خالد فضل الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه , فقد انتابنا في بعض الأوقات تأنيب ضمير ونحن نحاول رصد وقراءة يوميات الدولة الاسلامية السودانية منذ فجرها الكالح والى وثبتها المهيضة ,

ومصدر ذلك التأنيب أن ما كنا نعلق عليه من وقائع ربما أوغلنا في سوء الظن , وربما شطحنا قليلا أو كثيرا , وبمناسبة الشطحة أذكر أن أستاذي كمال حسن بخيت (حياه الله ومتعه بالصحة) , وكان يرأس تحرير الصحافة على مطلع الألفية , قد استخدم مصطلح (الشطحة) ليبرر لغاضبين من سدنة الفساد والاستبداد الانقاذيين ما كنت قد كتبته عن فساد في بنك أم درمان الوطني ولم أك يومها أرجم بالغيب إنما علقت فقط على تقرير المراجعة العامة الذي قدمه السيد عبدالله مارن المراجع العام في ذلك الوقت واشار فيه الى شبهات الفساد في ذلك البنك المدلل, يومذاك ثارت ثائرة سدنة الفساد وحراسه واوقعت بالصحيفة عقوبة الايقاف ليوم وهددوا باللجوء للقضاء مطالبين بمليار جنيه ردا لشرفهم الذي هتكه قلم صحفي , وفي سبيل تطييب الخاطر والانحناء للعاصفة كتب استاذي كمال صفحة كاملة يمجد فيها البنك إياه ويدافع عني بالقول انها شطحة قلم وليس سوء طوية , وللصدق فقد غضبت من ذلك الوصف وكتبت لأستاذي كمال ردا طلبت منه أن ينشره في صفحته تلك فلما قرأه هدأني باسلوبه الحبوب المعروف (أبو الخلود ياخي كدي انسى الموضوع وانا عارفك وواثق من صدق ما كتبت بس ياخ انساه هسي ) نسيت الموضوع , وسارت الايام سيرها الدائري هذا وما كنا نكتب عنه في بداية الألفية صار الآن بعد 14سنة مادة خصبة للصحف تحقيقات وأعمدة رأي وحوارات . ذات دائرة الفساد الانقاذي والاستبداد، الفرق فقط في ارتفاع أرقام الهبر وحتى هذه لا تشكل فرقا إذا وضعنا في الحسبان التدهور الذي لحق بقيمة العملة المحلية , الشاهد أن تقرير المراجعة العامة الدوري , وهذه بالمناسبة تعتبر محمدة إذا أخذ ما يرد فيه بجدية وإذا شمل كل المرافق العامة والمؤسسات والهيئات الحكومية وشبه الحكومية مركزيا وولائيا , ولكن تلاحظ أن تقرير مراجعة البنوك منذ ذلك العام قد تم فصله عن التقرير العام الذي يقدمه المراجع العام أمام البرلمان وتنشره الصحف واستعيض عن ذلك بتلاوته أمام لجنة برلمانية دون حضور الاعلام . كما ظلت بعض أهم أوكار الفساد بمنأى عن فرق المراجعة وقد شكا المراجع مرارا وتكرارا من سطوة بعض الجهات وتمردها العلني المسلح بالحماية العليا مما يضعها فوق المراجعة وبالتالي تحت الشبهات مباشرة , هذا عن شطحاتنا وتأنيب الضمير فهل كنا وما نزال على حق في كتابتنا عن فساد الاسلاميين المقترن باستبدادهم ؟ أم ترانا نظلمهم ؟ .

  يتابع الجميع  ما يشاع عن فساد ملياري أبطاله مكتب والي ولاية الخرطوم د. عبدالرحمن الخضر , و ما ينشر حول فساد مالي واداري يطال حكومة ومحليات ولاية الجزيرة تحت إمرة المجاهد الانقاذي الكبير الزبير بشير طه ,(قدم استقالته أو أقيل مؤخرا) ووالي كسلا والبحر الاحمر وغيرها وقضية الاقطان وشحنة المخدرات, والمتابع لما تتداوله وسائط الاعلام المحلية يعرف بيسر ما آل اليه حال السودان تحت حكم الاخوان المسلمين وما بلغته الاوضاع العامة من درك سحيق تحت رايات (الحكم بما أنزل الله ) ولعل أي مؤمن بالله على أي معتقد كان سيجد في نفسه رهبة وخشية أن يربط ما يحدث في السودان باسم الله . فجميع الاديان وكريم الاخلاق والفطرة السوية للبشر ترفض الفساد وتنأى عن الاستبداد الا عند طائفة الحاكمين باسم الله في السودان , لعلهم لا ينتمون الى طبائع البشر , فقد امتازوا بتخانة في الحس لا توجد عند بشر سوي , الفساد عندهم يسري مسرى الدم في أوردتهم والطمع والجشع طبع لئيم عندهم , لقد هجموا على أجهزة الدولة السودانية ذات ليل بهيم فاحالوها الى قاع صفصف , يتلفت السودانيون اليوم فلا يجدون في وطنهم ما يشير الى الدولة سوى أجهزة البطش وعناصر القمع من رباطة الى مجاهدين الى جنجويد الى قناصة , يجد مرتزقة ولصوصاً ملتحين يبنون في العمارات الشوامخ في كل ناصية ميدان ويؤسسون في الشركات بالليل بعد أن يكونوا قد هبروا من المال العام في الصباح، وما قصة ميدكوت وفساد شركة الأقطان ببعيد , وقبلها بقليل تسترجع ذاكرة الوجع حكاية عارف والفيحاء وسودانير , ومثلها كثير كثير مما لا يحصى ولا يعد . فأين الخطوط البحرية وأين النقل النهري والنقل الميكانيكي والأشغال العامة ومشروع الجزيرة وكناف ابونعامة ونسيج قدو والمحالج والمطاحن والورش والسكة الحديد ومواصلات العاصمة والاتصالات وزنك الخضار؟ , أين الخدمة العامة والتعليم والقيم الرفيعة والنظام المحاسبي وقوانين الخدمة العامة واسسها مما ورثه السودانيون عن بلد متحضر كبريطانيا ؟ أين الدين الفطري والتعايش العادي بين السودانيين وأين الجنيه الذي يساوي 3 دولارات ؟ أين الجنوب وأين دارفور بخيراتها وارثها وناسها وأين النوبة مسمار النص للسودان (كما في وصف حصيف لياسر عرمان ) أين السودان الذي عاشه السودانيون قبل سطو الأخوان المسلمين ؟ ولذلك كان من الطبيعي أن يسود الأوباش فيصبح الاعلام مطية لفاطمة والهندي واسحق الكذاب والخال الرئاسي المأفون , ويصبح نجوم المجتمع الخندقة وبله الغائب والقانون عند سبدرات وزمره ونادي الهلال (حلول متكاملة) , وواردات مزارع الافيون والشاش والخراش ,هل هذا سودان يدفن في ثراه محجوب شريف والدوش وعلي عبدالقيوم وعلي المك ونازك محجوب والتجاني الطيب ومصطفى وحميد وسعاد ابراهيم وعبدالله الطيب ومحمود والحوت ويوسف كوة والقدال وابوسليم وكدودة  والخاتم عدلان؟ يشرد عنه بعيد في المنافي والدياجير عاطف خيري والحاج وراق ومرتضى الغالي ولبنى حسين وياسر عرمان ورمضان حسن وقمر دلمان وكمال الصادق وفيصل الباقر ويموت عثمان حميدة بعيدا عن قوشابي وجداول النيل والجروف , الى آخر الرائعين الراحلين والمنفيين مما لا يتسع الحيز لذكرهم جميعا فهؤلاء فقط نماذج وليس الكل ففي الحقيقة أجمل من في الوطن رحلوا إما للحياة الأبدية أو تتقاذفهم المنافي , وبقي في السودان الاخوان المسلمون بلحاهم وغرر الصلاة على الجباة والكروش والبنوك والزوجات مثنى وثلاث ورباع والفساد وأكل السحت والاستبداد وحميدتي وحملات الابادة والتطهير العرقي والغبن المنتشر مد الوطن والصوت المكبوت والوعي الزائف وحسين خوجلي يطبطب على الجراح . هذا حصاد ربع القرن من حكم أسوأ من حكموا السودان خداعاً وغشاً ولصوصاً وقتلة وفجرة في كل شين حتى فيما بينهم تفحش الخصومة، وذاكرتنا تسترجع مهاتراتهم التي لا تنتهي الا لتبدأ من جديد , فهل من واجب مقدم لدى شعب السودان سوى الانتفاضة الحاسمة لترمي كل هذه القمامة الى مذابل التاريخ؟.