التغيير : سواكن ما ان تطأ قدماك مدينة سواكن , ثانى اكبر مدن ولاية البحر الاحمر شهرة ومكانة بعد العاصمة بورتسودان  والتى تبعد عنها حوالى 70 كيلومترا نحو الجنوب , الا وتحس كأنك  امام ثلاثة مدن صغيرة , ليس لها علاقة ببعض , وليس امام مدينة ساحلية صغيرة

فالقسم الابرز منها هو مدينة الحياة المدنية الحديثة من فنادق صغيرة  منتشرة كيفما اتفق , ومطاعم شعبية  ومحال تجارية ومكرسة كلها تقريبا للمسافرين عبر الميناء الى خارج السودان او القادمين اليه عبر السفن. اما الجزء الثانى من سواكن فهى المدينة الاثرية التأريخية , او ماتبقى من بقية تلك المدينة الغابرة بوجود هياكل ضخمة لبوابات اثرية , وماذن ومدن صغيرة مبنية من  الشعب المرجانية وطين البحر والتي تداعت وتساقطت كلها تقريبا. اما سواكن الثالثة والمختفية فهى الاحياء والمناطق المأهولة بالسكان الاصليين وهى عبارة عن صورة مثالية للبؤس والفقر المدقع: بيوت متداخلة وعشوائية  ومبنية من الخشب القديم والزنك والصفيح , وتفتقر لابسط الخدمات من ماء وكهرباء وطرق داخلية.

 

المدينة البيضاء

هنالك العديد من الاجتهادات والتعريفات المرادفة لمعنى كلمة سواكن التى سميت بها المنطقة و ولكن اكثرها شيوعا بحسب معتقدات شعبية رائجة , هى التى تعنى كلمة “سواجن” ويقصد بها ان النبى والملك سليمان كان يسجن الجن فى هذه المنطقة فى احدى القصور الكبيرة, ومع مرور الزمن تحولت سواجن الى “سواكنويقال ان الجن مازال موجودا حتى الان ولكنه جن مسالم كما قال لى لاحقا احد الادلاء داخل المدينة الاثرية. ويقدر عدد سكانها بنحو 30 الف نسمة بحسب نتائج الاحصاء السكانى الخامس والاخير .

 وينحدر معظم السكان من قبيلة الهدندوة بجانب بقية قبائل الشرق المعروفة واثنيات سودانية اخرى. لكن الباحث التأريخى والمهتم بشئون سواكن محمد نور هداب يقول ان سواكن  هى خليط لكلمة هندية وبجاوية وتعنى “المدينة البيضاء”لأنها كانت مبنية من الشعب المرجانية البيضاء والجير الابيض. ويقول انها مدينة موغلة فى القدم وكانت مرفأ السودان الوحيد على ساحل البحر الاحمر , وكان القادمون اليها من طوكر وبورتسودان وسنكات يرونها شاهقة بيضاء بوجود بيوت مكونة من طابقين ,  وتشتهر بتجارة الجمال والسمسم والصمغ العربى. وذكر هداب ان المستعمر الانجليزى بقيادة كتشنر  حاول الدخول الى السودان عبرها ولكنه فشل , لذا قرر اقامة ميناء جديد للدخول وتم اختيار ميناء بورتسودان الحالى (حينما فشلت طلائع القوات الانجليزية التى التحمت مع قائد الثورة المهدية عثمان دقنة وبكل السبل قررت الانتهاء والتخلص من سواكن فحاربتها حربا شديدا , وعندما جاءت الحكومات الوطنية المتعاقبة اكملت مابدأه المستعمر الانجليزى , حتى اوصلت سواكن الى هذه الدرجة المزرية من الخراب والدمار!).

 

ماض مدفون

فعليا ,  لم يتبقى سوي انقاض ومبانى ايله للسقوط من “برشلونة الشرق” كما يطلق عليها احيانا هذا الاسم, ففى جولة داخل المدينة الاثرية كانت المبانى القديمة قد انهارت بالكامل  فبخلاف البوابة الكبيرة والضخمة ومسجد واحد تم ترميمه لاحقا , من اصل مسجدين داخل المدينة وبضع غرف سكنية لم يتبق من سواكن القديمة اى شئ . وكل مافعلته السلطات هو تكويم انقاض المبانى وتسييجها بحاجز ترابى فقط , فى انتظار انهيار ماتبقى منها! يقول مسئول محلي , فى هذا الصدد ان المعتمدية تحاول من خلال الميزانية القليلة المتاحة لها فى صيانة وترميم بعض المبانى وليس كلها (فعليا قمنا بتأهيل وترميم المسجد الحنفى وهنالك محاولات لترميم المسجد الشافعى , ولكننا لن نستطيع ان نفعل اكثر من ذلك , دعنا نفعل شيئا للاحياء حاليا , ومامضى قد مضى!).

 

لكن الباحث التأريخى والمهتم بشئون سواكن محمد نور هداب يقول وبلغة  يائسة انه من الصعب اعادة ترميم كل المدينة بعد الانهيار الذى وقع لها ولكن يمكن للسلطات الحكومية فى المركز او سلطات الجمارك او حكومة  بورتسودان اعادة تاهيل وترميم بعد المرافق المركزية فى المدينة الاثرية مثل غرف الفنادق والمضيفات ومقر الجمارك والبنك القديم وغيرها من المرافق التى يمكن ان تعاد اليها الحياة.

 

 

قصر الشناوي

من المعالم الاثرية الاخرى التى تمتاز بها مدينة سواكن هو مايسمى “بقصر الشناوى” وهو قصر ضخم ومبنى ايضا من الشعب المرجانية وطين ورمل البحر ومكون من اكثر من 360 غرفة. ويقول الاهالى ان عدد الغرف بالقصر هو 365 غرفة تماما وهو عدد ايام السنة الميلادية وهنالك اعتقاد شائع ان الشناوى وهو ملك من بلاد المغرب كان يحكم فى تلك الاثناء متزوج من 365 امرأة , ويضع كل امرأة فى احدى الغرف ,  وينام مع كل واحدة  كل يوم  حتى تنتهى ايام السنة , بمعنى اخر ان المرأة التى ينام معها لايعود اليها الا فى العام المقبل! ويعتبر هداب ان هذا الحديث نوع من الخرافة والاساطير, لأنه لايستند على اساس علمى او تأريخى. ويعتقد ان هذه الغرف هى مجرد مخازن لتخزين السمسم والصمغ العربى وغيرها من المواد التى يراد ترحيلها ( فى ستينيات القرن الماضى كانت بعض هذه الغرف موجود بحال جيدة , ورأيت فيها مايثبت انها مجرد مخازن لاغير).

ومع كل هذا الاهمال الرسمى لهذا الارث التأريخى الهام , الا ان محمد نور هداب لم يشأ ان يترك كل شئ يضيع , فأنشأ له متحفا خاصا به , فى سواكن ذاتها , ونجح فى جمع مقتنيات وايقونات تأريخية اذها من بقايا المدن الاثرية وقصر الشناوى , ويقع المتحف على مساحة واسعة ومحاط بسور كبير ومقسم الى صالات وغرف بها ثرات كبير من شرق السودان الحالى بالاضافة الى صور نادرة لقائد الثورة المهدية عثمان دقنة وصور اخرى تعود للاعوام من 1890ىوحتى العام 1920 .

 

مستقبل مجهول

وفيما يتعلق “بسواكن الحقيقية” كما يقول احد سكانها الاصليين , فهى تشبه الى حد بعيد بيوت الصفيح الموجودة فى بعض الدول الافريقية , فالفقر والجهل منتشر بكثافة , والقاذورات والاوساخ منتشرة وسط المنازل المشيدة من الخشب والصفيح والمتداخلة فيما بينها, ومعظم السكان لايعملون فى مهن معروفة وبعضهم يعمل فى الميناء لبعض الفترات , والبعض الاخر يمتهن مهنة الصيد , حيث يوجد مرسى كبير تقبع فيه عدد من الزوارق والمراكب الخشبية ولكن معظم الصيادين قادمون من مناطق اخرى وليسوا  مقيمين فى البلدة نفسها. ويقول محمد حسين وهو خمسينى عجوز انه عاش فى هذه المنطقة طوال حياته وانه لم ير مسئولا حكوميا يزورهم  هنا ( لم يتشرف اى مسئول حكومى بالحضور الى حيث نسكن ويعرف كيف نعيش , البيوت العشوائية نفسها منذ امد بعيد , والكل يعرفون سواكن الميناء ولايعرفون الاحياء التى نعيش فيها). ويعزى مسؤل حكومي في المنطقة  السبب فى انتشار الفقر وانعدام الخدمات الى وجود العشوائية فى هذه الاحياء (نحن نعكف حاليا على اعادة تخطيطها , ولكن نواجه بمشكلة مايسمى المستوطنين الذين اتى بهم من الخارج ولايرضى بهم السكان الاصليون ويقولون انهم استولوا على اراضيهم , سنحاول ان نعالج هذا الاشكال اولا ثم نبدأ بالتخطيط وادخال الكهرباء والتى نتوقع ان تأتى من سد مروى بنهاية هذا العام