كتب : صالح عمار لاتختلف ملامحه عن بقية اهله في ريفي كسلا، وإن كانت هناك علامة تدلُّ عليه وتميزه فهو كونه من ذوي الحاجات الخاصة، حيث إحدي يديه وقدم واحدة كذلك تعاني من الإعاقة،

ويعتمد علي يد ورجل واحدة في حركته وتصريف شئونه، ولهذا إقتصر عمله علي قريته (قلسا) التي إفتتح فيها مايمكن تسميته مجازاً متجراً  – والمجاز هنا ضرورة حتي لانخلط بينه وبين متاجر المدن التي تتكدس فيها السلع والبضائع.عصر يوم الاحد الماضي (11 مايو) كان الاربعيني، علي كرار عثمان، يجلس امام بيته ومتجره، ورجال القرية ولواريها لم تحضر من كسلا بعد. لم يكنُّ هناك ماينبئ علي ان ثمة كارثة قادمة بالنسبة له لان الناس من أهله هنا لايعرفون : كيف ولماذا يعادي الانسان اخيه الانسان؟! وكل ماعانوه في ماضي سنينهم من مشكلات سببها الاقدار وهذه يرضون عنها بطيب خاطر وإيمان عميق اما شرور الساسة والحكام فهي كثيرة ولكنهم دائماً ماواجهوها بالصبر والرضي بإمهال الرب وحكمته.

ولكن ليس بالضرورة ان تترك الحكومات شعوبها تنعم بالسلام خصوصاً في دولةٍ حتي رئيسها مطلوب للمحاكم، وهكذا وجد علي كرار نفسه دون مقدمات امام 11 جنديا يرتدون زياً مدنياً مدججين بالسلاح طلبوا منه تفتيش متجره، وعندما انتهوا من ذلك طلبوا منه فتح باب منزله للتفتيش ايضاً، وعندما اعترض علي ذلك لانهم لايحملون امراً للتفتيش وهو علي قناعة ان منزله ليس فيه مايستدعي التفتيش وان المنزل بداخله نساء واطفال ولن يسمح لهم بدخوله ردوا عليه بانهم ينتمون “لقوات مكافحة التهريب” وان عليه تنفيذ اوامرهم.

وكعادة كل اهالي المنطقة الذين لايسمحون للغرباء دخول منازلهم دون موافقتهم مهما كانت قوة الخصم، وقف علي كرار امام منزله مستلاً عصاه، ولكن الجند لم يقتربوا منه بل اخرج احدهم مسدسه واطلق عليه رصاصة اصابت يده واخرج آخر سلاح كلاشنكوف واطلق منه رصاصةً اصابت الرجل من اعلي. المفارقة وحكم الاقدار ان الرصاصتين اصابتا الرجل واليد السليمتان التي يعتمد عليهما في حركته!.

ومع تدافع اهالي القرية نحو مصدر الرصاص، فرَّ الجنود الذين كانوا يستغلون عربة لاندكروزر واخري تايوتا، تاركين وراءهم الرجل يسبح في دماءه. وقام الاهالي بتحويل المصاب لمستشفي مدينة كسلا الذي يبعد عنهم حوالي (25) كيلومتراً.

بعد ذلك تكرر نفس السيناريو الذي يلازم مثل هذه الحوادث، حيث قام عدد من المسئولين بزيارة الضحية في المستشفي ووعدوا بالتحقيق في الحادثة، وقام في المقابل العشرات من اهالي ريفي كسلا بالتجمهر والتظاهر امام المستشفي ومباني مكافحة التهريب.

ولكن وككل المرات السابقة لم تتخذ خطوات جادة لمحاسبة مرتكبي الجريمة، بل واخطرت ادارة مستشفي كسلا مرافقي علي كرار بنقله من المستشفي لمنزله في اليوم الثاني مباشرة للحادثة وبعد ساعات فقط من حدوثها لان المستشفي في حوجة للسرير الذي يرقد عليه وان عليه مواصلة علاجه بمنزله، ولم تُغير إدارة المستشفي قرارها إلا بعد إحتجاجات مرافقيه واسرته.

ومع ان ماجري لعلي كرار جريمة مكتملة الاركان بكل المقاييس، إلا أن عليه ربما ان يحمد الله كثيراً لانه مايزال علي قيد الحياة، حيث ان هذه القوات “مكافحة التهريب” اغتالت برصاصها العشرات من سكان ولاية كسلا وخصوصاً من اهالي ريفي كسلا. واشارت إحصائيات إلي ان عدد قتلاها خلال السنوات السابقة بلغ (61) ضحية واضعافهم من الجرحي.

وشخصياً كنتُ شاهد عيان علي سلوكِ هذه القوات قبل عامين حين كان احد افرادها يستقل دراجة نارية ويطارد عربة وسط مدينة كسلا. لم يكن المشهد يختلف عن افلام (الآكشن) حيث يطارد احد منسوبي هذه القوات بدراجته النارية عربة امامه وهو يرتدي زيا مدنياً ويخرج مسدسه ويطلق الرصاص في الهواء. وشاءت العناية الإلهية يومها ان تحفظ ارواح المارة علي الطريق وانا احدهم.

وتمتلك قوات مكافحة التهريب جيشاً جراراً من الجنود المقاتلين، وتتمتع بصلاحيات مطلقة في ولاية كسلا، ويتهمها اهالي ريفي كسلا بأن مهمتها الاساسية تجفيف مناطقهم وقتلهم جوعاً حيث تقوم بمصادرة كل بضاعة داخلة او خارجة من مناطقهم ولاتسمح لهم إلا بشراء قدر محدد من السلع الاساسية وبكميات ضئيلة.

ويتهم كثيرون الاجهزة الامنية في ولاية كسلا ووالي الولاية محمد يوسف آدم ووزراء ومسئولين بالعمل في تجارة “التهريب” لدولة ارتريا بالتنسيق مع مخابراتها ومليشيات إحدي القبائل التي يعمل افراد منها بالتعاون مع جهاز الامن “الإتجار بالبشر” و “السلاح” 

ناشط حقوقي قال إن ماتقوم به السلطات مرفوضٌ ويدخل ضمن الجرائم الموجهة ضد الدولة، ويؤكد ان اهالي كسلا يعرفون ان التهريب يتم برعاية رسمية من مسئولين بالدولة يتقاضون عمولاتهم، بينما تستغل الاجهزة الامنية الموقف لتنفيذ اجندة سياسية وعنصرية بضرب إقتصاد الريف.

ويضيف الناشط متسائلاً : “حتي إذا إفترضنا ان الاهالي يهربون السكر والملبوسات هل يستحق ذلك إطلاق الرصاص عليهم وقتلهم بينما هي تعرف جيداً من يهربون الخمور والممنوعات ويمرون امامها بكل سلام؟”.

اما رئيس حزب الموتمر الديمقراطي لشرق السودان، طاهر علي همد فيري ان “الاستفزازات غير الانسانية ضد اهالي الريف ليست الاولي ولن تكون الاخيرة فمن قبل قتل اطفال ورجال”.

ويدعو همد السلطات للتفكير في ماتقوم به قبل فوات الآوان ومطلبه “تقديم الجناة في حادثة إطلاق الرصاص علي – علي كرار عثمان – وكل الحوادث المماثلة للمحاكمة وتسهيل وصول القضية للقضاء”.