سيف الدولة حمدنا الله لوكيل ديوان النائب العام عصام الدين عبدالقادر ألف حق في أن يمد لسانه للذين يطالبون بمحاسبته وأن يشعر بكل هذا الإطمئنان برغم أنه ضُبط بالثابتة،

ونُشر فساده في الأراضي التي لهفها على صفحات الجرائد، فهو يعلم أنه ليس هناك مسئول يمكنه أن يستجرئ عليه بمساءلته أو تقديمه لمحاكمة، فكل الأملاك والعقارات التي ينعم بها الذين يُمكنهم محاسبته هي من فضلة خير هذا اللص الظريف، ذلك أن بقاؤه في منصبه كمدير للأراضي لكل هذه المدة الطويلة ( 2002 – 2012) قد جعل من الذين يمكنهم مساءلته شركاء له في الجريمة وأصحاب مصلحة في إخفائها والتستر عليها..

 عصام هو المهندس الذي يسّر الحصول على كل هذه القصور التي تراها العين في كافوري والرياض والنزهة والواحة ..الخ، والذين يحملون دينه على أكتافهم هم ولاة ووزراء وقضاة (بينهم رأس كبيرة حصل على قطعة في كافوري ومثلها بمنطقة الواحة) ومستشارون وضباط كبار في الجيش والشرطة و صحفيون ..الخ، فليس هناك صاحب مقام لم يطرق باب مكتبه أو يتوسّل إليه لمنحه قطعة أو أكثر بالمخالفة للقانون، فقد نُشرت قوائم بعقارت تعود لوزراء من بينهم وزير المالية علي محمود ووزير الداخلية (السابق) إبراهيم محمود ومثلها قوائم لأقارب الرئيس (زوج شقيقتة نور الدائم إبراهيم).. الخ، بحيث لا تتيسر محاكمته – عصام – الاّ في دولة جوار أو أرض محايدة..

لقد كان الصحيح أن يؤدي كشف هذا الحجم من المخالفات في أراضي الدولة إلى فتح تحقيق شامل في كل مكاتب الأراضي بمدن السودان الأخرى، في مدني وكوستي والأبيض وصندوق الضمان الإجتماعي ..الخ، ففي كل مكتب مائة عصام، وكان من المفروض أن تكون أول خطوة  صدور قرار بمنع التصرف في الأراضي التي تقع في دائرة الإشتباه، حتى لا يستطيع الجناة غسلها وتبييضها ببيعها لآخرين يشترونها بحسن نية أو بالتواطؤ مع هؤلاء المجرمين، كما كان من الضروري إبعاد عصام عبدالقادر من مسرح الجريمة بوقفه عن العمل حتى لا يقوم بطمس البينات أو التأثير على سير التحقيق من خلال موقعه بديوان النائب العام.

ثم، ما الذي يجعل مستشاراً بديوان النائب العام يتحول من عمله في مجال القانون ليُصبح مديراً للأراضي في الأساس، وبأي وجه عاد ليشغل ثاني أكبر منصب بالديوان بعد عشرة سنوات من الغياب عن ممارسة مهنة القانون، وبعد أن أصبح يحمل عقل سمسار، فالذي يقول بعظمة لسانه أنه تعلّم من منصبه كيف ومتى يشتري ويبيع الأراضي هو تاجر لا يجوز أن يبقى يوما واحدا في وظيفة مهمتها تطبيق القانون، فهو ممنوع بحكم وظيفته من ممارسة التجارة، وذلك إمتثالاً لما يُعرف بقواعد سلوك المهنة “Code of ethics”، وهي مبادئ غير مكتوبة تمنع مثله من المستشارين والقضاة من دخول السوق أو ممارسة التجارة، وإلاّ جاز للقاضي الصغير الذي يضيق به الحال أن يفتح محل لبيع الطعمية.

حتى قبل يوم واحد من مجيئ الإنقاذ كان  إشتغال الموظف العام بالتجارة جريمة يعاقب عليها القانون (كان الدكتور حسن الترابي وراء إلغاء هذه المادة في القانون)، وهناك سابقة منشورة بمجلة الأحكام القضائية (1976)، سبق لنا الإشارة لها في أكثر من مناسبة، وهي سابقة تجعل من يقرأ تفاصيلها تسيل عيونه بالدموع حسرة لما آل إليه الوطن بأيدي هؤلاء الملاعين، ففي هذه القضية أرست المحكمة العليا مبدأ مفاده: “أن قيام أفندي حكومي بالعمل على سيارة أجرة لزيادة دخله بعد ساعات الدوام الرسمي يُعتبر ضرباً من التجارة التي يمنعها القانون“. 

وجه المفارقة تكمن في أن النظام الذي يقوم أركانه بنهب أراضي الدولة بهذه الجرأة والوقاحة، كان قد أقام محكمة ثورة في عشية الإنقلاب (1989) قامت بمحاكمة عثمان عمر الشريف الذي كان يعمل وزيراً للأشغال في العهد الديمقراطي وذلك بتهمة الفساد وإستغلال النفوذ بسبب حصوله على قطعة أرض واحدة بمنطقة العمارات وكان قد قام بتسجيلها بإسم زوجته ، فحكمت عليه المحكمة بالسجن (ما لبث هذا الوزير أن وجد نفسه في هذا النظام وهو يعمل اليوم ضمن طاقم حكومة الإنقاذ كوزير للتجارة الخارجية).

قطعة أرض واحدة في المواقع التي يجري السطو عليها تعني ثروة، وشخص كل حيلته ليسانس حقوق مثل الذي حصل عليه عصام الدين هناك آلاف مثله من أبناء هذا الوطن الشرفاء وهم أكثر تأهيلاً منه وأكثر نفعاً للوطن بينهم معلمون وبياطرة ومهندسون وزراعيون …الخ، وهم في عرض منزل شعبي بغرفتين مخلوفتين ومنهم من أفنى عمره في بلاد الغربة.

هذا وطن يحكمه لصوص ليس لهم حياء وليس بيدهم بوصلة تحدد لهم إتجاه، وليس من الحكمة أن ينتظر الشعب أن يقوم النظام بالقصاص من نفسه، وليس في الإمكان أن يقف الوطن على رجليه من جديد في وجود هؤلاء اللصوص، وقد حان الوقت لأن يخرج الشعب في وجه النظام حتى يتحقق له القصاص من الذين نهبوا ثرواته وأوقفوا حاله، ويجعلهم يدفعوا ثمن ما فعلوه بالشعب والوطن على داير المليم، وإن غداً لناظره قريب..