خالد فضل ومساء الخرطوم يومض بالسأم كما هي حالة مساءات الوطن منذ ربع القرن , منذ أن خيم شبح الترابي وأعوانه الفجرة على سماء البلاد فطووا فسيح أرضها وأجدبوا خصب أوديتها،

فسكن الخوف بعد أن ازاحوا الطمأنينة وحل المحق بعد أن أيبسوا ضرعها وزرعها. وساد الحزن مكان الضحكات الرنانة التي يعقبها الاستغفار , ففي كل قلب حزن وفي كل حلق غصة , وزينب بدرالدين تهتف ملء الصوت بميدان المواصلات العامة (جاكسون) تنشد الحرية لابنها المعتقل محمد صلاح الذي ما فارق السجن الا ليعود اليه من جديد مثله مثل ملايين المساجين في أرض البلاد التي كانت لهم وطن ولكنها الآن تحولت الى كابوس .

  ليالي الخرطوم البائسة يزيدها الموت بؤسا فهاهم الخيار الخيار يذهبون خلسة تذبل نضرة الحياة في وجوههم وهم الذين زينوا حياة الوطن وبثوا فيها داعي الأمل , الراحلون هم الأجمل , وأذكر أن جريدة حضارة السودان التي تصدر في القاهرة (لا ادري إن كانت ما تزال أم توقفت) تلك الجريدة اصدرت ملحقا عام 2000م احصت فيه رحيل مائة مبدع سوداني خلال عقد التسعينيات الماضي فيما وصفته بأنه أسوأ عقود الثقافة السودانية , الآن بعد مضي عقد ونصف على ذلك التوثيق الاحصائي يمكن الزعم بأن البلاد لم تشهد فقد هذا العدد المهول من المبدعين خلال عهد حكم سياسي واحد منذ أن عرف الانسان السكنى على ضفاف النيل!!

  في حضرة محجوب شريف يطيب الجلوس , فهو ظل بؤرة تشع بالأمل في أحلك الظروف , هكذا في حياته الحافلة وفي مماته المهيب , وفي حضرة محجوب حمل الجميع هموم الأيام المثقلة بالاحباط والليالي المظلمة بالقهر والنهارات الغائظة بالفساد والاستبداد وقال الجميع بلسان الفقيد (لنجعل من الحزن طاقة ايجابية), ولأن الذين قدموا الخير لمجتمهم لا تنطوي صفحتهم بموت الجسد وفناء الطين فإن محجوب لم يمت كما عبر عن هذا المعنى الشاعر المصري الكبير عبدالرحمن الابنودي وهو يخاطب احتفائية رد الجميل في اربعينية رحيل محجوب مساء أمس السبت 17مايو2014م . وكما ظل محجوب طيلة حياته طاقة فعل ايجابي لصالح الناس وغمارهم على وجه الخصوص , فقد جاءت لمسة الوفاء ورد الجميل لمن غنى من تحت كمامات الاكسحين ب (صحة وعافية للشعب السوداني ), وهذه واحدة من تجليات حياة محجوب التي لا تنطوي بالممات , غنت فرقة نفاج الاستعراضية فطرب الحشد الضخم على ايقاع اللاتوكا بشرق الاستوائية فوحدة الوجدان السوداني لا يفصمها سيادة عهد الطغيان , وصديقنا أتيم سايمون الذي ما فتأت صفحته بالفيسبوك مزدانة بمقاطع شعر من حداء محجوب , وفاروق جادكوث الذي حضر ليتلقى العزاء ويعزي في وفاة محجوب والقدال في انشودته الباذخة (وابنة العرب الزنجية وسليلة الزنج العربية) وصوت محجوب الدافئ يشق العتمة وظلمات الخرطوم (هيت كيت خيت) في احتفائه بالراحل محمد ابراهيم نقد ( لا أحب كلمة تأبين ) هكذا قال محجوب مقدما لإهدائه لنقد الذي سبقه بالوداع . وعشة كلمينا ميري ذكرينا كل سونكي احسن ابقى مسطرينة , كان القدال يرسل التحايا لبعض الذين كانوا ضمن طاقم الاعداد لتلك الاحتفائية ولكنهم غابوا عنها بفضل ظلامات الوطن , فرباح الصادق برفقة ابيها الامام الصادق الذي اعتقلته سلطات الأمن عشية كلمة قالها , وهي كلمة حق في وجه جنجويد ظالم !

 وطاقة الفعل الايجابي ورياح القلب المفتوح نحو الأمل تشحذ الهمم , محجوب دوما حضور وتطمينات بعثها محمد حمزة في كلمة اللجنة المنظمة للاحتفال . للنساء اللواتي يكابدن من داء الناسور البولي وكان محجوب قد خصهن برعاية , وللمرضى الذين يقتسم معهم ألم تليف الرئة واجهزة التنفس الصناعي وحبة العلاج , لسكان الحارات المنسية الذين تغشاهم بركات محجوب وناصع افكاره , لنا نحن الذين ظللنا نتزود منه بطاقة الأمل وبزاد الفكرة الملهمة وبسماحة النفس والنزاهة والحرص على الحق العام واحترام التنوع والتعدد وكل حقوق الانسان ف (كلو عندو دين كلو عندو رأي ) ضد محاكم التفتيش وضد الاضطهاد باسم الدين وضد عقوبة الاعدام للدكتورة مريم , تلك التي حاكمتها عقلية الهوس واصدر ضدها قاضي من قضاة عهد الاستبداد حكما لا عقل فيه , مجاف لكل العهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان منافيا لنصوص الدستور السوداني الانتقالي معارضا لأصول الاسلام ومخالفا للوجدان السليم والقلب الرحيم , في تلك الأجواء القاتمة التي تلبد سموات الوطن بالهوس والجنجويد المرتزقة الذي يقول قائدهم أنهم عطالى وجدوا فرصة لكسب المال فهرعوا آلافا صوب بندقية جهاز أمن نظام القهر الاسلامي المصوبة ضد تطلعات أهلهم وضد حقوق أهلهم فعاثوا في دارفور فسادا وفي جبال النوبة وشمال كردفان قتلا وارهابا ضمن المهمة الوطنية الكبرى التي تحدث عنها أحمد هرون عراب التطهير العرقي! والابادة الجماعية والمطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية رفقة رئيسه البشير! في تلك الاجواء الخانقة يشخص محجوب شريف قامة واستقامة هيبة مع البساطة وافضل ما يكون , لم يمت من عاش وحب الناس درقتو النفاجو فاتح ما بين دين ودين . لم يمت محجوب شريف فهو باق بما بذره من بذور النفع العام والسيرة الناصعة والفكر القويم والسلوك المستقيم والشعر الحميم والحس الصميم والانسان العظيم , ما مات من يمنح الأمل ويعصم شعبه من اليأس وينقذه من وعثاء الاحباط وغدا تشرق الشمس غدا تعود أرض السودان نظيفة من كل الاوشاب غدا شعبا تترب حيقوم ويعلن عن وجوده الباذخ وحقه الساطع فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدا ولا أعداء لشعب السودان سوى هذه الآفات المسيطرة على أقداره لربع القرن من الزمان ف كفى , ورحم الله محجوب ولنا جميعا دربه الناصع وسكته الواضحة وما مات من كان مثله ما مات. .