1957)،

والاستاذ حسن ناصر حسين خريف (الذي قيل انّه كان عضوا بالحركة الإسلاميّة وقتها 1984-1986). وقد قاد الاستاذ حسن تلاميذه ومن بينهم الكاتبة- وهي بنت ثماني سنوات- لتظاهرة لدعم قوانين سبتمبر شعارها (لا شيوعيّة ولا إلحاد الإسلام بالمرصاد). ومنذ ذلك الحين ورغم عدم انتمائي لأيّ حزب سياسي الّا انّني ظللت اميل في افكاري وسلوكي نحو المحافظة اذ كنت اضع الحجاب الى حجب الايدي بالقفازات وعدم المصافحة الى حين تخرّجي من كليّة الطب جامعة الجزيرة في 2001 . وعمري وقتها كان26 عاما.

كمهتمّة بالدّين الاسلامي كنت دائما أشعر بأن الرؤى الفكريّة والفقهيّة التشريعيّة للدين كانت تشعرني بالدونيّة واحتقار الذات فأنا مخلوقة من ضلع أعوج وناقصة عقل ودين واقطع الصلاة كالحمار والكلب الاسود وغير ذلك من رؤى تشوّه الحياة وتخوّف من الآخرة التي أكثر أهل النار فيها من النساء. كان الفقه التقليدي يقول لي ان انتظر الخلاص في الآخرة وانّ ما أشعر به من ظلم هو مراد الدين لي وعدالة خفيّة قد لا ادركها الآن او احسن فهمها.بينما كنت دائما أفهم العدالة على انها حالة شعورية بأنه تم انصافي وليس وهما هلاميّا ولا فكرة فطيرة.وقد قادني عدم الاتساق هذا الى مراجعة أفكاري ومواقفي .مما جعلني ابحث في قضايا المرأة والتجديد الديني وقد كانت هذه الدراسة هي اول مشروع بحثي لي شاركت به في ندوة المرأة في الحياة العامة التي اقامها مركز الدراسات السودانية في 8-11 مارس 2003 . وعليه فإنّ خلفية هذه المفاكرات تصدر من نسويّة تقدميّة ، تؤمن بأهمية توطين حقوق المرأة وحقوق الانسان بصورة عامّة في الدّين والثقافة. وبالتالي تقارب منطلقات واطروحات مايعرف بحركة النسويات المسلمات الحديثة. فإذا تبنينا تقسيم الكاتبة المصرية عزّة كرم – والذي اوردته الدكتورة مريم الصادق في دراسة لها عن المرأة والتديّن- للحركات النسوية الى حركات نسوية علمانيّة واسلامويّة ومسلمة. فإنّ النسوة العلمانيات هنّ اللواتي ينشطن من اجل حقوق المرأة من منظور حقوق الانسان والمواثيق الدولية ومن خارج الدين. والنسوة الاسلامويّات وهن اللواتي ينادين بالعدالة بين النساء والرجال بدلا عن المساواة ويؤمن بأنّ اضطهاد المرأة ينبع من محاولة المرأة التعدّي على مجال فعل وعمل الرجال. والنسوة المسلمات وهن اللواتي يعملن على إعادة قراءة وفهم للدين من منظور نسوي. ويؤمن بأنّ المساواة بين الرجال والنساء هي حقيقة مثبتة في الدين وحق نسوي أصيل. وبالنسبة للكاتبة فإنّ الاهتمام بالدين ينبع من منطلقات ثلاثة اساسية: أوّلها ان الاسلام هو عقيدة غالبية السودانيين. وسواء اكانت قائدات الحراك النسوي مؤمنات او لا فإنّ عليهن استصحاب الدّين لأنّ  المجتمع المخاطب بالتغيير الحقوقي هو مجتمع مسلم ومتديّن. ثانيا إنّ تجاهل الدين في قضايا التوطين الحقوقي في السودان قد يتحول الى سقف على التطور والتقدم قد يصيب الحراك النسوي بانتكاسات خطيرة في مسيرته كما سبق وحدث للحراك النسوي في السودان. ثالثا انّ عدم اشتغال النسويات بالدين قد يكون أحيانا من باب التماهي مع الفكر الذكوري الذي يقصر التديّن والاشتغال بالدّين على الرجال ويحصر المرأة في الغواية. ويترك لها مجال تعبّد وحيد يمر بالضرورة عبر الطاعة الى حد العبوديّة للزوج. وبالتالي يكون التصور النسوي الحديث قائما على حرمان المرأة من حق أصيل ومهم هو حقّها في التدين. والمفترض ان الحقوق ليست خصما على الدين والعكس صحيح.

يعتبر الإمام الصادق المهدي من الباحثين المهتمّين بقضايا المرأة والدّين. وقد عبّر عن رؤاه الفكريّة في الكثير من المحاضرات وفي كتبه : المرأة وحقوقها في الاسلام، الحقوق الاسلاميّة والانسانيّة للمرأة. بالاضافة للإعلان العالمي لحقوق الانسان من منظور اسلامي.

دعا السيد الصادق المهدي في منهجه الفكري إلى ما أسماه التأصيل الصحوي، والذي يفتح باب الإجتهاد سعيا وراء مقاصد الشريعة الإسلاميّة، ويقول إن القرآن الكريم، كتاب الله، قطعى الورود ولكن كثيرا من آياته حمّالة أوجه. وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) في غير السنن العملية أغلبها ليست قطعية الورود وفي دلالاتها أقوال، وكتب الأحاديث الصحيحة، (الصحاح الستة) ليست مبوبة حسب التسلسل الزمنى، ولا توجد روايات قطعية في نسبة النطق بها، لزمن نزول آيات القرآن. وحتى بعد حسم صحة الورود فهنالك نصوص متناقضة في ظاهرها، كالآيات التي تعتبر حجة للجبر وتفيد التسيير والعكس صحيح، فأيهما هي الآيات المحكمة؟

وحينما سألت الامام عن منهجه الفكري قال “ببساطه أعطيك مفتاحين، بالنسبه للمهديّة مفتاحي لها انّ الكلام حول المهدي والأحاديث مختلف عليها، هناك من يقول أن المهدي الإمام الثاني عشر،  الذي غاب وسيعود، هؤلاء هم الشيعة، وآخرون يقولون أن الامام المهدي سيظهر في آخر الزمان، وأنا أقول أنه كلام غير صحيح، أولاً الذي غاب  قبل 14 قرناً لا يمكن أن يعود، “إنك ميت وانهم ميتون”، هذه قاعدة، الثانية موضوع آخر الزمان أنه عندما تحضر آيات ربك لا ينفع نفس ايمانها، بمعنى أنه بعد انكشاف الامتحان لا يفيد أن تؤمن بعد كفر.

المهديّة متعلقه بإحياء الدين، وليست متعلقه بشخص معين ولا زمن معين، وأستشهد بآيات كثيره جداً، “فإن يكفر بها هؤلاء فقد أوكلنا قوماً ليسوا بها بكافرين”، “يا أيها الذين آمنوا من يرتد…”، “ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، وبهذا أثبت أن الاحياء ليس مرتبط بشخصيه معيّنة او زمن معين، ولكن ما الذي يعطي دعوة محمد أحمد هذه الخصوصيّة؟ ما يعطيها خصوصيّة الآتي: أولاً: أنها قامت بإلغاء الزامية كل الاجتهادات، ولا يوجد اجتهاد قام به البشر ملزم. ثانياً: ضرورة ملء مقعد الخلافة وهذه مسائل وظيفية. انا قمت بتغيير النظرة إلى المهديه ، كما قمت بتغيير النظرة تجاه العيسويّة، لأنه بعد المهديّة تأتي العيسويّة، وقلت أنه لا يأتي شخص معين، انما هو اقبال جميع الناس على دعوة التوحيد، ويصبح هناك دين انساني واحد، ونظرتي تجاه العيسويّة وظيفة توحيد الدين من منطلق إنساني، وأصبحت أقول هذا الكلام في منابر كثيرة باعتبار أن المهدية والعيسويّة وظائف، وليسوا أشخاصاً.

بالنسبه للإسلام مفاهيمي كالآتي: أولاً الدين يفهم بمقاصده وليس بالنصوص. سألتني عن ماهي جائزة المرأة في الجنّة، أقول ان الايات المختلفة ايات شبهات، “هو الذي أنزل عليك القرآن منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات”، أم الكتاب معناها مقصد الكتاب، اذن الآيات في موضوع الجنه المحكمة هي “إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض”، وأي كلام آخر متشابهات، والتفسير مهم لأن هناك آيات تقول إن الانسان مسيّر “وما تشاؤون إلا أن يشاء الله”، وهناك آيات تقول إن الانسان مخيّر، فلدينا كبشر مكافأة على الأخلاق وإن كنا مسيّرين لماذا نحصل على المكافأة؟ إذا الإنسان مسيّر ينهدم أساس الأخلاق، مادام مقاصد الشريعة هي الأخلاق إذن ما يتماشى مع الأخلاق هو الصحيح وما عداه متشابهات. الإنسان مخير لأن هذا يعطي الأخلاق أساساً وغير مسير، متشابهات. وهو أيضاً يدخل في موضوع قضية المرأة فيما يأتي في موضوع تأديب المرأة، لأن الآية التي تقول “واضربوهن…” بعدها مباشرة تأتي آية التحكيم “حكماً من أهله وحكماً من أهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما”، إذن مقاصد الشريعة في الزواج تقوم على: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة” السكون والمودة والرحمة لا تتناسب مع الضرب، اذن هذه مقاصد الشريعه والتي تتماشى مع التحكيم وليس الضرب، لأن الشخص الذي تضربه لا تحترمه، فإذن الكلام عن الضرب متشابهات وعن التحكيم المحكم.

النظره للاسلام في رأيي تمشي على أساس التفسير المقاصدي بالنسبه للقرآن، أما فيما يخص السيرة، أنا الآن اكتب في السيرة، ولدي فيها بحث أخير يتحدث عن وظيفة السيرة المحمديّة في الادماج الإنساني، وأبني السيرة على أساس المعقولات من مصادر الدين، وهي تفسر النهج حول السيرة.

أما فيما يخص الفقه، فالناس بنوا الفقه على القياس والاجماع، وانا أقول ان هذا استنباط ظاهري، ورأيي أن النص والفهم التدبري للنص والحكمة و العقل والتجربة والمصلحة والسياسة الشرعيّة، هؤلاء جميعهم يدخلون، ولا يجب ان نفهم الفقه على أساس النصوص والقياس والاجماع.

هذا منطق اسميه ظاهري اما الجوهري التدبر في الآيات والحكمة والعقل والمصلحة والتجربة الانسانية جميعها والسياسة الشرعية، والالهام.

في قاعة الصداقة سألني احدهم ماهو الالهام، وهناك محاولات لشطب التصوف، فقلت له: من أين أتى الأذان، وهو كانت رؤية رآها أحد الصحابة وأخبر بها النبي بينما كانوا يفكرون في طريقة لجمع الناس لوقت الصلاة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: علّم بها (بلال)، وأيضاً الاقامة، لم تأتِ من الكتاب أو السنة، وأيضاً تحدث الرسول عن البشائر والرؤية الصادقة، وهي تأتي من غير الحواس، اذن هناك أشياء غير الشئ العقلاني، وذكرت الآية: “اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به”، فما هو هذا النور؟

يقول المتنبئ:

ذكيّ تظنيه طليعة رأي **** يريك في يومه ما ترى غدا

وهناك كثيرون معروفون بهذا الأمر، واذا كان الانسان غير مجرد كما قال ويلز: معادلات كيميائه، والانسان به شيء إضافي.ثم أن الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) يقول كلاماً أساسياً في هذا الأمر: يقول إن غير المصدق بوجود هذا الأمر لا يصدق بالنبوءة، والنبي نفسه في الأوّل كان يقول رأيت شيئا يبدو كفلق الصبح، وهكذا بدأت له الرؤى، ومن لا يؤمن بهذه الأشياء الروحيّة لا يؤمن بالنبوّة، لأن النبي بشر، والأمر الذي توصله إلى النبوة أشياء تحدث إلى البشر، وإذا لم يكن الرسول بشراً فهذا شرك. صحيح ان البعض قد يستغلون مفهوم الالهام لكن كل شيء قابل للاستغلال، والدجل موجود في كل شيء، وعندما سئل المسيح قال “بثمارهم تعرفونهم”، لكن لا يمكن أن نترك الأمر خوفاً من الدجل. وهذا لا يلغي وجود بعد روحي في البشريّة، وهناك اشخاص لديهم نوع من الفراسة، أصحاب التفكير الظاهري يريدون أن يغلقوا بها باب التصوف، وهم يقولون أن “قلوب العاشقين تطير إلى رب العالمين”، ولهذا هم يريدون إغلاق هذا الأمر وماشاكله. الشيخ بن باز أعمى، وقال لشخص لا تفهم النص الا كما هو ولا تقم بتأويله، فقال له الرجل: “من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا”، فقال له حججتني، لأنها تأوّل بأعمى البصيرة لا البصر.(نواصل)