تحقيق : قرشي عوض السودان معرض لكارثة صحية بسبب فوضي العلاج وشح الدواء وارتفاع اسعاره لاسباب كلها متصلة بسياسات الدولة سواء ماتعلق منها بالرقابة اوتخصيص الموارد,

او احتكار سوق الدواء من قبل منظمات تعمل تحت مسميات خيرية  ولا تخضع للرقابة الدوائية

وان الحالة قد وصلت الي الدرجة التي لم تستطع الدولة نفسها التستر عليها ، فقد ذكر وزير الصحة بولاية الخرطوم د. مامون حميدة في موتمر صحفي عقده بالخرطوم يوم 21/11/ 2013 ان بعض المراكز الصحية تقوم باستئجار الاجهزة الطبية للحصول علي الترخيص وان بعض الكوادر الطبية تقوم بتعطيل الاجهزة الطبية في المستشفيات الحكومية لدفع المرضي للقطاع الخاص وان وزارته قد ضبطت في جولة تفقدية ادوية منتهية الصلاحية في 43 مستشفي وان 18 كادراً اجنبياً يعملون بدون المؤهلات المطلوبة كما انهم غير مسجلين بالمجلس القومي للمهن الصحية والطبية هذا الي جانب انتحال شخصية الطبيب وان هناك تسرباً اشعاعياً في 16 قسم اشعة بالمستشفيات . وقد قامت الوزارة المعنية باغلاق 156 عيادة و10 مجمعات طبية لعدم مطابقة المواصفات .

وفي جولة قامت بها صحيفة  التغيير الاكترونية بتارخ 22/11/2013 علي عدد من الصيدليات بولاية الخرطوم تبين من خلالها الارتفاع الكبير في اسعار الدواء حيث ارتفعت اسعار:

المضادات الحيوية من 70جنيهاً الي 100 جنيه

ادوية السكري  من 143 جنيهاً الي 173 جنيهاً وانعدام بعضها

قطرة ضغط العين من 86 جنيهاً الي 124 جنيهاً مع انعدامها بجانب انعدام مسكنات الالم للسرطان برامدور

وتقدر نسبة الزيادة في اسعار الدواء باكثر من 25% وفي اخري بنسبة 100% و 300% ، وذكر صاحب شركة للتغيير (فضل حجب اسمه) ان مبيعات الصيدليات قلت بنسبة 50% مما يهدد باغلاق 600 صيدلية بالخرطوم وحدها وذلك لارتفاع التكلفة التشغيلية وقلة الدخل اليومي كما ذكر نصري مرقس عضو شعبة موردي الادوية للتغيير ان الصيدليات في اطراف المدن والولايات لاتنال حظها من الدواء وان الدولة تخصص ماقيمته 300 الي 350 مليون دولار لاستيراد الدواء لمقابلة احتياجات 32 مليون مواطن هم سكان السودان حسب اخر تعداد سكاني . لكن رغم شح الدواء الا انه (بحسب مرقس) يباع في السوق السوداء ويهرب خارج البلاد . كما اشارت مصادر اخري للتغيير الي الفوضي الضاربة اطنابها في مجال الادوية وان هناك ادوية كثيرة تباع تحت الرف مثل المنشطات و الفايتمينات وحقن التسمين وغشاء البكارة الصيني والادوية المصنعة قليلة الجودة كما ان بعض الادوية تباع في  البقالات مثل البندول الانجليزي الذي لايوجد في الصيدليات كما اشارت تلك الجهات الي ان السودان هو الدولة التي لاتلتزم بقائمة الادوية التي تباع بدون روشتة وفق التصريح العالمي والمعروفة بقائمة (OTC). والتي يجب ان توضع في مكان بارز بالصيدلية وكل ذلك لانعدام الرقابة الدوائية حيث تخصص الجهات المسؤولة فقط 4 صيادلة لمراقبة 1800 نوع من الادوية هذا في الوقت الذي يصل فيه تفشي الامراض الي وضع غير مسبوق وبحسب د. رندة الصادق المهدي في مقال لها منشور بهذه الصحيفة في وقت سابق ان السرطانات بانواعها وصلت الي 12 ضعفاً ووصل مرضي الفشل الكلوي الي 4000 مريض وان 50% من المواطنين لايستطيعون الحصول علي الدواء وان 44% من الادوية فوق طاقة المريض الشرائية وان اسعار الادوية بالسودان هي الاعلي اقليمياً حيث تعادل 18% من السعر الدولي المرجعي للدواء في وقت وصل فيه مرض الكلزار الي 5555 حالة بولاية القضارف التي توجد بها 80% من المرضي ووصل عدد الوفيات الي 140 حالة في العام . هذا في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة استحالة خفض اسعار الادوية في ظل ارتفاع سعر الصرف للدولار حسب حديث د. الحسن امام الامين العام لمجلس الصيدلة والسموم في موتمر صحفي بالخرطوم في 2/12/ 2013 والذي اشار من خلاله الي عدم وجود فجوة دوائية بالبلاد وذلك من خلال دفاعه عن زيادة تقدر بـ 1% علي مبيعات الادوية في وجه اتهام من نيابة المستهلك بعدم قانونية الزيادة لانها لم ترد في موازنة العام 2013 وقال امين عام المجلس ان اقرار الزيادة تم بالتشاور مع وزارة المالية مقللاً من اهمية الدعوة القانونية التي تنوي جمعية حماية المستهلك رفعها ضد المجلس .

اسباب وراء التدهور:

يرجع د. ياسر يوسف عضو جمعية حماية المستهلك وصاحب صيدلية، الاسباب وراء الانهيار الذي يشهده قطاع الدواء في السودان الي غياب هيبة الدولة في مجال الصيدلة والسموم بسبب السياسات الخاطئة مما نتج عنه احتكار في سوق الدواء وانعدام للرقابة منذ العام 2007 وقد اشار ياسر في افادة للتغيير ان الدواء قبل هذا العام كان محكوماً بوزارة الصحة وكان الامين العام للمجلس القومي للصيدلة والسموم هو المدير العام للصيدلة بوزارة الصحة، لكن في ذلك العام  2007 تم اكتشاف الادوية الفاسدة التي جاءت الي البلاد عن طريق هيئة الامدادات الطبية وبحسب ياسر انه قد تم تآمر علي وزارة الصحة باصدار قرارات رئاسية وتم تعيين مدير عام للمجلس القومي للصيدلة والسموم بخلاف مدير الصيدلة  بوزارة الصحة واستكملت المؤامرة حلقاتها بحسب يوسف بترحيل الامين العام الجديد من داخل حوش الوزارة الي عمارة بشارع 5 العمارات وقد استأجرتها هيئة المدادات الطبية بالتعاون مع شركات الادوية ليصبح المجلس بعيداً عن رقابة وزارة الصحة ويقع كلياً تحت تاثير موردي الادوية مما قاد الي توقف الرقابة علي الدواء المغشوش (والحديث لازال لياسر) كما تم الغاء ادارة السلامة الدوائية التي تهتم بالفحص العشوائي بعد التسويق وهي التي قامت باكتشاف الدواء الفاسد ويؤكد يوسف بان الدواء الان تديره مافيا الدواء والسودان هو الدولة الوحيدة التي تترك امر الدواء الي جسم مستقل عن وزارة الصحة وهوجسم هجين يتكون من صيادلة وبياطرة واطباء وموظفين . ويشير صاحب شركة الي ان جهة بحثية قامت بطريقة سرية باجراء بحث عن الشركات العاملة في مجال الدواء فوجدت ان نسبة 80%  من الدواء قبل 1989 كانت تأتي من دول الاتحاد الاوربي في حين تصل هذه النسبة الان من دول شرق اسيا، كما وجدت تلك الجهة ان هناك علاقة بين ازدياد الامراض وفشل الدواء المسجل لانخفاض الجودة وقلة السعر والسبب يعود حسب زعم المصدر الي ان دول شرق اسيا تتعامل بالدفع المؤجل لمدة تصل الي عام في حدود دواء بمليون دولار وبسبب ذلك خرجت الشركات التي كانت موجودة حتي العام 1994 والتي كانت تتعامل مع دول الاتحاد الاوربي وحلت محلها شركات تتعامل مع دول شرق اسيا والاردن وسوريا بل ان خطوات تسجيل الدواء التي يقوم بها المجلس القومي للصيدلة والسموم منحازة لصالح الدواء القادم من شرق اسيا في الوقت الذي تكون فيه تعجيزية تجاه الدواء القادم من دول الاتحاد الاوربي، وان هناك طلبات بهذا الخصوص محفوظة في اضابير المجلس ولم يبت فيها . لكن مصادر اخري قللت من هذه النتيجة البحثية واكدت التزام الادوية التي تصل السودان بالمواصفات العالمية المتعارف عليها عالمياً للدواء وان مشكلة الدواء في السودان تتعلق بانسيابه باسعار في متناول يد المريض . غير أن د. رندة الصادق المهدي قد توصلت من خلال مقال لها منشور بهذه الصحيفة الي مايثبت النتيجة الاولي التي توصلت اليها تلك الجهة البحثية التي اشار اليها مصدرنا وقالت د. رندة ان هيئة الامدادات الطبية قد قامت بالشراء من شركة IDAوهي شركة معروفة ببيع ادوية متدنية الكفاءة او قريبة من انتهاء الصلاحية وقد كانت الامدادات الطبية قبل الانقاذ قد رفضت التعامل معها لنفس الاسباب المذكورة وان ادويتها مصنعة بمواصفات اقل جودة مثل التركيز المنخفض للدواء كما يظهر ذلك من خلال عقار الكلوركوين والذي يكون التركيز 150مليجرام بينما يصل تركيز الشركة المشار اليها الي 125مليجرام فقط . كما تم الشراء ايضاً من شركة كور الهندية التي ارتبطت بقضية المحاليل المشهورة والتي احتكرت استيراد المحاليل بلا منافس .

ارتفاع سعر الدواء :

يرجع د. نصري مرقس اسباب ارتفاع اسعار الدواء الي عدم توفير النقد الاجنبي بصورة كافية ومنتظمة لاستيراد الدواء ويشير الي ان ادعاء الدولة بتقلص مواردها بعد الانفصال غير وجيه لان ماتبقي من الدخل القومي كافي اذا وضع الدواء ضمن الاولويات لكن سوء تقدير الدولة لتقييم الدواء كمنقذ للحياة يجعلها لاتوفر المال له والذي توفره للمجالات الاخري ، فالدولة ليست فقيرة كما تدعي لكن المسألة مسألة ترتيب اولويات بطرق صحيحة ومسؤولة . وارجع مرقس شح الدواء  الي عدم انتظام الاستيراد بسبب عدم وفرة النقد الاجنبي مما يبدد وقت صاحب الشركة في البحث عن النقد الاجنبي وقد يتحصل علي التمويل البنكي خلال 4 اشهر وفي هذه المدة يختفي الدواء من ارفف الصيدليات ، وذكر مرقس ان هناك مضاداً حيوياً لالتهابات المعدة تستخدمه الحوامل في الشهر السادس لاتتوفر 7 انواع منه في السوق وفند مرقس زعم بنك السودان بان النقد الاجنبي متوفر بالبنوك التجارية لكن عجز الشركات عن توفير المقابل المحلي هو المشكلة مشيراً الي بيان شعبة موردي الادوية المنشور بالصحف والذي وصف حديث بنك السودان المشار اليه بانه مجرد حديث للاستهلاك السياسي واضاف مرقس بان مشكلة النقد الاجنبي قد افقدت بعض الشركات توكيلاتها الاجنبية بسبب عدم القدرة علي الاستيراد المنتظم وذهبت تلك التوكيلات الي دول اخري كما ارجع ارتفاع سعر الدواء ايضاً الي ارتفاع سعر الصرف للدولار والذي يتحصل عليه المستوردون في بعض الاحيان من السوق السوداء مما خلق وضعاً في سوق الدواء يصفه صاحب احدي الشركات علي النحو التالي :99% من اصحاب الشركات لايملكون رأس المال الكافي لشراء الادوية لذاء يعتمدون علي التمويل المباشر من شركات الادوية بالبيع الاجل . فجأة تغيرت صيغة التعامل العرفي من البيع الاجل الي البيع بالكاش او لمدة قصيرة من 10 الي 15 يوماً نتيجة الازمة الاقتصادية الاخيرة وعدم ضخ الدولة للسيولة بالسعر البنكي للشركات مما يعني لجوء تلك الشركات الي شراء الدولار من السوق السوداء وهذا يلزم البيع بالكاش والنتيجة وجود نواقص في ارفف الصيدليات . المعروف حسب قانون الصيدلة ان الدواء قبل دخوله السودان يتم تحديد  سعر الوصول بواسطة المجلس القومي للصيدلة والسموم بناءً علي السعر في الدول التي من حولنا ولذلك سعر الادوية يفترض ان يكون ثابتاً بغض النظر عن تاريخ التسجيل وتكون المشكلة في السعر المقابل بالجنيه السوداني ، ونسبة لعدم قدرة المجلس القومي للصيدلة والسموم علي ممارسة ضغط علي الدولة لتوفير الدولار رغم ان بنك السودان كان قد وعد بتوفير 10% من الصادر لشركات الادوية  فان البنوك اصبحت لاتفتح اعتمادات  للادوية وحتي التي تقوم بفتح تلك الاعتمادات تفعل ذلك باجراءت معقدة مما يفقد عدداً من الشركات توكيلاتها الاجنبية لان مصانع الادوية اصبحت تتخوف من التعامل مع السودان ويؤكد ياسر يوسف ذلك الوضع قائلاً انه ومنذ عام ونصف لايوجد تسجيل لادوية جديدة وتوقف حتي استلام الملفات .

قنوات التوزيع:

رغم ان وضع الدواء في السودان يمر بظروف معقدة الا ان قنوات توزيع الدواء تزيد الامر تعقيداً ، فبعد ان اصبحت الامدادات الطبية شريكة في الوضع الجديد مع شركات الادوية التي تتعاون معها في التأثير علي المجلس القومي للصيدلة والسموم والذي قاموا باخراجه من حوش الوزارة اخذت الامدادات تمد اذرعها التوزيعية حتي الي داخل المستشفيات لتتحكم في توزيع  الدواء الذي تحولت فيه الي بايع مما اوجد جسماً يسميه ياسر بمافيا الدواء ممثلة في الامدادات الطبية والشركات المحتكرة للدواء وتمارس تلك المجموعة سطوة علي المجلس المختص وهي التي تسمح بتسرب الدواء بعيداً عن  القنوات التوزيعية المتعارف عليها والتي تتحكم في جودة الدواء وتوفيره ، ويشير ياسر الي ان رئس الجمهورية افتتح قبل عامين 3 مصانع للادوية ايام عوض الجاز وزيراً للصناعة وهذه المصانع لم تنتج حتي الان ولم تستلم منها ملفات التسجيل مما يؤكد ان سطوة المستوردين علي المجلس تقف حائلاً دون دعم الدولة للصناعة الوطنية للدواء . وليس بعيداً عن ياسر يرجع مرقس ارتفاع اسعار الدواء الي دخول راسمالية طفيلية في سوق الدواء تحت مسمي المنظمات الخيرية والان هناك رساميل تشتري الادوية من شركات الدواء وتحتكرها في منظمات تحت مسميات خيرية مما يوثر علي سعر الدواء وسلامته وتحولت تلك المنظمات الي تاجر دواء ويشير مرقس الي كوتة دواء مرض الصرع التي اشترتها منظمة خيرية وتحكمت في توزيعها باسعار باهظة وهذا تعامل يقول مرقس انه كان غير موجود قبل 10سنوات حيث كانت قناة التوزيع من الشركات الي الصيدلية الي المريض مباشرةً لكن الان دخل وسطاء تحت مسميات مختلفة وتدخل تلك المنظمات الي سوق الدواء حسب افادة صاحب شركة للتغيير من باب ان الشركات تواجه ازمة سيولة فتقوم المنظمات بالدفع المقدم للشركات لتحتكر هي تسويق الدواء للمستهلك باسعار خرافية ويدفع المستهلك ارباح الشركات والمنظمات معاً مما ادي الي ظهور امبراطوريات في سوق الدواء وفي تحايل علي القانون الذي يمنح ادارة الصيدلة والسموم الحق في تفتيش مخازن الشركات لكنه لايمنحها الحق في تفتيش مخازن المنظمات مما يوجد ثغرة يتسرب منها الدواء الفاسد .

ويري د. ياسر يوسف ان الحال لن ينصلح في مجال الدواء الا بعودة الامور الي نصابها في قطاع الصيدلة بارجاع الهيبة الحكومية للادوية وارجاع الدواء الي حظيرة وزارة الصحة وتعيين وكيل من وزارة الصحة لشؤون الدواء علي ان يكون صيدلانياً مثلما هو حادث في دول عديدة مثل مصر والجزائر وتونس وبدون ذلك لن ينصلح الحال .