ان الحكم على المواطنة السودانية "مريم إبراهيم يحيى" بالإعدام شنقا والجلد مائة جلدة، كعقاب على الردة عن الاسلام، والزعم بانها زانية لزواجها من رجل مسيحي، وصمة عار وطني،

، تستوجب اصطفاف كل القوى الحية والفاعلة في المجتمع لغسلها، ليس بمجرد كلمات التضامن المستحق مع الضحية، وكلمات الشجب والادانة للحكم، بل بعمل ملموس على الأرض يبدأ بتصعيد المقاومة للحكم الصادر والمطالبة بإلغائه إنقاذا للضحية من حبل المشنقة وإخراجها من السجن الذي تقبع فيه مع طفلها ذي العام ونصف العام ومن المفترض ان تظل في هذا السجن حتى تضع مولودها الثاني، وبعد ان يكمل العامين تجلد مائة جلدة عقوبة على الزنا لأن المحكمة أبطلت زواجها، ثم تعدم شنقا!

لا بد ان يتقدم نشطاء حقوق الإنسان والقادة السياسيون وقادة المؤسسات الدينية المختلفة والمثقفون وكل صاحب مروءة من رجال ونساء السودان للمطالبة بوقف تنفيذ هذه الجريمة، وإذا نجحت هذه الضغوط  في تحقيق هذا الهدف، فلا بد ان تتواصل الجهود في انتزاع حق “حرية الضمير” عبر إلغاء المادة 126 من القانون الجنائي.

فقد آن الأوان لتكوين تحالف سوداني عريض من القوى المستنيرة في البلاد هدفه استئصال هذه المادة من القانون باعتبارها سيفا مسلطا على حرية الاعتقاد والتفكير  والتعبير، وهي خطر متربص ليس فقط بمن يتحولون من الإسلام الى دين آخر، بل هي أكثر خطورة على المسلمين أصحاب الاجتهادات الفكرية والمواقف السياسية المناهضة للسلطة المستبدة، وقد سبق وشهد السودان في الثامن عشر من يناير 1985م إعدام الشهيد الاستاذ محمود محمد طه بعد ان حكم عليه بالردة، وحينها لم يكن القانون السوداني يشتمل على مادة خاصة بالردة، فاستحدثت هذه المادة في القانون الجنائي لعام 1991 م، لتكون في متناول محاكم التفتيش متى اقتضى الامر.

تنص المادة (126) من القانون الجنائي السوداني على الآتي:  (1) يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الاسلام او يجاهر بالخروج عنها بقول صريح او بفعل قاطع الدلالة. (2) يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة فاذا اصر على ردته ولم يكن حديث عهد بالاسلام ، يعاقب بالإعدام .(3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ).

إن وجود مادة كهذه في القانون الجنائي انتهاك صارخ لحقوق الإنسان العالمية، وانتهاك لدستور السودان الانتقالي لعام 2005م المفترض ان يكون ساريا حتى هذه اللحظة، إذ ينص هذا الدستور في المادة 27 (3) على ان ” كل الحقوق والحريات المُضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءاً لا يتجزأ من هذه الوثيقة”؛ والوثيقة المقصودة هي “الدستور”،  ومن ضمن تلك العهود والمواثيق التي صادق عليها السودان،  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تنص المادة 18 منه على أن ” لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة”

  ولكن الجدل القانوني والدستوري والسياسي وحده لا يكفي لنزع المشروعية عن المادة(126) لانها تتحصن بمفاهيم دينية!

ولذلك فإن مناهضتها تحتاج إلى تكثيف النشاط التنويري وإدارة حوار فكري حول حرية الضمير والجرأة في نقد الفكر التقليدي المتمسك بالردة بصورة منهجية وعلنية، وترويج الاجتهادات المستنيرة المناهضة للردة في الفكر الإسلامي.

ولنبدأ اليوم قبل الغد تكوين التحالف السوداني ضد الماة (126).. ضد محاكم التفتيش في القرن الحادي والعشرين.