عيسى إبراهيم * المحكمة العليا حيثياتها في الاثبات تتفق مع سنة سيد الخلق! سعد أما زال يتمسك بمقولته "هب أن قاضي المحكمة العليا أخطأ.. مالنا ومالو"!  

أجرت صحيفة آخر لحظة لقاءً مع السيد سعد أحمد سعد، نشر الخميس الثامن من مايو 2014 العدد (2758)، وهو عضو هيئة علماء السودان،وكاتب عمود “أصل المسألة” في “صحيفة الانتباهة”، وهو أحد الطاعنين ضد تسجيل الحزب الجمهوري “تحت التأسيس”. 

هيئة علماء السودان: صنيعة استعمارية!!

فطن الانجليز إلى قوة دفع التيار الصوفي في السودان (أحد أقوى دعائم التركيبة الفكرية والوجدانية في السودان، ويمثل إرث السودان الحضاري الثقافي) الذي أثمر مهدية السودان، لذا سعوا سعياً حثيثاً ومستمراً لإيجاد كوابح ومعيقات لنمو هذا التيار.

يوم 3 يونيو 1901 كان ضربة البداية في إعلان تكوين لجنة العلماء، هيئة علماء السودان، برعاية الحاكم البريطاني، وكان ذلك بمثابة تدشين لميلاد المؤسسة الدينية المحافظة في السودان على أسس جديدة، لتكون ترياقاً مضاداً لحركة التصوف وامتداداً انجابياً لمؤسسة الأزهر المصرية..

كما هيأ الانجليز المناخ لتمدد الفقه على حساب التصوف بإنشاء الحاكم العام مجلس العلماء، (ويسمى هيئة العلماء – لجنة العلماء)، نواة المعهد العلمي بأم درمان، لينظم التدريس في الجامع الكبير بأم درمان. (أنظر المعتصم أحمد الحاج، أزهر السودان: المعهد العلمي بأم درمان تاريخه وتطوره (1912م-1965م)، ط1، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، أم درمان، 2007م، ص 67-68، وانظر أيضاً كتاب “صاحب الفهم الجديد للاسلام – محمود محمد طه والمثقفون”، الفصل التاسع صفحة (570)، عبدالله الفكي البشير – دار رؤية للنشر 2013)..

آخر لحظة ولقاء سعد 

أحسنت صحيفة “آخر لحظة” حين أجرت لقاءً صحفياً مع أحد منسوبي هيئة علماء السودان، وأحد الطاعنين ضد تسجيل الحزب الجمهوري، والممارس لكتابة عمود يومي في صحيفة سودانية، واللقاء (من حيث هو) لم يضف جديداً لتجربتنا مع الفقهاء، ولم يزودنا باضاءة جديدة لنقد فكري غير تقليدي وغير مؤسس إلا على كثير من المغالطات المملة التي تم الرد عليها كثيراً وباستفاضة..

موضوع الصلاة والحج والصيام

يقول سعد أن علاقته بالفكر الجمهوري قديمة منذ أيام الجامعة وأنه قد تكونت لدى العامة فكرة عامة أن الأستاذ محمود رفعت عنه الصلاة، وأن هذه الموضوعة عن الصلاة نشرها هو شخصياً في محاضراته وذكر أن الصلاة ذات الحركات ليست أصلاً في الاسلام، وأن هناك صلاة أخرى، صلاة الوجدان وصلاة الروح..وهذا مثبت.. ويواصل ليقول: “فالحج عنده ليس من أركان الاسلام والصيام كذلك فهو ابطلها وجاء بمفهوم اسمه الرسالة الثانية” وفي موضعٍ آخر من اجاباته “الهشة” يقول عن الجمهوريين: “وهم يدعون إلى ابطال الزكاة، والصيام، والصلاة، وتعدد الزوجات”، (انتهى كلام سعد)..

ونقول لسعد هل هذا هو زادك من المعرفة الذي تريد به مواجهة الجمهوريين ومن ثم مواجهة الفكرة الجمهورية؟!، وأن لك علاقة بالفكر الجمهوري منذ عهد “طالبيتك” والجامعة؟!، وهو – في رأيي – زاد متواضع ولا يفيد صاحبه في معركة فكرية، وهو حظ – على كل حال – منزور القدر من المعرفة، ولن ندخل في مغالطات ولكننا نطلب من سعد (صاحب الأوصاف الثلاثة – العالم والطاعن وكاتب العمود) أن يأتي بمراجعه واثباتاته من كتب الأستاذ أو من محاضراته أو من لقاءات تلاميذه وهو أمر سهل جداً ويسير فقط اتصل بموقع الفكرة الجمهورية على الشبكة العنكبوتية (www.alfikra.org) وستجد الكتب والمحاضرات واللقاءات، فإن لم تستطع، ولن تستطيع ذلك، فعليك لزوم الحيطة والحذر في بهت الآخرين بما ليس فيهم، ونحن على قناعة تامة أن موضوع الصلاة منشور بكثرة، ومشروح بوفرة، ومفهوم لدينا ولدى كثير من الأصدقاء ولدى كثير من المطلعين على كتب الأستاذ محمود وكتب تلاميذه، ولقد سعينا وحفينا في سبيل فتح الباب المغلق بيننا وبين أفراد شعبنا الحبيب ولقد سعى الظلاميون من جانبهم لمنع أي كوة يمكن أن يطل بها الجمهوريون لشرح فكرتهم وتنوير الشعب عنها ومن ذلك وقوفهم للحؤول دون تصريح إنشاء الحزب الجمهوري، وسعد يعلم خطورة الفكر الجمهوري ولكن ليس على الشريعة والاسلام (حاشا وكلا) وانما على خفافيش الظلام الذين يخيفهم ويقض مضاجعهم “الضوء” و”النور المفاض” ” يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”..      

قال العالم الفذ مفسر القرآن الكريم البروفسير عبدالله الطيب في قصيدته ذائعة الصيت “مصابٌ وحَزن” “قد شجاني مصابه محمود مارقٌ قيل وهو عندي شهيد” قال في خفافيش الظلام:

“طـبـقـات مـن الزعانـف فى الضوء تـَوَارَى وفى الظـلام تـَـرود

دأبـها المـيـن والخـيـانة والغدر وليسـت غير الفسـاد تجـيـد”

 

سعد يجزم بمناظرات لم يشهدها  

في اجابته عن سؤال الصحفي المحاور: “هل تمت مناظرات؟”، يؤكد سعد أنها حدثت كثيراً، “نعم حدثت الكثير من المناظرات العلمية معه”، “وفي أول مناظرة لم يستطع أن يصمد”، وحينما سُئل: هل شهدتها؟ أجاب بالنفي..

وفي سؤال “كيف تأتيه الأفكار؟”، يجيب سعد: “الشيطان..هو يحمل فكراً شيطانياً..ومعروف في أي مناظرة كان هناك كرسي في الوسط فارغ”، “قصة الشيخ عبدالجبار المبارك ومناظرته معروفة جداً حيث قرأ آيات من القرآن الكريم وقيل الشيطان فرَّ من مقعده الذي يتوسط المناظرة”..

ولم يقل لنا سعد ولا عبد الجبار المبارك (رحمه الله) متى تمت المناظرة وأين؟، وكيف رأى الشهود الشيطان وهو يفر؟، ولماذا لم يفر الشيطان حينما يقرأ الأستاذ محمود القرآن؟، أو يستشهد بالأحاديث النبوية؟..ونحن نؤكد بكل حزم أن ليس هناك مناظرة تمت بين الأستاذ محمود وأيٍّ من المعارضين، وديدن الأستاذ القاء المحاضرات العامة واستقبال الضيوف في منزله ولا يمتنع عن اجابة  كل من يسأله..ولا ننفي لقاءات نقاش عامة تمت بين تلاميذ الأستاذ محمود وبعض المعارضين، كتلك التي جرت بين الأخ خالد الحاج عبدالمحمود والشيخ عبدالجبار المبارك..

سعد والتناقض

تناقض سعد لا يحتاج إلى ضوء كاشف إذ يقول في اجاباته: “الفكر يواجه بالفكر”، “الفكر نحن مستعدون له”، وفي موضع آخر من الحوار يقول: “أي شخص مسلم ينادي ويؤدي عقائد غير عقائد الاسلام تعتبر هذه ردة، الذين يروجون لهذا الفكر يجب أن يحاكموا لأن مرجعياتهم تتعارض مع العقيدة الاسلامية”، فسعد أحمد سعد من جهة يدعو إلى المجابهة الفكرية، ومن جهة أخرى يدعو إلى محاكمة خصومه بالردة، ففي أي المسارين يريد أن يسير هذا الـ “سعد”؟!.

سعد وحكم المحكمة الدستورية العليا

نقل الصحفي المحاور لسعد قول الأستاذة أسماء محمود: “أن حكم الردة (الذي أصدرته محكمتا المهلاوي والمكاشفي) أبطلته المحكمة العليا”، سارع سعد ليقول: “لا.. لا.. هذا الطعن كان في قضية سابقة بابطال حكم بعد تنفيذه على والدها رغم أن الحكم كان على الفكرة”، والتواء سعد هنا واضح فالمحكمة العليا قالت بالحرف الواحد: “وعلى هدي من ذلك تقرر هذه الدائرة ما يلي:

1/ اعلان بطلان الحكم الصادر في حق المواطنين محمود محمد طه والمدعي الثاني في هذه الدعوى من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف.”

محمد ميرغني مبروك رئيس القضاء رئيس الدائرة الدستورية،

فاروق أحمد ابراهيم قاضي المحكمة العليا عضو الدائرة الدستورية،

زكي عبدالرحمن قاضي المحكمة العليا عضو الدائرة الدستورية،

محمد حمزة الصديق قاضي المحكمة العليا عضو الدائرة الدستورية، 

ولم تفرق المحكمة الدستورية العليا قط بين شخص الأستاذ محمود محمد طه وفكره فهما كل واحد وحزمة واحدة..

يقول سعد: “لا يهمنا ما تفعله المحكمة نحن يهمنا كتاب الله تعالى..هب أن قاضي المحكمة الدستورية العليا أخطأ مالنا ومالو؟”.

هكذا بكل بساطة ” مالنا ومالو؟”، وما علم سعد أن قضاة المحكمة العليا سبعة قضاة وليسوا قاضياً واحداً حتى يقول “هبه أخطاً مالنا ومالو؟”، بالتأكيد نحن مقبلون على محاولة أخرى للتقليل من شأن القضاء السوداني والقضاة السودانيين والسير مع هوى النفوس  لا مع تقواها، فهل يستقيم ما قال سعد مع كتاب الله وسنة رسول الله؟! سنرى!!..

مجسِّد القرآن بين العلم القضائي والعلم الشخصي

قالت السيد عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن سيد ولد آدم، الرحمة المهداة، وحامل لواء الحمد يوم القيامة النبي الأمي الذي هو “بالمؤمنين رءوف رحيم”: “كانت أخلاقه القرآن”، وقالت: “كان قرآناً يمشي بين الناس”، ولقد أرسى الحبيب المفدى قواعد في القانون مازالت هي صاحبة المكانة العليا في الالتزام القانوني حتى على مستوى العالم، ومن ذلك “البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”، وكان سيد الخلق يأخذ بالعلم القضائي وهو ممارس إلى يوم الناس هذا.

المحكمة الدستورية العليا والعلم الشخصي

لقد قلنا بحيثيات قوية وأدلة واضحة أن الأستاذ محمود محمد طه في كلمته أمام محكمة المهلاوي كان قد حاكم المحكمة، وكان هو القاضي لا المتهم، وكان المهلاوي الجالس على كرسي القضاء هو المتهم لا الأستاذ محمود.

قال الأستاذ في كلمته أمام المحكمة عن القضاة الذين يتولون القضاء فيها أنهم غير مؤهلين فنياً (وهذا القول يشمل المكاشفي ومن لف لفه من القضاة) ولقد ثبت للمحكمة الدستورية العليا في حيثياتها عدم تأهيل القضاة فنياً: تقول المحكمة الدستورية العليا: “ولقد كان منهج محكمة الاستئناف أكثر غرابة حين استندت في حكمها على مسائل ليس من شأنها أن تقوم مقام الأدلة التي يجوز قبولها قانوناً. ومن ذلك ما أشارت إليه تلك المحكمة من الأقوال “المعروفة للناس عامة” والأفعال “الكفرية الظاهرة” في ترك الصلاة وعدم الركوع أو السجود..وما إلى ذلك مما لا يتعدى في أحسن حالاته الأقوال النقلية والعلم الشخصي وليس في أي منهما ما يرقى إلى الدليل المقبول قانوناً (راجع المادتين 16 و35 من قانون الاثبات)”.

أمين حسن عمر والخوض في ما لا يعلم

ولقد خاض أمين حسن عمر في سيرة سيد الخلق حين نسب إليه أنه “لم يستبعد على نفسه أن يخطئ في قضائه” فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقل ذلك عن نفسه، والحديث ورد في صحيح البخاري على النحو التالي: “عن ام سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله، فانما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها” أنظر (1))   صحيح البخاري – كتاب الشعب – الجزء الثالث 235 – كتاب الشبهات باب من أقام البينة بعد اليمين).

ولقد ذكرنا من قبل أن القضاء انما يقوم على الظاهر وفق قانون الشريعة.. يقوم على الدلائل والبينات الواضحة، ولا يقوم على الغيب، وهذا هو مقتضى العدل.. فمن يحاسب على الضمير المغيَّب انما هو الله، وفق قانون الحقيقة.. فالقضاء لا يقوم إلا على البينات الواضحة والظاهرة وما عناه النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كقاضٍ يحكم وفق أقوال وبينات المتخاصمين.. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.. وقد يأتي احد المتخاصمين بأقوال وبينات وأدلة قضائية واضحة وقوية لكنه بينه وبين نفسه يعلم أنها غير الحق وأن بها غشاً.. فالعدالة تقتضي من الرسول أن يحكم وفق البينات والأدلة التي أمامه، ولكنه كرسول أراد أن يبين القيمة الدينية والقيمة الأخلاقية ليشد الناس إليها.. فليس من العدل أن يبني القاضي على شئ خارج حيثيات القضية، مهما كانت صحة هذا الشئ، ومهما كان يقينه شخصياً بصحته.. هذا معنى في العدالة بديهي (2)   انظر في كل ذلك الاخوان الجمهوريون – هذا هو الصادق المهدي – مرجع سابق – ص 92 – 93. (2)) انظر في كل ذلك الاخوان الجمهوريون – هذا هو الصادق المهدي – مرجع سابق – ص 92 – 93)، وما رأى الاستاذ امين حسن عمر اذا قلنا له ان هذا المبدأ قد أخذ به قانون الاثبات السوداني لسنة 1983 المادة (16) ونصها: لا يحكم القاضي بعلمه الشخصي. كذلك أخذ بها قانون 1992م المعدَّل.. وانما يحكم القاضي بالعلم القضائي، والعلم القضائي في أبسط تعريفاته عبارة عن معلومات عامة متاحة للجميع، في حين أن العلم الشخصي عبارة عن معلومة يعلمها الشخص المعين (حتى ولو كان قاضياً) وليست متاحة للجميع.

يقول الدكتور البخاري عبد الله الجعلي تحت عنوان: هل يحكم القاضي اعتماداً على علمه الشخصي؟!: لقد اختلف الفقهاء الشرعيون في هذا الأمر فقد ذهب فريق منهم إلى القول بالمنع المطلق في كافة الحقوق، وهو مذهب أبوبكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية ومؤدى مذهبهم هو أن القاضي لا يحكم بعلمه أصلاً في حق من الحقوق، وهو ما أخذ به مالك وأحد قولي الشافعي وظاهر مذهب الحنابلة واختاره ابن القيم.. وذهب فريق آخر بالجواز مطلقاً في سائر الحقوق وهو القول الآخر للشافعي وأحمد بن حنبل، وابن حزم الظاهري، وذهب آخرون إلى القول بالتفصيل في ذلك ((3)  البخاري عبد الله الجعلي – دكتور – قانون الاثبات وما عليه العمل في السودان مقارناً بالانجليزي والمصري والهندي – الطبعة الأولى 1984 – ص 117 – انظر في ذلك ايضاً احمد عبد المنعم البهي – من طرق الاثبات في الشريعة والقانون – 65 – ص 127، وانظر ايضاً احمد ابراهيم، طرق القضاء في الشريعة الاسلامية 1928- ص33.).

سعد: هل فعلاً يهمه كتاب الله؟!

وأين هو من كتاب الله المجسد في اللحم والدم النبي المصطفى المعصوم، وما هو موقفه الآن وفق ما قدمنا من أدلة وبراهين في اتساق أقوال المحكمة الدستورية العليا مع ما كان يفعله سيد الناس في أمر القضاء واعتماد العلم القضائي واستبعاد العلم الشخصي، أما زال عند قولته المتحزلقة عن قضاة المحكمة الدستورة العليا الذين عدهم واحداً: “هبه أخطأ ما لنا ومالو