ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج * عندما كان الحكم التركى المصرى يترنح فى السودان بسبب الأزمة المالية الطاحنة التى تسببت فيها السياسات التوسعية الفاشلة للخديوى اسماعيل باشا فى جنوب وغرب السودان،

وهلاك عدد كبير من الجند بمرض الملاريا وهجمات القبائل النيلية الجنوبية فى مستنقعات الجنوب السودانى، بالاضافة الى حنق الدول الغربية عليه مما تسبب فى عزله بواسطة السلطان العثمانى فى عام 1879، كانت الجزيرة ابا الى الجنوب من الخرطوم تشهد بزوغ عصر المهدية التى ستطرد الجيش التركى وتحكم السودان فترة 14 عاما قبل ان يدحرها اللورد كتشنر لصالح الحكم الثنائى الانجليزى المصرى فى عام 1899 .

 

* فى عام 1881 وبينما كان محمد احمد وهو ابن لصانع مراكب سودانى من منطقة الشمالية بالسودان المتاخمة للحدود الجنوبية المصرية، غارقا فى تأملاته وقراءاته الدينية، إدعى انه رأى محمد رسول الله فى المنام يخبره بأنه المهدى المنتظر الذى سيملأ الارض عدلا بعد ان ملئت جورا وظلما ويقود جيشا من المؤمنين لطرد الاتراك والمصريين والانجليز ليؤسس دولة الاسلام والعدل، وكانت تلك الرؤية بداية مولد الفترة الثانية من تاريخ السودان الحديث، التى سيطرت عليها الحركة السياسية المهدية أو (دولة المهدية) وتميزت بعدائها الشديد ضد الوجود الأجنبى والفساد الدينى للدولة التركية المصرية فى السودان.

 

* وبينما نجح محمد احمد الذى أعلن نفسه (مهدى الله المنتظر) فى كسب تعاطف وتأييد المسلمين الفقراء فى الريف السودانى، إكتسب عداء النخبة المتعلمة فى الخرطوم، والائمة والشيوخ المصريين الذىن سخروا من ادعائه للمهدوية وعدم انطباق شروطها عليه كما جاءت فى الاحاديث النبوية، كما رفضه عدد كبير من شيوخ الطرق الصوفية واختار بعضهم فيما بعد الهجرة الى مصر بدلا عن الخضوع للمهدى وجيوشه.

 

* تمكن المهدى خلال وقت قصير من تكوين جيش قوامه 20 ألف مقاتل حسب تقديرات البريطانيين، وهى تقديرات مبالغة فيها، كما يقول المبعوث الأمريكى السابق الى السودان فى كتابه (السودان، جنوب السودان ودارفور)، وذلك لتخليص السودان من حكم الاجانب .. الترك والمصريين والانجليز .. !!

 

* تشكل جيش المهدى من ثلاثة عناصر، اولا، الريفيون الفقراء الذى صدقوا دعوته الدينية وينتمى جلهم فى الاصل الى الحركات الصوفية، ولقد كان المهدى نفسه بينتمى للطائفة السمانية الصوفية قبل ان يتخلى عنها ويعتنق الفكر الاسلامى الأزهرى الذى ادخله الاتراك الى السودان، كما ذكرنا سابقا، والذى جاء منه الفكر السلفى فيما بعد.  ثانيا، تجار الرقيق الذين ضيق عليهم الخديوى اسماعيل باشا الخناق وحد كثيرا من نشاطهم التحارى، وثالثا، البقارة الذين ارهقتهم الضرائب الباهظة التى كان يفرضها عليهم الحكم التركى، وبما ان البقارة كانوا اصحاب بأس ومقاتلين شرسين يجيدون لعبة الحرب لحماية ابقارهم ونهب أبقار غيرهم فلقد شكلوا رأس الرمح فى (جيش الانصار) الذى اعتمد عليه المهدى فى حربه ضد الوجود الأجنبى فى السودان.

 

* شكلت الاستعانة بقبيلة البقارة فى جيش المهدى فى عام 1881، وقبيلة الشايقية فى الجيش التركى فى عام 1821  بداية ثقافة استخدام المليشيات القبلية فى المجتمع السودانى بواسطة الحكومات  المركزية فى الحروبات التى شنتها على الحركات المتمردة فى جنوب السودان بين عامى 1980 و1990 وفى دارفور  فى عام 2003 وحتى اليوم. ولقد درجت القبائل الثلاثة (الجعلية والشايقية والدناقلة) التى تسيطر على السلطة فى السودان منذ استقلاله على الاعتماد على المليشيات القبلية الاخرى لتقوم بالأدوار القذرة عندما تخشى الهزيمة على ايدى الحركات المتمردة، (وهو ما نشاهده حاليا فى اجزاء واسعة من السودان، المحرر). 

 

* استطاعت جيوش المهدى ان تفتح السودان منطقة وراء اخرى وتقضى على الجيوش الأجنبية المنهكة، وكانت قاصمة الظهر القضاء على جيش هكس باشا الذى ارسل للقضاء على المهدية وكان يتكون من 10000 مقتل ابيدوا عن بكرة أبيهم، وسهل بعد ذلك على المهدى التقدم الى الخرطوم ومحاصرتها، ولم  يكن دافع الدول الغربية وراء ارسال الجيوش للقضاء على المهدية الخوف من توسع الدولة المهدية ولكن خشية ان تكون القدوة لاشتعال ثورات شعبية فى مناطق اخرى من العالم العربى الاسلامى تتعرض للظلم بواسطة مستعمريها.

 

* فى عام 1884 وفى محاولة أخيرة لانقاذ ما يمكن انقاذه، أرسل رئيس الوزراء البريطانى ويليام جلادستون الجنرال شارسل غردون الى الخرطوم لقيادة الحرب ضد المهدى، وكان غردون يتميز بقوة الشخصية والدهاء والحكمة، كما انه عمل فترة بسيطة كحاكم عام السودان فى عام 1878 خلال فترة حكم الخديوى اسماعيل باشا على مصر.

 

* بذل غردون جهدا كبيرا فى رفع الحالة المعنوية للجند والمواطنين فى الخرطوم، حيث خصص بعض المواد الغذائية لتوزع على المواطنين فى المناسبات الدينية ورقى عددا كبيرا من الضباط والجنود الى رتب أعلى، بالاضافة الى تحفيز الذين كانوا يبلون بلاءا حسنا فى صد هجمات المهدى، وقبض على الكثير من المجرمين وألقى بهم فى السجون .. ولقد كان لتلك السياسات دور كبير فى رفع الروح المعنوية للمحاصرين فى الخرطوم غير ان الغلبة كانت فى النهاية لجيش المهدى الذى دخل الى الخرطوم فى يوم 25 يناير عام 1885 وقتل غردون وهو يقف على عتبات القصر الجمهورى الخارجية رغم اوامر المهدى بعدم قتله التى وصلت الى الجند بعد فوات الاوان.

 

* اتجهت جيوش المهدى بعد ذلك الى غرب السودان لتوطيد اواصر الدولة الوليدة بإقامة حلف مع سلطنة الفور ولقد تزوج المهدى اميرة فوراوية، وانجب منها ومنذ ذلك الوقت صارت قبيلة الفور التى اصبحت تنتمى بالدم لاسرة المهدى حليفا اساسيا لابناء واحفاد المهدى وحزب الامة الذى أسسته اسرة المهدى فى عام 1954  . 

 

* بعد 6 اشهر من فتح الخرطوم توفى المهدى بعد اصابته بحمى التيفوس، تاركا قادته يتصارعون على خلافته، الى ان نجح الخليفة عبدالله الذى ينتمى لقبيلة البقارة (التعايشة) فى السيطرة على السلطة وازاحة منافسيه، وهى احدى المرات القلائل فى تاريخ السودان التى تنجح فيها قبيلة من الهامش فى التغلب على سيطرة القبائل العربية الثلاث (الجعلية، الشايقية والدناقلة).

 

* بعد ان احكم الخليفة عبدالله قبضته على السلطة ارسل الجيوش لغزو جنوب مصر وجنوب السودان، ولكنها منيت بالفشل الذريع، وكان النجاح الوحيد الذى تحقق هو الانتصار على الجيوش الاثيوبية تحت قيادة الامبراطور( جون الرابع) الذى كان يعتنق المذهب الارثوذكى، وخشى من اطماع الخليفة التوسعية ومحاولة نشر الاسلام فأرسل جيشا لمحاربته فى شرق السودان على الحدود الاثيوبية السودانية، ولقد تحقق النصر لجيش الخليفة بالصدفة بسبب رصاصة طائشة اصابت الامبراطور فى مقتل واربكت الجيش الاثيوبى وادت لهزيمته.

 

* فى عام 1888 ونتيجة للتنافس التقليدى بين قبيلة البقارة وقبيلة الفور ثارت سلطنة الفور مع حلفائها المساليت على حكم الخليفة عبدالله الذى يعتمد على قبيلة البقارة فى فرض نفوذه وسيطرته، وهى ثورة تشبه نوعا ما ثورة القبائل الافريقية الثلاث (الفور والمساليت والزغاوة) على الحكومة المركزية فى الخرطوم فى عام 2003 بسبب ما تعرضت له من حرب إبادة من حكومة الخرطوم وحلفائها من قبيلة البقارة والقبائل ذات الاصول العربية الاخرى .. وما ترتب عن ذلك من كوارث انسانية وعدم استقرار فى المنطقة حتى الان.

 

* كان السنوات السبع الاولى لحكم الخليفة عبدالله شاقة جدا على المواطنين بسبب احتكار الطعام والمؤن للجيوش التى كانت تقاتل فى عدة جبهات، كما ان الافكار التوسعية للخليفة ادت الى تجنيد عدد كبير من من المواطنين بقوة السلاح الامر الذى اثر بشكل كبير على العمل فى مناطق الزراعة، ثم جاء الجفاف ليزيد الامور صعوبة وادى لحدوث مجاعة هائلة وانفجار وبائى  فى عامى 1889 و1890 أديا لموت ما لا يقل عن 5 مليون مواطن هم نصف عدد سكان السودان فى ذلك الوقت.

 

* فى عام 1898 ارسلت الحكومة البريطانية اللورد هربرت كتشنر الى السودان لايقاف المحاولات الفرنسية الايطالية والألمانية للسيطرة على السودان من جانب، ومن الجانب الآخر الانتقام لمقتل غردون الذى كان يحظى بتقدير كبير من الملكة فكتوريا وعدد كبير من ابناء الشعب البريطانى، وجاء كتشنر الى الخرطوم يقود 26 ألف جندى مسلحين بأحدث الاسلحة والمدافع ولم يجد صعوبة تذكر فى القضاء على جيش الخليفة فى ام درمان والذى كان يتكون من 50 ألف مقاتل يتسلح معظمهم بالسيوف والحراب، وقتل اكثر من 12 ألأف من جيش الخليفة واصيب 16 ألف آخرين، بينما لم يتعد عدد الذين قتلوا او أصيبوا من جيش كتشنر 250 شخصا، وبهذه المعركة  غير المتكافئة انتهت دولة المهدية بشكل رسمى وقتل الخليفة عبدالله بعد ايام قليلة فى منطقة ام دبيكرات جنوب الخرطوم، ويمكن تلخيص أسباب اندحار دولة المهدية فى اربعة اسباب هى الحملات التوسعية الفاشلة للخليفة، المجاعة وانتشار الاوبئة، ثورات الهامش وأخيرا الغزو البريطانى.

 

* ولكن لم تذهب المهدية بدون ان تترك اثارها على تاريخ السودان فيما بعد، ويمكن حصرها فى اربعة اشياء، اولا  وضعت حجر الاساس لحركة اسلامية سياسية متشددة تستقى تعاليمها من الاسلام الازهرى، ثانيا، وضعت اللبنة الاولى لحركة سياسية قوية تطورت فيما بعد الى حزب سياسى ذى انتشار واسع توجد قاعدته فى دارفور وكردفان هو حزب (الأمة) الذى يقوده أبناء وأحفاد المهدى، ثالثا، وضعت الاساس للمحاولات الفاشلة المستمرة لسيطرة المركز على الهامش عبر ممارسات ظالمة وتعسفية، رابعا، محاولة اسلمة وتعريب جنوب السودان التى بدأتها القبائل الثلاث (الجعلية والشايقية والدناقلة) وواصلها ورثة المهدى ما ترتب عنها من صراعت وازمات، ولقد ظل ضريح المهدى وخلفائه فى ام درمان مزارا دينيا لعدد كبير من السودانيين ورمزا للحركة الوطنية الأكثر نفوذا فى تاريخ السودان الحديث.