أشياء صغيرة أمل هباني * عذرا ....لا وقت لدينا لأحزاننا الخاصة ....في معركتنا من أجل هذا السودان ..لذا سأؤجل الحديث عن والدي رحمه الله ...لاكتب عن تلك المرأة ....

مريم أم أبرار لا يهم ..المهم أنها ….أمرأة خارجة عن المألوف …اعتنقت الدين الذي اختارته …في مجتمع يملي عليك دينك وعقيدتك وكثيراً من معتقداتك الفردية الخاصة ..خاصة لنسائه.

* ومريم يحيى هي احدى الخارجات عن المألوف ….مألوف المجتمع وما توارثه وما تعارفه، ومريم خرجت عن مألوف الدين الذي لا يجرؤ عليه أحدى؛ فالدين يتحول الى (هذا ما وجدنا عليه آباءنا )…..وتصبح أي آراء منطقية وعقلانية ومواكبة لروح هذا العصر مرفوضة وملفوظة أمام (صنم الدين) الذي بنوه تمثالا وعبدوه أكثر من حقيقة الدين نفسها …..وهو كتمثال العجوة (تقضمه) سرا  حينما تجوع وتحتاجه ، فمن في كل هذا العالم يدين بدين كما نزل قبل خمسة عشر قرنا بحذافيره مسطرا بالمسطرة …..بل أن الدين حينما نزل وحيه على الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان الناس أكثر حرية وانفتاحا عن ما هم عليه الآن …..فهناك من قال أن هذا جنون ومنهم من قال ساحر ، ومنهم من جادله ولم يقتنع ومضى، ومنهم من اسلم ولم يواصل في الدين الجديد ورجع الى دينه باعتبار أن محمداً هذا هرطاق يهرف بما لا يعرف  …..كل ذلك ولا القرآن ولا الرسول ولا ملك الوحي يأمرون بقتلهم بحجة أنهم أرتدوا ….وكان الرسول يؤمن ويعلم أنه لن يتدخل في حق الآخرين في الاختلاف معه وعدم تصديقه …..

* والخارجات عن مألوف مجتمعنا وضيق مواعين مواريثه أمثال مريم  ينلن عقوبات فورية ومتشددة من قبل المجتمع أولا …….لذلك كان الأخ والأسرة  هو أول من غضب عليها وعلى خروجها …لكن الأخطر في هذا السودان وفي أزمنة ادعاء الحكم باسم الدين الذي لم نجن منه غير الابتذال والانحطاط في الدولة ومؤسساتها وعدالتها وقضائها ….تحاكم مريم بالاعدام والجلد لأنها لم تعد  مسلمة ولم تتزوج مسلما ….

* وأذا أخذنا الرواية الثانية والتي رواها لي محامي الاتهام بعد الحكم بأن اسمها أبرار وليست مريم  وليست  طبيبة أنما هي خريجة جامعة السودان كلية العلوم الطبية ، وأن امها موجودة وقالت أن ابنتها كانت مسلمة متدينة …وأنهم فتحوا بلاغا باختفائها أولا تحت المادة 46 ، بعد أن فقدوا الاتصال بها ابان دراستها في الجامعة في الخرطوم …وأن الكنيسة قالت أن مريم قالت لهم أنها طبيبة ومسيحية …..لو افترضنا أن كل ذلك صحيح فأن ذلك ادانة أكبر للقانون و للمحكمة وقاضيها وحكمه المتعنت ……واصرار من القاضي على عقوبتها بخلفيته الاجتماعية مثله مثل أي شخص من العوام …..فكون أن هذه السيدة لو كانت أبرار وليست مريم تنكر اسرتها وأمها وأبوها وتعيش في ثوب شخصية أخرى … فهذا مؤشر على أن هناك مشكلة ما  ..وكان يمكن للقاضي أن يطالب بفحصها نفسيا  ممدا فسحة الاعذار ، قبل أن يحكم مثل هذا الحكم الجائر القاسي الذي ينهي حياتها لمجرد أنها غيرت دينها وأختارت زوجا على ديانة وسحنة أخرى مختلفة عن المألوف للمجتمع الذي يشكو ويدين ويعدم ………….

* أن الحكم الديني في السودان اتى على مجتمع متخلف وجاهل وبسيط فزاد من تجهيله وتخلفه وضياع حقوق مواطنيه ..على الرغم من وجود دستور  يقر بهذه الحقوق الا أن القوانين ذاتها وكثيرا من القضاة يفتقرون الى خيال الخروج عن المألوف ..والذي ينتج عنه المواطن المختلف بكامل حقوقه في هذا الاختلاف لو كان دينيا أو ثقافيا طالما أنه في حدود لا ضرر ولا ضرار …

* والحل لابد أن نؤسس  حركة قوية للحقوق المدنية ..ويعلو صوتها في الاسواق والميادين العامة وأجهزة الاعلام والمدارس ….   ليس أمامنا الا  أن نعمل جميعا من أجل  دولة الحقوق المدنية التي تفصل فصلا تاما بين الدين والدولة وقوانينها وتشريعاتها  والخروج بهذا المجتمع الى رحاب الحرية والمسئولية التي تحيله من مجتمع متخلف جاهل الى مجتمع يتمتع فيه الفرد بحقوق انسانية وكرامة تصونها قوانين واضحة لا لبس فيها ولا تمييز ….