د.ناهد محمد الحسن تعتبر جمعية ترقية المرأة التي أسستها نساء بيت المهدي في 1947 من أوئل المبادرات لتوعية المرأة، وقد كان للجمعية ارتباط كبير بالموقف السياسي لحزب الأمّة،

ويعد حزب الأمّة من الأحزاب التي دعت مبكراً لتعليم البنات، وقد اهتم السيد عبد الرحمن المهدي بتعليم بناته وتأييد ودعم الشيخ بابكر بدري في موقفه من تعليم البنات، وتوجد بالحزب 13 لجنه متخصصة، نسبة عدد النساء في كل لجنه 20% كما تقوم في كل لجنة امرأة بدور مساعد أمينها العام، وهناك رضا عام عن مشاركة المرأة في الحزب، كما يوجد مكتب للمرأة داخل الحزب به عضوية من الرجال.

– المعلومات أعلاه استقيتها من بعض الكتابات في معرض الحديث عن موقف الإمام، أسرة المهدي وحزب الأمّة من قضايا النساء. هل هنالك ايّ حقائق تود اضافتها؟

الإمام: لم تذكري هيئة شؤون الأنصار لأنها هي المستودع التقليدي وهي التي قامت بعمل ورشة (سيداو)، وهذا أمر مهم جداً لأن التطور في الأحزاب أمر سهل، ولكن التطور في التكوينات التقليديّة أصعب، فقمنا بعمل في هيئة شؤون الأنصار ثوري أو ثوريّة تقدمية جداً، أولاً: الإمامه نفسها تكون بالانتخاب. ثانياً: الإمامه تصبح امامة دستورية، نجلس مع آخرين ونسميهم (مجلس الحل والعقد). ثالثاً: هنالك مفاهيم مرتبطة بالمهدية عن المرأة قمنا بمراجعتها. كما قمنا بعمل منبر لمناقشة موضوع عمل المرأة، وتم عمل ورشة هدفت الى إزالة كل أسباب الاضطهاد ضد المرأة، كما في سيداو، قبلناها، وأوصينا بقبولها، وطعنا في الذين تحفظوا عليها. (هذا جديد)، والمهم في هذا الموضوع أن من وقتها زادت الحملة ضد الختان بصورة واضحة جداً، وهنالك ردود فعل من بعض المناهضين لجعل الظاهرة تستمر. الختان ممارسه خاطئة. كما قدنا حملة ضد زواج الطفلات. وأوضحنا اللبس في ربط زواج الطفلات بالرسول (ص). فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بالسيدة عائشة وهي بنت تسعة كما يشاع. وأحضرنا الوثائق في هذا الموضوع. وبمساندتكن واهتمامكن بكل هذه القضايا المهمّة تدخل في قانون الأحوال الشخصية. ومن المفروض ان يتم فيه منع واضح لختان الأناث و زواج الطفلات. هذه تطورات أرى أنها مهمة جدّا.

الأمر الآخر، هناك تناول للأحاديث، والأحاديث المرويّة . لأنّها توظّف في كثير من الأحيان للهجوم على النساء واستدامة اوضاع القهر التي يعانين منها. انظري مثلاً حديث (ان المرأة خلقت من ضلع أعوج)، قلت هذا الكلام في ندوة عن الهوية السودانية، وهاجموني في الصحف، وكنت قد قلت أن هذا الحديث غير صحيح.أيضاً حديث (لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)، طعنت فيه وهو قاله أبوبكر(ة) بن عبد الرحمن، عندما قالوا له قم مع عائشة، وعائشة هي أدرى منه بالاحاديث وأفقه منه في الدين. وكان مع عائشة طلحه والزبير، ولا يمكن أن يكون هناك حديث بهذا المعنى هما لا يعرفانه. وأبوبكرة قال الحديث حتى يتق الخروج الى الحرب أكثر من أي أمر آخر. وهذا حديث موضوع.نعود الى موضوع حديث (حواء خلقت من ضلع آدم) هذا الموضوع غير صحيح، وهذه الأحاديث اسرائيلية، وأنا أقول ان الفكر العنصري والذكوري قادم من التفكير الإسرائيلي، كما يقولون ان حواء أخرجت آدم من الجنة، كل هذا الكلام آت من الاسرائيليات.أما ما عندنا نحن (وعصى آدم ربه فغوى)، وهناك إشارة انهما الاثنان عصيا أمر ربهم، وحتى التفكير العنصري أتانا أيضاً من الاسرائيليات من قصة حام وسام، وكل هذا الأمر بالنسبة الينا غير مقبول (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). لذلك فالتفكير العنصري ليس منّا، بل هو من بني إسرائيل. الموضوع الآخر: أن حواء خلقت من الضلع، هذا أمر غير صحيح ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) الآية 189، وهو جعل المرأة الأصل، والا كان سيقول لتسكن اليه، وهذه النفس الواحده خلق منها آدم وخلق منها حواء. وغضبوا مني في هذا الحديث وقالوا أن هذا من ثوابت الدين، وكل ما يخص قضية المرأة ينظرون اليه باعتباره من ثوابت الدين، وهذا تفكير متخلف.

وهناك قول مثل (أن المرأة اذا خرجت يستشرفها الشيطان) وفي حقيقة الأمر أن الرجل هو الذي يتعرض إلى الإغراء من قبل الشيطان وهو الذي يحتاج إلى حماية، وقد أوردت أشعار بها مثل هذه المعاني:

ليت الذي خلق العيون السود****** جعل القلوب الخافقات حديدا

وآخر:

يارب قبح لي وجوه الغيد**** فلا أعاني منهن من صدود

وانا أوردت 20 حديثاً وأوضحت أنها أحاديث موضوعه، وذكوريّة لأن في الإسلام :( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) بمعنى أن الولاية لهذا وهذا. وفي حقيقة الامر نحن امام تحدٍ كبير لأن بناتنا المتعلمات الآن مشدودات إلى حقوق الإنسان، فعندما يجدن انه ليس لديهن حقوق في الدين يخرجن منه، وهناك مجموعة من البنات، صومالية وباكستانية وغيرهن قالوا أن هذا دين للذكور وليس لنا. فإذا لم نقم بمعالجة هذه القضيه فهذه أكبر فتنه لأننا بهذا نفقد المرأة الواعية المتعلمة.

– توطئة هذه المقابلات هو قصتي عندما كنت في فترة الجامعة، حيث كنت شبه سلفيه، لا أصافح وأضع حجاباً كبيراً، ولكني لم أكن متصالحة مع هذا الأمر، وكنت أشعر أن هذا الفهم الذي يعدلنا بالكلب والحمار يشعرني باحتقار الذات والدونية.

الإمام: مجرد قفل الوجه هو الغاء لذاتك، وأنا لدي كلام في موضوع السلفيّة، وأنا لا أسميها سلفيه بل (ماضويّة)، أو (انكفائيّة)، لأنه عندما تعودي إلى الوراء الدين متفتح أكثر، فعندما تقول سلفيّة تعني عودتك إلى المنبع وهذا غير صحيح، الماضويّة بدأت مع الفكر الظاهري عندما بدأ في الإسلام ردة فعل ضد التقدم.والدليل على هذا الأمر أن (أبو حنيفه) أول الأئمه وأكثرهم انفتاحاً، و(ابن حنبل) آخر الأئمه وأكثرهم انكفاءً، والمسأله لم تذهب من انكفاء إلى انفتاح، بل ذهبت من انفتاح إلى انكفاء، والفكر الجمهوري سلم بأن هذه سلفيّة ولذلك يهاجم السلفيّة، ونحن نقول أن هذه الدعوة غير صحيحة، ونقول ماضويّة أو انكفائيّة لأنها ترجع إلى مرحله معينّة، وهو الفكر الوهّابي والفكر الظّاهري، وهو فكر متخلّف وانفعالي، ويقلل من شأن المرأة.

مثلاً في موضوع الصلاة، يقولون أن صف الرجال الأول الأفضل وصف النساء الأول الأسوأ، وهذا لأنه عندما يركع الرجال ينظرون إلى النساء الواقفات خلفهم، وهذه أيضاً مشكلة من الرجال وليس النساء.وقلت (وقد نعلم المستقدمين منكم ولقد نعلم المستأخرين)، قالوا التفسير: أن الرجال في الصف الأخير ينظرون خلفهم، وهذا عيب فيهم، وانا قلت لتجنب هذه المشكلة بدلاً من أن يكون الصف أفقي يصبح رأسياً، مثل الوضع في الحرم، لتجنب فكرة النظر من أساسها. وقمت باحضار الروايات حول هذا الموضوع. واذا اردن عدم حدوث أي نوع من الشبهات يدخلن ببابين مختلفين، وفي العالم هناك الكثير جداً من المساجد النساء يصلين في الطابق العلوي، وعندما أوردت هذا الحديث غضبوا مني.

انا أقول أصول الدين هي: التوحيد، النبوة، الميعاد، والأركان الخمسة، هذه أصول الدين وماعدا هذا فروع، وما قلته عن موضوع خلق حواء كيف يكون طعناً في أصول الدين؟

-لا يوجد سند لهذا الكلام الا الحديث الموجود في صحيح البخاري.

الامام: هناك أحاديث كثيره تخبرنا أن البخاري كانت لديه اختيارات غير موفقة. مثلاً يخبر رواية عن أن هناك جماعة أتوا للرسول صلى الله عليه وسلم وسألوه متى القيامة؟ فيقول لهم لو أن هذا الولد عاش مائة سنه سيشهد القيامة. وهذا الكلام مكتوب بعد مائتي سنه، وهذا فيه اساءة للدين.

وهناك قصه أخرى تتعلق بقول الرسول صلى الله عليه وسلم حول ابنة  كسرى، وكل من يقرأ الطبري يعرف ان (بوران) من أميز الملوك وهو كلام واضح في التاريخ أن هذه السيدة كانت محترمه جداً.

والقرآن فيه اشاده لبعض الشخصيات ليست من الأنبياء، مثال (بلقيس) وأنا أعتقد أن واجبكم أن تبحثوا عن مثل هذه المسائل، وتهزموهم من داخل الفكر وليس من خارجه.

– من وجهة نظري أرى أن ترك الدين للرجال تماهي مع فكرة الذكوريّة نفسها. وهم يعتقدون أن الدين مجال شغل الرجال.

أريد أن أستفسر حول نقطتين، أولاً، التطور الذي حدث في هيئة شؤون الأنصار، ذكرت أنها كانت منغلقة وتقليديّة، وكانت متأثره بآراء المهديّة فيما يخص قضايا المرأة، ولدى ايراد تجربة المرأة في الحركه المهديّة، ماهي الأشياء التي تعتقد أنكم قمتم بتطويرها؟

الإمام: أولاً أريد أن أفسر أمر المهديّة، ودائما تسير الأمور بحسب الأوضاع التي وجدت فيها، فالمهديّة عندما أتت كان هناك تفسخ وانحلال، فمثلاً من قرأ في تاريخ غردون، قبل المهديّة عندما كان يأتي زوار مثلاً يقومون بعمل حفل به مجون وشرب للخمر وممارسة العمل الجنسي أمام الجميع، حتى أن رجلاً مثل غردون غضب وخرج من شدة التفسخ الموجود في المجتمع. فالمهديّة جاءت بصرامة شديدة لتوقف كل هذه الممارسات، وكان هناك رجل مصري أيضاً، لا أذكر اسمه، عندما أقاموا له حفل خرج منه غاضباً، فكان في فكرهم أنهم عندما يحضرون نساء باعتبارهن (جواري) يمكنهن أن يفعلن ما يردن، ولسن مطالبات بأي نوع من الانضباط، ويفعلن ما يفعلن كنوع من الامتاع للناس.

الشاهد في الأمر أنه في المهديّة كانت هناك صرامة شديدة، ولكن المهدي نفسه كان ينادي بتعليم المرأة ودورها، ولكن كانت هناك صرامة لتوقيف الانحراف.

الدور الثاني للمهديّة، في عهد الامام عبد الرحمن حدث اصلاح كثير جداً، فالامام وقف موقفاً كبيراً في موضوع تعليم المرأة لصالحها، ودعم الشيخ بابكر بدري، والذي كان قد هوجم هجوماً شديداً:

أبعد الشيب يا ود بدري تأتي*** أموراً في ذرى الإسلام تنكر

أسفت، وما أسفت عليك لكن *** على الشباب بين يديك تخسر

وكان الامام عبد الرحمن قد أخذ مواقف قويّة، فعندما تخرجت ابنته (انعام) وحفيدتاه (وصال وزهراء) هؤلاء الثلاثة، كان من المفترض أن يلتحقن بجامعة الخرطوم، فقامت ثورة في الأسرة وقتها بأنه كيف يسمح لهن بالذهاب إلى جامعة فيها اختلاط، (وأنا لدي وجهة نظر في مصطلح اختلاط، فالمجتمع العادي هو رجال ونساء، ولا يوجد مجتمع للرجال ومجتمع للنساء، وبالتالي انا اسمّيه المجتمع الطبيعي).وأصر الامام عبد الرحمن على دخول بناته إلى جامعة الخرطوم، وأعطى كل واحدة منهن ساعه فضيّة، وقال لهن: ستكن في مكان به رجال فارتدين الفضّة لا الذهب. حدثت حادثه أخرى تثبت أن نظرته كانت متقدّمة جداً، حيث كانت سارة قد قبلت في جامعة في (اوهايو)، وفي ذلك الوقت لم يكن من الممكن لامرأة قبل الزواج أن تسافر وحدها، فطلب مني أن آخذها وأقوم بتهريبها إلى المطار سراً، وقد كان. وغضب الاهل غضباً شديداً من هذا الأمر.

والامام عبد الرحمن كان صاحب مواقف، لكنه لم يكن له تنظير، ولكننا بدأنا في القيام بالتنظير في موضوع المرأة.

بالنسبة لي وللدكتور الترابي، مسألة الاهتمام بقضايا المرأة، والنظرة الجديدة للمرأة، أخذناها من والدتي، السيدة (رحمة عبد الله جاد الله)، وأمها (أم سلمة ابنة المهدي)  فالترابي جاء من خلفية صعبه جداً، وعندما تزوج من أختي تفاجأ، وموضوع المرأة ليس نساء المهدي، هي والدتي فقط وبقية نساء المهدي كن ضدها، وهي التي قامت بعمل الجمعيّة ، مع انها لم تتعلم تعليماً، نظامياً، وكانت تقرأ وتكتب فقط، لكنها كانت ممسكة بلواء تحرير المرأة وبصورة جريئة جدّاً، وهي كانت قيادية اجتماعيّة وفكريّة في قضايا كثيرة جداً، وهي سيدة لديها مواقف كثيرة جداً، مثلاً مسألة الموقف من الفن، فأنا في نشأتي كنت متزمتاً جداً، وكنت لا أستمع إلى الغناء، وكنت لا أصادق من هم في عمري بل من هم في عمر والدي أو جدي، وكنت أرى أن الشباب ضائع ولا أريد أن أكون مثله. والمدهش في الأمر أنني كلما كبرت في السن أستنكر الكبار، وبدأت أصادق من هم في عمر أبنائي، وانعكست الآية.