رشا عوض مريم يحيى إبراهيم، طبيبة سودانية في السابعة والعشرين من عمرها، ولدت في مدينة القضارف  لأب سوداني مسلم وأم مسيحية، انفصل والدها عن والدتها منذ طفولتها،

تزوجت عام 2012 طبيبا مسيحيا أصوله من جنوب السودان، وأنجبت منه طفلا عمره 19 شهرا وهي الآن حبلى في شهرها التاسع، قامت أسرة بفتح بلاغ ضد مريم يحيى إبراهيم عام 2013، حيث ادعت الاسرة ان مريم قريبتهم وانها مسلمة وتزوجت من رجل مسيحي، فعندما نفت مريم كونها مسلمة وقالت انها مسيحية، وهي بالفعل كذلك لانها نشأت في كنف والدتها المسيحية،

أدانتها محكمة جنايات الحاج يوسف، برئاسة القاضي عباس الخليفة ب”الردة” تحت المادة (126) من القانون الجنائي السوداني المتعلقة بالردة – وهي ترك الدين الاسلامي واعتناق ديانة اخرى- و ب”الزنا” تحت المادة (146) من نفس القانون. وعقوبة الردة هي الإعدام! وعقوبة الزنا هي الجلد مائة جلدة!

وقد خاطبت المحكمة(التي بدأت جلساتها منذ أغسطس 2013) في جلستها التي انعقدت يوم الاحد 11 مايو 2014 م، منظمة الدعوة الاسلامية، ومجلس الإفتاء السوداني للإستعانة بهما كخبراء ومناقشة السيدة مريم  في جلسة الخامس عشر من الشهر الجارى، وذلك في إطار ما يسمى ب”الاستتابة”، وجلسة الاستتابة سوف تكون يوم الخميس 15 مايو 2014م، فإذا أعلنت السيدة مريم “توبتها” وتراجعها عن الدين المسيحي، وقالت”أشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله” سقطت عنها عقوبة الإعدام! وإن لم تفعل فإن الحكم سيظل نافذا، ولكن سوف يؤجل تنفيذه الى عامين حتى تضع مريم حملها، وترضع مولودها، بعد ذلك يتم إعدامها ما لم تتراجع عن مسيحيتها!

قصة مريم ما هي إلا مشهد من مشاهد مسرح العبث الذي ظلت عروضه متوالية بلا توقف في هذا السودان المنكوب،منذ ان وقع في أسر الإسلام السياسي، وهوس ما يسمى بقوانين “الشريعة الإسلامية” وهي قوانين وضعية مستمدة من فقه وتفسيرات إسلامية منتزعة من واقع تاريخي مختلف تماما عن واقعنا المعاصر وتطوراته الحاسمة وعلى رأسها “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”،

فيا له من خزي ان يتم هذا النوع من المحاكمات في القرن الحادي والعشرين!

امرأة (حبلى)، أي في ظروف صحية ونفسية ضاغطة تستوجب الرعاية الخاصة، يتم تعريضها لهذا الإرهاب الديني: إما ان تسلمي وإما الإعدام! وحتى ان أسلمت ستجلدي 100 جلدة لأنك زانية! وأطفالك غير شرعيين! والمأساة الحقيقية ان هذا هو القانون!

من المرجح ان لا ينفذ هذا الحكم تفاديا لما يمكن ان يسببه للحكومة من مشاكل مع المجتمع الدولي هي في غنى عنها، فهي حكومة لا تخاف الله، ولا تعرف معنى الإنسانية كما عهدناها، ولكنها تخشى”المجتمع الدولي”!

ولكن بصرف النظر عن مآلات هذه القضية وغيرها، تظل القضية الجوهرية قائمة، والتحدي الأساسي ماثلا يحاصرنا بالسؤال: إلى متى تظل ممارسات محاكم التفتيش سائدة في بلادنا ومقننة ومحصنة من النقد باسم الدين وعلى رأس هذه الممارسات “حكم الردة” المنصوص عليه في المادة 126 من القانون الجنائي؟!

إن قضية “الردة” من التحديات التي تؤكد الحاجة إلى “فكر إسلامي” جديد، يؤسس لحرية الضمير ويستأصل النزعات “الكهنوتية” الكامنة في “الفكر السلفي” و”حد الردة” ما هو إلا أحد تجليات هذه “النزعات الكهنوتية”!

من السهل جدا ان يفلت أي شخص من حكم الإعدام بسبب الردة إذا أعلن توبته ونطق بالشهادة، ولكن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه على أصحاب”النزعات الكهنوتية” ما الذي سيستفيده الإسلام من شخص مكره على الالتزام به تحت التهديد بالقتل؟! إذا كان “إكراه” الإنسان بالقوة على فعل اي شيء يعفي الإنسان من المسؤولية عن ذلك الفعل، حسب بداهة الفطرة الإنسانية، وحسب ما نص عليه القرآن نفسه من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ، حسب هذه الآية إذا أكره الانسان على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان هو مستثنى من عذاب الله ، بذات المنطق عندما يتم إكراه شخص كفر بالاسلام على النطق بالشهادتين عبر ما يسمى ب”الاستتابة” ألا يعتبر “إسلامه” باطلا لانه  تم بالإكراه؟ وأي إكراه أشد غلظة من ان تصدر على شخص حكما بالإعدام وتمهله أياما متوعدا إياه: إما العودة الى الاسلام وإما الموت الزؤام؟! وهل الإسلام هش وضعيف لدرجة ان لا يجد وسيلة للإبقاء على المؤمنين به إلا التخويف بالقتل إن هم فارقوه؟ وهل الإسلام قناعة ذاتية نابعة من ضمير حر وإرادة حرة هي التي تعصم المسلمين من مغادرته وتجعلهم مخلصين له  ام أنه”سجن مؤبد” له حراس مدججون بالسلاح يتربصون بكل من اراد الخروج منه ليقتلوه حتى يبثوا الرعب في قلوب المسلمين الآخرين فلا يجرؤ أحد على التفكير في المغادرة! هل بمثل هذا يحافظ الإسلام على معتنقيه؟! هل بمثل هذا نستطيع ان نقنع أحدا باحترام الإسلام ناهيك عن الدخول فيه؟ ما الذي يضير الإسلام لو أن امرأة او رجلا تركه واعتنق المسيحية او أي دين آخر؟ وفي قضية الطبيبة الواردة أعلاه هناك سؤال مهم وهو ما المنطق في افتراض ان هذه السيدة يجب ان تكون مسلمة لمجرد ان والدها مسلم رغم انه لم يربيها وتركها وهي طفلة؟ هل الإسلام عقيدة يعتنقها الفرد رجلا كان او امرأة عندما يصبح كائنا عاقلا ومدركا وله القدرة على الاختيار والمفاضلة وهذا لا يتم الا في سن التمييز والتكليف أم ان الاسلام  يورث عبر الجينات؟ وان كان كذلك لماذا جينات الأب فقط؟ أليست الخلية التي ينشأ منها الكائن البشري نصف جيناتها من الأم والنصف الآخر من الأب؟ وما هو المنطق في ان يرفض المسلمون منظومة حقوق الإنسان العالمية وعلى رأسها حرية الضمير في مجتمعاتهم بينما هم أكبر المستفيدين  منها ،  وبفضلها استطاعت منظمات الدعوة الإسلامية ان تنشر الاسلام في اوروبا وامريكا وآسيا وأفريقيا، وتدخل فيه اعدادا كبيرة من المسيحيين وغيرهم، وتقيم المساجد والمدارس القرآنية في دول غالبية سكانها من المسيحيين؟! هل الإسلام الذي ما انزل كتابه إلا “ليقوم الناس بالقسط” حسب النص القرآني، يمكن ان يبيح هذه الانتهازية وازدواجية المعايير في التعامل مع قضية من كبريات القضايا الإنسانية وهي قضية حقوق الانسان وحرياته الأساسية التي تشمل حرية الضمير؟!

ان هذا النوع من القضايا يؤكد حاجة المسلمين ل”عصر تنوير” إسلامي، يتم في إطاره التأسيس الفلسفي والفكري لمذهبيات إسلامية جديدة متجاوزة لكل المذهبيات السلفية الموروثة المغتربة عن العصر الحديث، وقبل ذلك التأسيس لمشروعية القراءة النقدية لمجمل الموروث الفقهي والتفسيري، وهذا الموروث المتعدد المتنوع يقف شاهدا على مشروعية التعددية.

 هناك عدد من المفكرين الإسلاميين المعاصرين، الذين “أبطلوا” حد الردة وساقوا أدلتهم من القرآن الكريم على عدم وجوب عقوبة دنيوية على تغيير الدين، فالقرآن ذكر الردة في اكثر من اية ولم يأمر بقتل المرتد: ”  ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم” والآية ”  إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا

وعدم قتل المرتد يتسق مع ما هو متواتر في القرآن من آيات جعلت “الإكراه” لا يجوز في أمر العقيدة، منها قوله تعالى “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”،

ولكن رغم هذه الآيات يتمترس “السلفيون” خلف “حد الردة” ويدافعون عنه بشراسة تصل الى تكفير من يقول”ليس في الردة حد” مستشهدين بأحاديث منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم منها حديث” من بدل دينه فاقتلوه” وحديث

لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة

والاستشهاد بهذه الأحاديث يقود لقضية شائكة أخرى هي “حجية السنة” وفي هذا الإطار جملة من التساؤلات المشروعة منطقيا ولكنها مجرمة ومحرّمة بمنطق”أصحاب النزعات الكهنوتية”، وعلى رأس هذه التساؤلات هل فعلا صدرت هذه الأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ كيف يمكننا إثبات ذلك على نحو قاطع؟ أليس من الحقائق الثابتة تاريخيا والتي لا يغالط فيها حتى السلفيين ان السنة لم تدون في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الإمام البخاري صاحب أصح كتب الحديث من وجهة نظر أهل السنة ولد عام 194 بعد الهجرة؟ أليست عملية جمع وتدوين الحديث عملية بشرية قام بها بشر لا عصمة لهم وقد أدخل على الحديث ما ليس منه حسب المصالح والانحيازات السياسية والاجتماعية وهو ما نتج عنه نشوء علم “الجرح والتعديل” الذي يفحص رواة الحديث، وتم  تصنيف الحديث نفسه  الى صحيح وحسن وغريب وضعيف وموضوع؟ ما الذي يمنع من”تنقيح جديد” للأحاديث لانه ما زالت هناك أحاديث يتضمنها صحيح البخاري نفسه وغيره مما يسمى بالصحاح فيها تناقض مع القرآن ومع حقائق تاريخية وعلمية بل ومع روح الإسلام ومقاصده وقيمه، ومن أمثلة ذلك الحديثان أعلاه عن قتل المرتد، وحديث إرضاع المرأة للرجل حتى يجوز له الدخول عليها كابن من الرضاعة، وحديث ان ان المرأة والحمار والكلب الاسود يقطعون الصلاة! ولا يتسع المقام هنا لذكر الأمثلة وهي كثيرة جدا! ما هو الدليل من القرآن او المنطق العقلي الذي يفرض على المسلمين التسليم المطلق بالصحة المطلقة لكل الاحاديث المتضمنة فيما يسمى ب”الصحاح” وهي كتب سطرها بشر عاديون؟

ان خطورة حد الردة تكمن في ان ظاهره الدين وباطنه السياسة! فالمدافعون عنه لا يفعلون ذلك حرصا على الدين، بل حرصا على قهر الآخر وإخضاعه، ولذلك لو تأملنا في من قتلوا تحت ذريعة الردة عبر التاريخ نجدهم ممن عارضوا السلطة السياسية بأفكارهم او بأفعالهم، والسودان ليس استثناء، فقد نفذت فيه جريمة العصر بإعدام الأستاذ الشهيد محمود محمد طه،

والذي جعل “الردة” جزءا من القانون الجنائي في عهد الإنقاذ رغم ان عرابها حسن الترابي يتمشدق بانه ضد قتل المرتد هو استبطان الرغبة في ارهاب الخصوم، وقهر الشعب السوداني.

ختاما، في قضية مريم، فإن الهدف الأسمى، والأولوية القصوى لكل المهمومين بقضية حقوق الإنسان، بل ولكل صاحب ضمير يقظ وفطرة إنسانية سوية، يجب ان يكون إنقاذ هذه الشابة من هذا الحكم الجائر ورد الاعتبار لانسانيتها وكرامتها، وفي اعتقادي ان في ملابسات القضية ما يجعل هذا الإنقاذ ممكنا حتى في ظل القوانين”المعيبة” السائدة، وفي حدود “الفقه التقليدي” السائد، رغم اختلافنا مع كل منهما.

فلو سلمنا جدلا ان “الردة” حد وتستوجب القتل، وان هذا الحد مرجعيته حديث”من بدل دينه فاقتلوه”، فإن هناك حديث اخر هو” ادرؤوا الحدود بالشبهات” ،

وفي هذه القضية عدد من “الشبهات” التي يجب ان تدرأ حد الردة، وهي ان السيدة مريم-(لا أقول المتهمة، فمن وجهة نظري ليست هناك جريمة أصلا)- لم ترتد عن الاسلام لانها لم تنشأ في أسرة مسلمة، والدين الذي عرفته وألفته منذ طفولتها هو المسيحية، فكيف تحاكم بالردة عن دين هي لم تعرفه ولم تعتنقه أصلا!

اما تهمة الزنا، فإن زواجها كاف جدا لدرء حد الزنا، وبتتبع “الفقه الإسلامي التقليدي” نفسه في موضوع الحدود نجد توجها عاما نحو تفادي تطبيقها والبحث عن مخرج منها متى حامت حولها ملابسات يمكن تفسيرها لصالح المتهم، والاستعاضة عنها بما يعرف ب”الأحكام التعزيرية”.

إن على كل القوى الحية في المجتمع السوداني ان تثابر في حملات التضامن مع هذه السيدة المظلومة حتى يتم انقاذها من الاعدام، ورد الاعتبار لكرامتها، وإنقاذ طفلها الحالي وطفلها الذي لم يولد بعد من اليتم والوصمة الاجتماعية الظالمة التي لا تستند الى اي منطق ممثلة في اتهام أمهما بأنها “زانية” وان طفليها غير شرعيين رغم انها متزوجة من والد الطفلين!

وليس من حق أي من “الكهنة” ان يمارس الارهاب الديني في هذا الأمر، فهؤلاء “الكهنة” لم نسمع لهم صوتا في وجوب محاكمة من يمارسون الاغتصاب الجماعي بحق النساء المستضعفات في دارفور من مليشيات تتبرج باسلحتها وتحاصر المدن وتنال المكافآت المليارية من خزينة الدولة”الإسلامية”!  

عار علينا ان نترك واجب التضامن مع مريم للسفارات الأجنبية وكأنما قضايا حقوق الإنسان، وحرية الضمير لا تحركنا كسودانيين، هناك حملات تضامن بدأت، ويجب ان تستمر وأن تنضم إليها شخصيات سياسية وقيادات دينية الى جانب نشطاء حقوق الإنسان.   

ولكن كما أسلفت، الانتصار لقضية مريم وإنقاذها، باية وسيلة، وهو ما نتمناه ويجب ان نعمل عليه، ليس كافيا، اذ ان الواجب الوطني والإنساني يقتضي العمل من أجل التغيير الجذري الذي يقتضي عملية إصلاح قانوني شامل يجعل كل قوانين البلاد متسقة مع حقوق الإنسان العالمية، وعلى رأسها حرية الضمير، وهذا يحتاج الى فكر مستنير ينزع المشروعية الدينية عن كل القوانين المعيبة المتخلفة التي يدعي المدافعون عنها انها حكم الدين أو حكم “الشريعة الإسلامية” .