أماني أبو سليم عندما استيقظ صباحاً ، لم يكن يعلم وجهة يقصدها ، كما كل يوم . على مهل ارتدى ملابسه و خرج من الغرفة التي تفتح على الصالة الواسعة .

عندما خطا اولى خطواته خارجاً من الباب الخارجي ، استوقفه صف من نمل . أخذ يمتد من ذلك الباب قاطعاً الصالة في صف يكاد ان يكون مستقيماً . تابعه ، فاذا به يقوده إلى غرفة من غرف البيت المقفولة منذ زمن . تلك الغرفة التي نسى محتوياتها كما قد نسي من كان يشغلها . دفع الباب ، لم يكن يتوقع ان يجده مفتوحاً ، اندفع دون حتى أن يصدر صوتاً ، عندها اتاح الفرصة للنور من الصالة أن يعم الغرفة التي كانت مظلمة. في مواجهته على السرير الايمن رآها ، ترقد . انها امرأة . يرى ظهرها ، ممدة ، وجهها إلى الحائط و شعرها مسدل بعضه على ظهرها و بعضه على الفراش . كانت ترتدي ملابس للنوم من النوع ناعم القماش و اللون . لم يميز لون القميص و لكنه ميّز تلك البشرة صافية البياض ، كأن شمساً لم تلامسها في يوم . حتى كعبي قدميها تكاد الدماء تنضح منهما من النعومة و الصفاء . قرب سريرها على الأرض حذاء منزلي خفيف تتداخل الوانه بنفس نعومة الوان القميص . كان السرير الآخر خالياً و لكنه مرتب بعناية . في وسط الغرفة سجادة صغيرة يميل لونها للحمرة التي تحاكي لون الستارة . ذهب ناحية النافذة الوحيدة بالغرفة وجدها مغلقة . عندما استدار منها واجه دولاباً بضلفتين ، توجه إليه  و فتحه ، كانت الملابس معلقة في الضلفة اليسرى و الضلفة اليمنى احتوت على ملابس مطبقة و مرتبة فوق بعضها البعض على عدد من الأرفف . كل الملابس تفوح منها رائحة ناعمة كصاحبتها ، علي ما يبدو ، التي ترقد على السرير .

كان يتحرك داخل الغرفة ، بلا دهشة ، كأنه يتوقع هذا ، أو كأنه كان يشاهد فيلماً شاهده من قبل . توجه ناحية المرأة الراقدة هناك . فكر أن يوقظها . تردد . تراجع ، جلس على طرف سريرها قرب قدميها الناعمتين ، كقدمي وليد . تلفت في الغرفة باحثاً عن هذا المشهد في ذاكرته ، أين شاهده من قبل . هنا تذكر صف النمل ، اين انقطع ، بحث عنه على الأرض . تابعه فإذا به ينتهي أسفل السرير الذي على يسار الغرفة . رفع الملاءة ، كانت هناك حقيبة سفرية سوداء . النمل مواصل صفه إلى داخل الحقيبة التي فتحها ليجد النمل قد تجمع في صندوق صغير به بقايا حلوى و بسكويت ، و باقي الحقيبة قد امتلأ باوراق و دفاتر مع بعض المحتويات الأخرى . بدأ يقلب فيها ، دفع أحد الدفاتر فإذا تحته ألبوم صور . حمله ، فتحه ، فواجه صورته هو نفسه في أولى الصفحات و كأنها قد التقطت له الآن ، في هذه اللحظة التي يرتدي فيها قميصه الباهت الواسع و طاقيته القماشية . لأول مرة منذ دخوله هذه الغرفة تنتابه الدهشة . لا شعورياً التفت ناحية تلك المرأة النائمة، التي تقلبت قليلاً . حمل الألبوم و جلس في نفس المكان ، على طرف السرير قرب الكعبين الناعمين . أخذ يقلب في صفحاته ، لم تكن هناك صورة إلا و هو فيها صغيراً أو كبيراً . ظهر في كل الأعمار ، في  البيت و الشارع و أماكن كثيرة ، تعّرف على بعضها و لم يتعرف على بعضها الآخر ، أحياناً وحده و أحياناً معه آخرون . هناك نساء كثيرات في عالم الصور ذاك . يحملنه و يلاعبنه صغيراً . أخريات يقفن معه شاباً و في بعض الصور صغيرات يماثلنه في السن. التفت ناحية المرأة ، حاول أن يرى وجهها ليتعرف عليها ، علها واحدة منهن و لكن المرأة مولية وجهها للحائط تاركة شعرها الأسود الطويل يتحدث عنها . من تفاصيلها الراقدة هناك حاول أن يخمن من تكون من تلك الصور ، أخذ ينظر إليها و هو يقلب الصفحات ، ظنها مرة تلك التي تحمله كثيراً و هو صغير . و لكن ببياضها الصافي تشبه تلك التي تكررت معه و هو شاب يافع . رغم سمرة الصغيرة التي تلعب معه في بعضها إلا انه للحظات ظنها هي . و للحظات كثيرة اعتقد انها كلهن مجتمعات .

قلَب صفحات الألبوم بضجر . وقف و فتح الحقيبة و رمى به داخلها . ركلها بقدمه اليمنى لتعود إلى مكانها الأول . عاد و اغلق ضلفتي الدولاب . تأكد أن النافذة خلف الستارة الحمراء لا زالت مغلقة . عدل من وضعها و توجه نحو الباب . قبل أن يهم بالخروج رمى نظرة على المرأة الراقدة و كأنه بتلك النظرة عرف من تكون . توجه نحوها ، و وضع يده على كتفها . هزها ، تحركت على السرير . رفعت يدها اليمنى ، و هى لا زالت مولية وجهها للحائط ، لترفع بها شعرها الطويل لأعلى . اتكأت على نفس اليد و هى تستدير ناحيته بهدوء . ببشرتها البيضاء و وجهها هاديء القسمات حملت قوامها الطويل مسدلة شعرها إلى الخلف . جلست في منتصف السرير و ظهرها على الحائط . كأنها كانت تنتظر أن يوقظها و يبعث في جسدها الحياة . نظرت إليه دون ان تبتسم . عندما همت بالكلام ، عندها فقط تذكر ، عرفها . رفع يده و كأنه يسكتها . لم تتكلم . و لكنه تذكر حتى أين رأى محتويات هذه الغرفة من قبل . تلفت دون وجهة . عاد لينظر إلى صف النمل . كان قد تقطع و بدا و كأنه قد تشتت . تبعه حتى الباب . و دون أن ينظر إليها مرة أخرى خرج من الغرفة و قفل الباب خلفه ، مانعاً الضوء من الغرفة . كانت أرض الصالة خالية تقريباً من النمل . توجه إلى الباب الخارجي الذي اغلقه خلفه أيضاً و خرج لا يعرف إلى أين ، كما كل يوم .