د.حيدر إبراهيم علي كلما قلنا عساها تنجلي قالت الاحداث هذا مبتداها مدخل لابد من التنويه بالاهتمام الذي حظي به المقال السابق، بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف،

ولكن أكرر التحذير من اغراءات السلوك الاخوانجي في الكتابة، أي العنف اللفظي، والشخصنة، والنية السيئة. فقد علّق كثيرون بسبب دوافع وطنية أو فكرية أو الاثنين معا، بينما كتب آخرون بسبب”الدفع” ليس لأي دافع طيب. وهذه من ظواهر انحطاط المجتمع السوداني الانقاذي أن يتسلل المهووسون والحكّامات الي صفحات الجرائد وللإعلام بدلا عن مكانهم الطبيعي كشواذ. إذ يلعب الصحفجية من الجنجويد أو المرتزقة الجدد، دورا خطيرا في جر الناس لمهاترات شخصية وإبعادهم عن القضايا الاساسية. وقد جندت الانقاذ عددا من هذه الأقلام التي ليس لها قضية، لتقوم بعمليات الشتم والاساءة واغتيال الشخصية مقابل مكافآت مقطوعة. فمن المحال أن يقوم مثلا:أحمد عبدالرحمن، أو عبدالرحيم علي ،أو ابراهيم أحمد عمربمهمة شتم الخصوم لأنهم محترمون،وذوو تربية أصيلة لا تسمح بشتم الناس. وهنا ينطبق مثل القائل: “التركي ولا المُتورك”. فقد أوكل الاتراك الحقيقيون هذه المهمة القذرة لأبطال مغاوير يقومون بها بها بلا تأنيب ضمير. فهؤلاء الابطال (أو عمال التراحيل في الصحف) لا يساوي الانسان عندهم أي قيمة مقابل الشيك أو المظروف السمين

لم يكن من أغراضي التقليل من قيمة شعبي، ولكنني لا اتملقه. فلابد له في كارثته الحالية، من أن يسمع “كلام البيبكيكه” وليس الذي يضحكه زورا. وقد كتب (نجم) قصيدة سنة1967 بعد النكسة اسماه (مر الكلام) يقول فيها: –

مر الكلام زي الحسام

يقطع مكان ما يمر

اما المديح سهل ومريح

يخدع ولكن بيضر

والكلمة دين من غير إدين

بس الوفاء ع الحر

للاسف- وضمن الأزمة الراهنة – استطاعت الكلمة العاهرة في بلادنا،أن تطرد الكلمة الطاهرة الشريفة. وكان مظفّر النواب في إحدي قصائده، قد وجد العذر لمن “تبيع الجسد الفاني” ولكنه لم يرحم من يبيع قلمه، وفكره، ومواقفه.

كان هذا التنويه ضروريا، إذ لابد من التركيز علي القضية:وهي: كيفية بعث روح الأمة؟ والاسئلة وهي: هل الوطن في أزمة تهدد بالانهيار الكامل؟وماهي الاسباب العميقة للأزمة؟ وكيفية الخروج من الأزمة؟ رجاءً، هذه هي المسألة دون شخصنة وعاطفية غير عاقلة. ومناقشة ما قيل وليس من قال.

الواقع وآليات التفكير السوداني

ترجع جذور الأزمة الراهنة الي عجز السودانيين التاريخي عن بناء” روح الأمة” الموحدة، وبالتالي قيام دول مركزية،وحديثة. وكان هذا يعني الانتشار السلمي لثقافة أساسية تعبر عن هذه الروح التي تجمع السودانيين، مع أمكانية وجود ثقافات اخري معترف بها. كما يعني هذا،وجود نمط إنتاج سائد، وعلاقات إنتاج محددة، وبالتالي تنظيم اجتماعي يقوم بأدوار ووظائف تعمل علي التماسك والتطور. ولكن السودان – لسوء الحظ- كان نتاج عوامل اجتماعية وثقافية ذات طابع انشطاري ، وتقسيمي، وتنافري، هما: الصوفية الطرائقية، بالاضافة للقبلية. وشكل هذا المعطى طريقة تفكير الانسان السوداني أو العقلية التي حكمت رؤيته للكون، والحياة، والآخر. ويرجع تناقض الانسان السوداني الي هذه الوضعية الثقافية- الاجتماعية التي وجد فيها، وجعلت منه كائنا متنازعا بين ولاءات متعددة مع مستوي معيشة بائس. وعلي مستوي التفكير، كانت العقلية – أو البناء الفوقي غير محدد- رمادية أو ذات ألوان متداخلة، وغالبا تضيع فيها الحدود بين الابيض والاسود. وهذا هو خلل الرؤية وتداخل الأحكام. وهذه بعض الخصائص الاجتماعية والثقافية-الفكرية التي وسمت السودانيين وحرمتهم من التمتع بروح الأمة ثم الوحدة القومية.:

الصوفية- الطرائقية والانشطارية:

دأب الكثيرون علي ترديد القول بأن الصوفية في السودان ساعدت في تقوية “النسيج القومي”. هذا ادعاء غير دقيق، فالعكس تماما قد حدث، فقد كرست الصوفية، القبلية مع كثرة الطرق. فقد تقاسمت الطرق، القبائل والبيوتات الكبيرة، وتماهت طرق معينة بقبائل محددة. وعلي سبيل المثال، الطريقة القادرية، وهي الأكبر والأقدم، تشرذمت فور عودة شيخها (تاج الدين البهاري) الي المدينة المنورة، بعد أن ولي (الهميم ود عبدالصادق) خليفة وطلب من بقية الاتباع طاعته. ولكن الطريقة انقسمت مباشرة الي: الصادقاب في جنوب البطانة، واليعقوباب (بانقا الضرير) علي مقربة من سنار العاصمة، والعركيون ( عبدالله دفع الله العركي) في منطقة (أبوحراز) . وظهرت القادرية السمانية وأسس شيوخ آخرون ليسوا من اتباع (البهاري) المباشرين طرقهم بنفس اسم القادرية، مثل: الشيخ (إدريس ود الأرباب) في منطقة العيلفون وما حولها. ومركز (أبودليق) والثالث الرازقية (أو النقراب) في (ود بانقا) قرب شندي، وهم أصلا امتداد لمركز اليعقوباب الذين بعثوا بتلميذهم (عبدالرازق أبوقرون) لافتتاح موقع، ولكنه استقل عنهم. ويكتب (عبد السلام سيداحمد) معلقا علي ظاهرة التشرذم: ” عدم توحد القادرية وتعدد مراكزها في سلطنة سنار ربما عكس وجود الخلافات ذات الجذور الدينية أوالدنيوية. وقد يمكن إرجاعه لبعض الخلافات القبلية أو الإقليمية، ولكنني أعتقد أن عامل الشهرة – شهرة مؤسس المركز أو أحد من سلالته- يلعب دورا كبيرا في التفاف عدد متعاظم من الناس حول مسيد الشيخ”. (الفقهاء والسلطنة في سنار، براغ، 1991، ص68) .

 

هذا مثال يمكن تعميمه علي كل الطرق،لتقدير أو تحديد دور الطرائقية أو الصوفية السودانية في التشرذم، وإضعاف روح الأمة الوطنية لصالح “أمة الطريقة”. صحيح أن المشائخ نشروا الإسلام، وعلّموا القرآن، وبنوا المساجد والخلاوي؛ولكن لم يغرسوا أي شعور قومي بالسودانية، أو بما هو أشمل وأوسع من الطريقة أو الشيخ.

 

2. يحاول (الصادق المهدي) تصوير المهدية كاستثناء،

وجاعلا منها حركة قومية مُوحِدة، فيكتب: “. . . لذلك يحق لنا أن نقول أنها أول صنع للوجود السوداني بكيانه المعروف. إنها لأهل السودان كلهم الدعوة المؤسسة لوحدتهم ، الناسخة علي الصعيد الشعبي وفي النطاق الوجداني، لانشطارهم”. (يسألونك عن المهدية، 1975، ص236) . ولكنه لم يستشهد بأي منشور من منشورات المهدية الكثيرة، وردت فيه إشارة لصفة” سوداني”. ثم لماذا اضطهدت هذه الحركة “القومية” قبائل من أكبر القبائل السودانية، مثل: الشكرية وأسرة السناب، وأسرة مادبو، والكبابيش وما فعل الخليفة في الشيخ صالح. وهل يمكن أن تكون هناك روح قومية، ويقول الشاعر السوداني (الحردلو) شامتا ومفضلا أو مرحبا بالمستعمر:

 

الحمد الكتير للواحد المنان

جاب لي في البلد دولة بني عثمان

وقفوا الانجليز في حومة الميدان

ود تور شين جري خلالهم النسوان

يجمع في الجيوش قال ليهم انتو عبيدي

ويبهت في الرسول قال النصر بي ايدي

نصّاف الحقوق اوراني جرية سيدي

اضحك وانبسط كل يوم اجر في قصيدي

أنه لمن المبالغة وعدم الدقة الحديث عن قومية المهدية خاصة في عهدها الثاني، فقد اعتمدت علي بعث القبلية وتسببت في انشطار خطير نعاني منه حتي اليوم-، بين أولاد البحر واولاد الغرب.فالمهدية في البداية حاربت من أجل الإسلام وليس السودان، ولها الحق في ذلك.وهنا أصل فكرة بلد يقوم علي حق العقيدة أو حق المواطنة.

 3. يحاول بعض المدافعين عن “الهوية” تحديدها بأنها هي تعريف الشخص لذاته الثقافية أو القومية، حين نسأل الإنسان: من هو؟ فيرد: أنا سوداني عربي مسلم أو سوداناوي مثلا. ومن هذا الرد نستخلص “الهوية” حسب رد الأغلبية. وهنا نسأل متي صرنا نقول : نحن سودانيون أو أنا سوداني؟ومن الواضح أننا لم نوصف أو ننسب أنفسنا للسودان، إلا مؤخرا بعد الحكم الثنائي بفترة. وكانت الصفة مجرد مصطلح سياسي، وجغرافي، وإداري لوروده في الاتفاقيات والمفاوضات الثنائية بين دولتي الحكم: مصر وبريطانيا. فقد ظلت القبيلة هي أداة التعريف للذاتية، خاصة بعد مأسستها من خلال نظام الإدارة الأهلية أو الحكم غير المباشر. فقد اعتبرته الإدارة البريطانية الأكثر كفاءة والأقل تكلفة. وبعد عقدين من الحكم الاستعماري لم يتوحد السودانيون في كيان قومي واحد بل العكس تماما. ويصف الشاعر (عبدالله البنا) في قصيدة ألقاها عام 1921 حال السودان والسودانيين آنذاك،بقوله:

والناس في القطر أشياء ملفقة فإن تكشف فعن ضعف وتوهين

فمن غنيّ فقير في مروءته ومن قوي بضعف النفس مرهون

ومن طليق حبيس الرأي منقبض فاعجب لمنطلق في الأرض مسجون!

وآخر هو طوع البطن يبرز في زي الملوك وأخلاق البرازين!

وهيكل تبعته الناس عن سرف كالسامري بلا عقل ولا دين!

يحتال بالدين للدنيا ليجمعها سحتا، وتورده في قاع سجين!

4.

 كان العالم بعد الحرب الأولي وانتصار نموذج لأول ثورة اشتراكية، يموج بافكار تقرير المصير حسب مبادئ (ويلسون) وقيام (عصبة الامم) . وفي المنطقة اشعلت ثورة 1919م في مصر وسقوط الخلافة العثمانية في تركيا عام1923م، الشعور القومي بين الشعوب العربية والاسلامية. وفي السودان كانت انتفاضة1924 والتي كانت اختبارا للوحدة الوطنية وبزوغ روح الأمة. ولكن السودانيين بسبب عنصريتهم وقبليتهم البغيضة أضاعوا متعمدين الفرصة، حين تساءلوا عن أصل وفصل وقبائل من قادوا الانتفاضة. وكتبت صحيفة (الحضارة) عن حركة “اولاد الشوارع” الموالين لمصر، وأن البلاد قد اهينت لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها متحدثا باسمها. وتساءل الكاتب:” من هو علي عبداللطيف الذي أصبح مشهورا حديثا؟ والي أي قبيلة ينتسب؟ وهذه بداية تمييز عنصري خلقته ظروف ما بعد الغاء تجارة الرقيق قانونيا. فقد صار الرقيق المحرر يمثل- من اسمتهم الباحثة اليابانية (كوريتا) ب: “المنبتين” (detribalized)أي الذين لا قبائل لهم. هذه هي واحدة من أخطر معوقات بناء روح الأمة. فقد تم عزل فئة كبيرة ومؤثرة بسبب تعليمها وقابليتها للتغيير،من عملية الاندماج الاجتماعي بسبب قانون الفصل العنصري الطبعة السودانية: “فيه عرق”. وهكذا انتهي الرق قانونيا كمؤسسة مجتمعية ولكنه بقي كثقافة واسعة الانتشار، ومحددة للتمايز والفرقة بين أبناء الوطن الواحد. وحتي أكثر عناصر الانتلجنسيا تقدمية، لديها شعار سري يقول: “العب عب والمرة مرة”. وهذا تقسيم لا يقبل المساومة، ولا تنطبق عليه قواعد المساواة.

كان من بين “المنبتين” أفراد مثقفون ومؤهلون، ولكنهم لم يجدوا مكانتهم المستحقة في مؤتمر الخريجين، ولا الحركة الوطنية، ولابرلمانات مابعد الاستقلال، لأنهم ليسوا هاشماب ولا عمراب. كما أن الدوائر الانتخابية الاقليمية أو الجغرافية في الريف، فهي مقسمة واقعيا، حسب القبائل، وطبعا ليس للمنبتين قبائل تدعمهم. أما علي مستوي التزاوج والتمازج الاسري، فالمسألة أشد وضوحا من السياسة والحكم. إذ يكاد التمازج الأسري يكون مستحيلا بين الفئتين .كما أنه لم يُرحب بهم في منتديات وشلل النخبة. فيكتب (المحجوب) الليبرالي المتميز، عن إحدي جلسات نقاشهم وسمرهم: ” وهذا الاسود اللعين يدخن غليونه ويرسلها ضحكات عالية بين طيات دخان غليونه”. (موت دنيا، ص123) .

 5. كانت صفة “سوداني” تشير الي غير “العربي الاصيل” واستقر هذا في وجدان الغالبية من السودانيين. ونجد المصطلح حتي بين رجال الصوفية، ففي كتاب طبقات ود ضيف الله نقرأ عن سيرة احد المشائخ: ” بان النّقا الضرير الفضلي الجعلي الوثيق، اسمه محمد وأمه سودانية”. ويكتب المحقق في الهامش: ” أي أنها من سكان البلاد الأصليين: السودان أو السود. وهذا التعبير كان شائعا بين العناصر العربية أو المستعربة من سكان السودان والآن يندر استعماله في هذا المعني إلا بين الكهول والشيوخ وسكان القري”. (طبعة 1992، ص108) .

 

تلازمت القبلية مع الممارسة العنصرية تجاه المنبتين بالاضافة للقبائل غير المستعربة حتي لو كان أعضاؤها مسلمين، وتسبب ذلك في وجود شرخ اجتماعي وقومي دائم. فالسوداني يملك قدرة هائلة في عدم التعبير عن مشاعره الحقيقية -خاصة لو كانت سيئة- صراحة وعلانية. لذلك، يبيع فكرة أنه متسامح، ولكن عند أول اختبار عملي تنكشف حقيقته. وكثير من العقد والممارسات العدوانية الخشنة أو الناعمة، هي نتيجة هذا التقسيم إلي “أحرار” و”عبيد”. ومما يزيد من الدهشة أن التربية الأسرية نقلت هذا السلوك أوالثقافة العنصرية المشينة للاجيال الحديثة ، بالذات بين المحافظين والتقليديين.

 6. لم يحوّل السودانيون فترة الكفاح ضد الاستعمار- كما هي العادة- فرصة لتمتين روح الأمة، بل علي العكس تماما كانت بداية لتأسيس الانشطارية، الانشقاقات والتشرذم. فقد كانت انتخابات مؤتمر الخرجين الدورية، مهرجانا سنويا للخلافات والمنازعات غير المبدئية. إذ لا تستند المنافسة بين المعسكرين المشهورين ب: الشوقيين والفيليين، علي أي فكر أو ايديولوجية أو برنامج سياسي عدا الولاء للسيدين. فقد عاد الخريجون إلي بيت طاعة السيدين حين أحسوا بعجزهم عن كسب الجماهير. واقترح بعضهم أن تسند الرئاسة الفخرية للزعماء الدينيين. ويكتب (أحمد خير) عن أصحاب هذه الفكرة بين الخريجين: “. . ان أنصار هذه الفكرة، من الانتهازيين الذين ما يكادون يلفظون من معسكر من المعسكرات حتي يتحولوا الي المعسكر الآخر، ناسين ما كانوا يسطرونه نثرا أو يرتلونه نظما في مدح المعسكر الأول وتأييده”. ويخير الخريجين بين التحرر من تلك الزعماءات، بقوله: “أما أن يجتمع المثقفون ويحرقوا أنفسهم بخورا لرجل بينه وبينهم حجاب من تقاليد بلاط الملوك وبروتوكول الارستقراطية أو كهنوت البابوية في القرون الوسطي، فأمر دونه الاستعمار!!” (كفاح جيل، طبعة 1991، ص 105-107) .

7. انشق السودان طوال فترة الحركة الوطنية الي سيدين-طائفتين: المهدي- الميرغني، الختمية- الانصار، والي شعارين-فكرتين: الاتحاد مع مصر أو الاستقلال. وتم استنزاف طاقة الأمة في صراع عقيم، ولازمه أيضا التشرذم الحزبي. فقد تقسم دعاة الاتحاد الي: الاشقاء، والاتحاديين، والأحرار، ووحدة وادي النيل. وضغطت مصر ورئيسها علي الاتحاديين من أجل الوحدة والاندماج في حزب واحد. ويكتب (خضر حمد) بأن زيارة (محمد نجيب) للاتحاديين أثناء وجودهم بالقاهرة للمفاوضات، يوم 31/10/1952، هي إنطلاقة مبادرة التوحيد. (ص171) . وهذا دليل آخر، علي غياب “روح الأمة” إذ لم يشعر الاتحاديون بدافع وطني ذاتي وداخلي، يجبرهم علي التسامي بخلافاتهم الشخصية والحزبية من أجل الوطن في تلك الفترة الحرجة. وكان تكوين الحزب (الوطني الاتحادي) نتيجة ضغوط خارجية. ويكتب (عبدالماجد أبوحسبو) : ” نشأ الحزب الوطني الاتحادي علي عجل، واندمجت فيه الأحزاب الاتحادية علي اختلاف نظرتها الي نوعية الاتحاد مع مصر”. (ص112) وكان من الطبيعي أن ينشق الحزب في أقرب فرصة، وكانت البداية اسقاط نواب الختمية الثلاثة لحكومة الأزهري في 10 نوفمبر1955، ثم كونوا حزب (الشعب الديمقراطي) في منتصف عام1956م أي بعد أقل من نصف عام من الاستقلال. وكان لقاء السيدين رغم كل الخلافات والعداء الظاهري، ثم كانت حكومة السيدين، وتحكم الطائفية حتي تسلم السلطة للجيش في أغرب ظاهرة في التاريخ.

 8. تميزت فترة الحكم الذاتي ثم الاستقلال بظواهر وممارسات انشطارية وانقسامية أضرت بمستقبل تطور”روح المطلوب” كشرط للنهوض والتقدم. فقد تميز البرلمان الأول بظاهرة انقسام النواب، بل ماسمي بسوق “نخاسة النواب” حيث كان يتم شراء ولاءات النواب علنا. ثم كان عنف الدولة، مثل عنبر جودة (راجع ترجمة د. الهاشمي في سودانايل) . والعنف في السياسة: حوادث مارس، فقد أراد حزب الأمة ممارسة الروح الجهادية في وقت خطأ. وقد دأب حزب الأمة حتي اسقاط حكومة اكتوبر واجبار (سرالختم الخليفة) علي الاستقالة في فبراير1965. وكانت قاعدة أن يحشد حزب الأمة ميليشياته في العاصمة مع حدوث أي نزاع سياسي سلمي. ثم كانت حوادث الجنوب في اغسطس 1955 هي تدشين للحرب الاهلية كوسيلة لحل المظالم التنموية والاثنية، وجاءت عقب السودنة وخداع الجنوبيين.

كانت هذه البداية الخاطئة والاستنقاع الذي استمر حتي اليوم أي الوقوع في مستنقع الأزمات. ومازلنا نهرب من قضايا بناء روح الأمة، رغم انها هي البداية، ثم بعد ذلك نتحدث عن مشروع حضاري إسلامي، أو تطبيق الاشتراكية، أو أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.

 

 

(نواصل حديث روح الأمة والعقلية السودانية والواقع