حاوره : صالح عمار يضيق المشهد السياسي والاعلامي في السودان ليقتصر علي احزاب بعدد اصابع اليد، ويغيب الجزء الاكبر بعيدا عن المتابعة والكاميرات، يشتكي من ذلك كثيرون، من بينهم الامين السياسي لحزب اتحاد شمال وجنوب الفونج عبدالجليل محجوب،

الذي تناولنا معه في هذا الحوار رؤية حزبه لقضايا السودان العريض والاوضاع في ولاية النيل الازرق ومعاناة سكانها في ظل الحرب المشتعلة، وقبل ذلك تعريفٌ بالحزب الذي لايرد اسمه الا في مناسبات نادرة.

*متي تأسس حزبكم ؟ وماهي اغراض وملابسات تأسيسه ؟

فكرة انشاء الحزب بدأت في عهد الديمقراطيه الثانيه آواخر الستينيات حيث كانت منطقة النيل الازرق دوائر مغلقه للحزب الاتحادي الديمقراطي والسكان من الختميه. وحدثت حادثه غريبه وقتها دفعت المثقفين والناشطين من ابناء المنطقة للتفكير في تأسيس الحزب وهي رفض الحزب الاتحادي لترشيح ابناء المنطقه كمرشحين للحزب في دائرتي الكرمك وقيسان وترشيحه لافراد من خارج المنطقه وهما بشير محمد سعيد الصحفي المعروف في دائرة الكرمك وعبدالمجيد وصفي وهو محامي من أبناء الخرطوم في دائرة قيسان. وهذا الحدث اثار نقاشات وتفكير في انشاء جسم خاص بالمنطقة.

ورأي النور هذا الجسم بعد الانتفاضه وتم تسجيله رسميا في الاول من اغسطس 1985م باعتباره حزبا يعبر عن قضايا الاقليم ويساهم برؤيته في القضايا العامه. والآن الحزب مسجل بشكل رسمي عند مسجل الاحزاب والتنظيمات السياسية بالسودان.

*وفقا لهذا السرد التاريخي فللحزب عشرات السنين منذ تأسيسه، لماذا لايعرف الكثيرون حزبكم ؟  الا يعني هذا انكم ربما تقفون عند نقطة معينة في الماضي ولم تكسبوا مؤيدين جدد ؟

هذا سؤال مهم. كما ذكرت لك بدأت الفكرة ومن ثم تأسس الحزب، شئ طبيعي ان كل الانظمه في المركز مهما كان نوعها ومهما اختلفت من اليمين لليسار فهي حريصة علي الا يبرز اي صوت من الاقاليم الاخري خاصة اقاليم الهامش، ولهذا كانوا يعملون دائما علي اقصاء الصوت الآخر. وتجربة الدوله السودانيه منذ تأسيسها لم يكن فيها تلفزيون حر او اذاعة و حتي الصحف معظمها كانت موجهة، وهذه كلها اسباب تجعل من صوت الحزب غير مسموع.

كما ان هناك عامل آخر وهو طبيعة عضوية الحزب التي هي من طبقات فقيرة، وهذا يعني ان الحزب ليس لديه بعد اقتصادي وانشطته يديرها من اشتراكات جماهيره المؤمنة باهدافه، وكما هو معلوم فكل الانشطة الاعلامية والدعائية في وسائل الاعلام تحتاج لرؤوس اموال نفتقدها. ومعظم الاحزاب اشتركت في السلطه وبنت امكاناتها من اموال الشعب واستفادت من مشاركتها، وهذا لم يحدث من جانبنا.

*الا يمكن ان يكون غياب اسمكم سببه عوامل ذاتية وقصور من جانبكم ؟

لا ننفي وجود هذه العوامل الذاتية وهي عوامل موجودة في كل الاحزاب السياسية السودانية، ولكن نعتقد ان العامل الرئيسي ان هناك من لايريدون سماع اسم حزب يستمد اسمه وتاريخه من دولة الفونج والدوله السناريه، وهذا مصدر ازعاج لكل حكومات المركز التي تريد طمس هوية وتاريخ هذا الشعب تماما لتبني علي انقاضه تاريخ جديد.

*ماهي الخطوط والملامح العامة للبرامج والسياسات التي يطرحها حزبكم في السياق القومي؟

من اولوياتنا المساهمة في عملية التحول الديمقراطي الحقيقي في كل السودان، وقضايا الحريات العامه واستقلال القضاء والخدمه المدنيه ومؤسسات التعليم العام من اولوياتنا ايضا.

*وعلي الصعيد الاقليمي؟

نطالب بالحكم الذاتي الاقليمي وهذا منصوص عليه في البرنامج الاساسي للحزب منذ تأسيسه في العام 1985م، اي ان ينشأ اقليم باسم “اقليم الفونج” وهو في حدود مديرية النيل الازرق سابقا والتي تضم حاليا ولايتي سنار والنيل الازرق، وهي المنطقه التي نعنيها بمسمي شمال وجنوب الفونج.

*الا تشكل مطالبتكم بالحكم الذاتي ازعاجا للكثيرين بالولايتين والذين قد لايرون انفسهم جزء من الفونج ؟

نحن لدينا حقائق تاريخية ننطلق منها لمفهوم الفونج وهو انها دولة كانت تضم داخلها كل مكونات الشعب السوداني، ونحن عندما اطلقنا اسم اتحاد شمال وجنوب الفونج علي حزبنا كنا علي وعي بهذه النقطة ولم نقل اتحاد ابناء الفونج، باعتبار الرمزية للارض التي تسكنها اعراق مختلفه، والارض بالولايتين يسكنها من قد لايكون لهم اي علاقه بالفونج ونحن نعبر عنهم مثل غيرهم كسكان للمنطقة، وهذا الوضع موجود في دارفور مثلا حيث هناك رمزية الفور ولكن الاقليم يمثل الجميع.

*اين هي مراكز ثقلكم الجماهيري الآن ؟

للحزب تواجد كبير جدا علي مستوي ولايات الخرطوم، الجزيره، سنار، النيل الازرق، القضارف، كسلا، البحر الاحمر والحزب موجود بشكل رسمي في نطاق هذه الولايات السبعة ولكن فعالية الحزب موجوده بشكل اكبر في ولايات الخرطوم، الجزيره، سنار، النيل الازرق. وفي الانتخابات السابقه 2010م قدمنا مرشحين في هذه الولايات الاربعة، ولم نحصل علي مقاعد لما شاب الانتخابات من تزوير واخطاء ولكن كان رصيدنا في التمثيل النسبي كبيرا.

*كيف هي علاقتكم بالمؤتمر الوطني باعتباره صاحب السلطة الآن ؟

ليس لنا ادني علاقه بالمؤتمر الوطني، ومايجمعنا هو وجودنا في ظل دوله واحدة وقانون يسمي قانون “الاحزاب السياسية”، وليس لنا اي علاقة مباشرة معه.

*لم تدخلوا معه في اي تفاوض ولقاءات خلال الفتره الماضية حتي في القضايا العامه كما تفعل احزاب اخري ؟

لم ندخل معه في اي تفاوض (يرد بغضب).

*ماهي اسباب هذا الوضع ؟ او ماهي نقاط عدم التقائكم معه ؟

نحن ندعو ونتحدث عن منهج ديمقراطي كطريق وسلوك لادارة الحكم في البلاد وهذا ما لانراه عند المؤتمر الوطني، وهو حزب قائم علي اقصاء الآخر وفرض نظام آحادي لايعبر عن مصالح الشعب السوداني وانما عن مصالح فئة معينة، وهو نفسه عندما جاء للسلطة لم يأت بطريقه ديمقراطية.

*وماذا عن الحركة الشعبية صاحبة الثقل في معقلكم ولاية النيل الازرق وباقي الولايات ؟

كانت هناك علاقة بالحركة الشعبيه بدات بعد قيام الانقاذ مباشرة في العام 1990 والتي قامت بتضييق الحريات، فتحالف الحزب مع الحركة الشعبية باعتبار المشتركات بيننا ووجود عدو واحد واستمر هذا الوضع حتي توقيع اتفاقية السلام، وبعد الاتفاقية ووصول الحركة للسلطة غيرت الحركة الشعبية مسارها وماعادت تنفذ وترفع الشعارات التي اتفقنا عليها.

*ماهي نقاط اختلافكم معهم تحديدا ؟

بعد 2005م ووصولها للسلطة لم يعد للحركة اي استعداد للاستماع لاي رأي آخر، وتحولت نظرتها لنظرة كراسي فقط. كنا نتكلم عن قضايا الشعب ووقوع ظلم علي اهالي الاقليم وهيمنة اقتصادية، وعندما وصل قادة الحركة الشعبية للسلطة مارسوا نفس الوسائل بشكل ابشع.

*ماهو تقييمكم لفترة شراكة الحركة الشعبية مع المؤتمر الوطني بالنيل الازرق ؟

الفتره التي حكمت فيها الحركة الشعبية الولاية وخاصة فترة مالك عقار كوالي كان فيها مساحه للحريات والتعبير عن الرأي الآخر وهذا شئ محمود، ولكن علي مستوي البنيات والتنميه كان الطاغي هو المظهر الاعلامي والوضع لم يتغير.

*ماهو تقييمكم للاوضاع الآن بولاية النيل الازرق ؟

الوضع الانساني متردي جدا ولدينا نازحون ولاجئون موجودون في الغابات وفي العراء في ظروف سيئة جدا، ولاتوجد بنيات او خدمات في اي منطقه سوي في مدينتي الدمازين والرصيرص، والتعليم محصور في المدينتين.

*كيف هي الاوضاع الامنيه وانعكاساتها علي المواطنين في ظل حالة الحرب؟

طالما ان هناك انتشار للجيوش واصوات طائرات ليلا ونهارا فوق رؤوس الناس فمن المؤكد انه لايوجد امن واطمئنان للمواطن.

*ماهو رأيكم في حالة الطوارئ المفروضة علي الولايه؟ والاوضاع الآن في ظلها ؟

تقارير الحكومة واجهزتها تردد ان الامن مستتب بنسبة 95 %، وفي ظل استتباب الامن لاندري ماهي الضروره لفرض حالة الطوارئ ؟ نحن كحزب يحكمنا قانون الانتخابات، وهذا القانون يقول انه اذا خلا منصب الوالي لاي سبب من الاسباب يتم انتخاب والي خلال ستين يوما وهذا لم يتم حتي الان، وهذا القانون ادي لتعطيل الحياه العامة والحراك السياسي.

*هناك برنامج ينفذ لتعلية خزان الروصيرص نتج عنه تهجير للسكان، هل تم تعويضهم بشكل مناسب؟

هذه قضية كبيرة، منذ البداية كان هناك سكان في المنطقه قبل انشاء الخزان وتم تهجيرهم اجبارا دون اي تعويض والاهداف التي تم تأسيس السد من أجلها لم يكن فيها اي عائد لمواطني النيل الازرق، مثلا رغم ان المشروع كان يمثل كهرباء السودان كلها لم تدخل الكهرباء الا في احياء قليله بالدمازين، وايضا مشروع الرهد تم من هذا الخزان ولم يكن لمواطن النيل الازرق نصيب فيه.

الآن تمت اضافة 6 مليارات متر مكعب من المياه للثلاثة مليارات التي كانت موجوده اصلا ليصبح الاجمالي 9 مليارات متر مكعب من المياه، وتعلية السد تسبب لنا مشاكل كثيرة وهناك الكثير من القري التي تضررت ضررا مباشرا ولم تشملها الدراسه للتعويض، واخطر ما فيه اغراق الآثار في منطقة فازوغلي وهي المنطقه التي تشكل الرمزية التاريخية لمنطقة الفونج وفيها اكثر من 63 موقع اثري تم مسحها ومواقع اخري لم يتم مسحها وهذه غمرت كلها بالمياه ولم يتم انقاذ موقع واحد منها، وبالتالي الضرر فيما يتعلق بحضارتنا وتاريخنا كبير جدا.

اما مسألة التهجير والتعويض ففي اعتقادنا ان هذا لايسمي تعويض ولم يكن هناك مراعاة لعدد الاسر، والمباني لم تكن مطابقة للمواصفات حتي ان بعضها انهار ولم يكمل شهور علي بنائه، ولم يتم دراسة نمط الانتاج للسكان اصحاب المواشي والمزارعين الذين تم ترحيلهم.

*ولكن لماذا لم يرفع المتضررون صوتهم رفضا للقرار ؟

المواطن المغلوب علي امره لم يستطع ان يرفع صوته في ظل الوضع الحالي المعروف، والجميع كانوا مجبرين علي قبول التعويض لان المياه غمرت المنازل فعليا، والمواطن كان امام الامر الواقع ومجبرا ولم يكن لديه خيار.

*ماهو رأيكم في المشورة الشعبية ؟ وهل يمكن الرجوع لها مرة اخري كخيار لحل ازمة النيل الازرق ؟

المشورة الشعبية عبارة عن ترتيبات انتقاليه كانت ستتم في السنة الرابعة من عمر الاتفاقيه وفقا لنصوص نيفاشا وقبل اجراء استفتاء الجنوب ولكن هذا لم يتم، وفي عهد مالك عقار كوالي حاولوا احياءها عبر عقد لقاءات لاخذ مشورة اهالي الولايه. ولكن الزمن الآن تجاوزها وآليات تنفيذها صارت غير موجودة ولايمكن تنفيذها من طرف واحد.

*اذاً ماهو الطريق في اعتقادكم لحل الازمة ؟

نحن نري ان حل المشكله يتم بالتفاوض مع الحركة الشعبية، وهذا التفاوض يجب ان يتم بمشاركة اهل المصلحة الحقيقيين من احزاب سياسية وادارات اهلية والشرائح المستنيرة الموجودة في الولاية، باعتبار ان هولاء هم المتضررون بشكل مباشر وبالتالي لا بد من سماع رأيهم في التفاوض والعملية السلمية، وعدم تكرار القصور الذي صاحب اتفاقية نيفاشا التي كانت ثنائية بحتة واوصلتنا لنتيجة الرجوع لمرحلة الحرب.

*كيف ترون المشهد في السودان باكمله والمستقبل ؟

السودان يمر بازمة كبيرة جدا وستستمر الازمة طالما ظل هذا الوضع قائما ولم يحدث تحول في اطار ديمقراطي، والتحول في اطار ديمقراطي يقتضي دستور قومي تشترك في وضعه كل الاحزاب واتجاهات الرأي في البلاد.