محمّد جلال أحمد هاشم (يتوقّف نشر حلقات كتاب الفقه الحداثوي لحلقة واحدة ريثما نعاود الأسبوع القادم نشر باقي الحلقات) تدهور مستوى اللغة العربيّة في المدارس الصّغرى بالسّودان إلى درجة غير مسبوقة، ذلك بدءاً من تسعينات القرن المنصرم. فقد أصبح من المتوقّع والعادي أن يرتكب خرّيجو الجامعات شنيعاتِ الأخطاء الإملائيّة.

حتّى زمن قريب لم يكن هذا شيئاً مقبولاً، كما لم يكن يُعهد حتّى في أولئك الذين لم يسعفهم الحظّ بإتمام تعليمهم الأوّلي. وبعموم يمكن الزّعم باطمئنان كبير أنّ عهد الإنقاذ، بثوراتها التّعليميّة قد جاء بنتيجة سلبيّة تلخّصت في تدهور التّعليم بصورة عامّة، من أدناه إلى أعلاه. ولا غرو أن رأينا العديد من الدّول تعلن عدم اعترافها بالشّهادات السّودانيّة. كما من نافلة القول إنّ صلاح التّعليم العالي يكون في صلاحيّة التّعليم الأساسي؛ ليس هذا فحسب، بل يعود انصلاح حال الأمم إلى درجة انصلاح تعليمها الأساسي. في أخريات الخمسينات تمكّن الاتّحاد السّوفيتي من إطلاق أوّل قمر صناعي دار في الفضاء الخارجي، محقّقاً بذلك تفوّقاً كبيراً على الولايات المتّحدة الأمريكيّة. هزّ هذا السّبق الولايات المتّحدة من قمّة هرم السّلطة فيها إلى أدنى قاعدة الشّعب. فماذا فعلت أمريكا؟ اتّجهت بكلّيّاتها إلى نظامها التّعليمي، وبوجهٍ خاصّ إلى التّعليم الأساسي. فإذا كانت روسيا قد تفوّقت عليها، فهذا يعود بالدّرجة الأولى إلى العمليّة التّعليميّة من مرحلة ما قبل المدرسة إلى ما بعد المرحلة الجامعيّة، ذلك لأنّ التّعليم، في واحدة من أهمّ وظائفه، ينبغي أن يعمل على تركيز الإبداع المتوزّع في طبقات الشّعب، بما من شأنه أن يظهر جماع ذلك في تفتّق العبقريّة والإبداع على مستوى الأمّة. وبالفعل قامت أمريكا بمراجعة نظامها التّعليمي كلّه، فكان أن أعطتنا هذه المراجعة الثّوريّة (ثوريّة بحقّ وحقيق، وليس بالاسم فقط) أحد أحدث وأقوى الأنظمة التّعليميّة، ألا وهو نظام الوحدات الدّراسيّة Course Unit System. كان هذا في أواخر الخمسينات، فماذا كانت نتيجتُه؟ بالفعل تمكّنت أمريكا من الوصول إلى القمر قبل الاتّحاد السّوفيتي في عام 1968م. وقد كان هذا التّفوّق بفضل الثّورة التي حقّقتها في نظام التّعليم. هذا ما فعلته أمريكا في 10 سنوات فقط، بدأت بأواخر الخمسينات وانتهت بأواخر السّتّينات.

الآن دعونا ننظر إلى ما فعلته ثورة التّعليم خلال عشرين عاماً حسوما ظلّ فيها التّعليم يتعرّض لهزّات عنيفة تتلوها هزّات أعنف. النّتيجة أنّ جامعاتنا أصبحت تُخرّج طلبة لا يحسنون القراءة والكتابة، دع عنك أن يقوموا باجتراح المعجزات من قبيل الصّعود إلى القمر. فقد تدهور التّعليم في كلّ شيء، بدءاً من المعلّم وصولاً إلى الطّلبة مروراً بالمدرسة وبالكتاب المدرسي. ولكن ما يهمّنا هنا هو موضوع اللغة العربيّة، وهو موضوع يصلح نموذجاً لسياسة التّخبّط التي وسمت العقدين السّابقين. لقد شهد العقدان الماضيان تكالباً غير مسبوق لتقليد العرب ومحاكاتهم في كلّ شيء. مع كلّ هذا التّكالب على العروبة بطريقة “ملكيّون أكثر من الملك نفسه”، فات على مستعربة السّودان أنّهم لو أرادوا تكريم أنفسهم بوصفهم عرباً عاربة لكان أولى بهم وأولى أن يولوا أمر اللغة العربيّة جلّ اهتمامهم، بدلاً من أن يعرّضوا هذه اللغة الكريمة لكلّ هذه “المرمطة” التي لو أراد أعداء العرب أن يفعلوها لربّما لم يستطيعوا.

يعود تدهور اللغة العربيّة في المقام الأوّل إلى العوامل التي جعلت كلّ شيء يتدهور في السّودان. فكما تدهور مشروع الجزيرة ودخل في المحاق، تدهور التّعليم ودخل كذلك في المحاق؛ وكما تدهورت مؤسّسة الصّمغ العربي، تدهور التّعليم؛ وكما تدهور مشروع حلفا الجديدة، تدهور التّعليم؛ وكما تدهور مشروع دلتا طوكر والقاش، تدهور التّعليم؛ وكما تدهورت مؤسّسة الأقطان السّودانيّة، تدهور التّعليم؛ وكما تدهور السّلم الاجتماعي في الجنوب وفي الشّرق وفي جبال النّوبة وفي جبال الأنقسنا وفي دارفور وفي أقصى شمال السّودان، وفي وسطه، إلى درجة أن أصبح السّودان بلد الخمسة مليون قتيل في حروبه الأهليّة غير النّبيلة ــــ كما تدهور الوضع بصورة عامّة، كذلك تدهور التّعليم من أدناه إلى أعلاه. ثمّ كما تدهور السّودان من بلد المليون ميل مربّع ليصبح بلد المليون إقليم مقسّم، كذلك تدهور التّعليم.

لقد تدهور التّعليم بطريقة لا يمكن تصديقها. فالكتب الدّراسيّة مكتوبة بأخطاء طباعيّة وأخرى علميّة؛ ليس هذا فحسب، بل حتّى امتحانات الشّهادة السّودانيّة تجئ وهي عامرة بالأخطاء فيدفع ثمنها التّلاميذ الذين لا ذنب لهم. حاربت الدّولة اللغة الإنكليزيّة مدّعيّةً انحيازها للغة العربيّة، فإذا بها تنتهي بتدمير كلا اللغتين في التّعليم عاليه ودانيه. ثمّ عادت الدّولة مرّة أخرى إلى السّماح للمدارس الخاصّة باتّخاذ اللغة الإنكليزيّة كوسيط تعليمي لذات مناهج وزارة التّربية دون أن تقوم بترجمة هذه المناهج، إذ تركت هذه المهمّة للمدارس نفسها. ثمّ زادت الدّولة في عِمايتها وجهالتها عندما أخضعت تصحيح امتحانات الطّلاّب في المدارس التي تدرس عبر اللغة الإنكليزيّة لمعلّمين لا يعرفون اللغة الإنكليزيّة. وزادت في تخبّطها عندما رفضت الدّولة السّماح للطّلبة الذين يجلسون داخل السّودان للامتحان المعروف باسم “شهادة لندن” بالمنافسة في الجامعات، بينما سمحت لنفس الطّلبة الذين يجلسون لذات الامتحان من خارج السّودان بالمنافسة في جامعاتها. وقد تسنّم رجل ليست لديه أيّ خلفيّة تعليميّة يمتهن المحاماة منصب وزير التّربية والتّعليم في تسعينات القرن العشرين فقام باتّخاذ تغييرات جذريّة في السّلّم التّعليمي به أصبحت مرحلة الأساس تسع سنوات بالإضافة إلى ثلاث سنوات للثّانوي العالي، مسقطاً بذلك عاماً كاملاً من السّلّم التّعليمي دون أن يقدّم أيّ أسباب مقنعة في بلد يذخر بالمختصّين في مجال تخطيط التّعليم. واستمرّ الوضع على هذا سنين عددا، ظلّت خلاله المدارس الثّانوية تشتكي لطوب الأرض من انخفاض مستوى التّلاميذ القادمين من مرحلة الأساس بنفس المستوى الذي ظلّت فيه الجامعات تشتكي من ضعف مستوى التّلاميذ القادمين من مرحلة الثّانوي. ثمّ ها هي الدّولة تريد أن تُعيد النّظام القديم (أي السّلّم التّعليمي القائم على ستّ سنوات للمرحلة الأوّليّة، تليه ثلاث سنوات للمرحلة المتوسّطة، ثمّ ثلاث سنوات للمرحلة الثّانويّة) دون أن يعترفوا بأنّهم قد ارتكبوا خطأً، دع عنك كحاسبة المسئولين عن هذا الخطأ المؤسّسي الذي دفعت ثمنه الأجيال بعد الأجيال. في كلّ هذا لم يكن النّظام مبتدعاً بل متّبعاً لخطى الغرب الذي ما فتئ يلعنه صباح مساء. فقد فات على النّظام أنّ دمج المرحلة المتوسّطة في المرحلة الأوّليّة لتصبح عشر سنوات قد أملته حقيقة ارتفاع مستوى التّعليم في الغرب بجانب ارتفاع مستوى التّدريس والمعلّمين بحيث لم يعد التّمرحل (الانتقال من المستوى الابتدائي إلى المستوى العام) ضروريّاً. فالتّمرحل هذا بمثابة نقاط اختبار لمستوى التّعليم من حيث اختبار مستوى المناهج من جانب ومستوى المعلّمين من جانب ثمّ مستوى التّلاميذ من جانب آخر.

إذن فقد تدهور التّعليم في جميع مستوياته بطريقة المتواليات الهندسيّة. ولكن، مع كلّ هذا، تدهورت اللغة العربيّة بعامل آخر يعكس عبقريّة الإنقاذ في خلق الأزمات من العدم. فهم كما لو حباهم الله لمسة الموت touch of death، فكلّ ما تلمسه يداهم، يلحقه الموت الزّؤام، ويصبح في خبر كان. تدهورت اللغة العربيّة بفضل طريقة جديدة مبتدعة في تدريس اللغات اسمُها “الطّريقة الكلّيّة”، وما أدراك ما الكلّيّة! هذه الطّريقة التي جرّبتها، ثمّ تخلّت عنها لاحقاً، العديد من الدّولة الغربيّة، مثل فرنسا، بلجيكا، وكندا ودول غربيّة أخرى. جرّبتها ثمّ  تخلّت عنها إذ توصّلت إلى أنّ هذه الطّريقة قد أدّت إلى إضعاف لغاتها الوطنيّة، ذلك لخلل كبير يتعلّق بالنّظريّة التي يقوم عليها المنهجّ الكلّي، أي منهج الاستنباط، في حال تطبيقه تعليميّاً وفق هذه الطّريقة المحدّدة.

ولكن ما الذي يجمع دول الاستكبار هذه مع دولة التّأصيل الحضاري؟ هذا فعلاً سؤال قد يبدو محيّراً، ما لم نعرف أنّ الموضوع فيه تبعيّة مزدوجة. فهذا النّظام غير العلمي في تدريس اللغات تداولته بعض مؤسّسات تجريبيّة غربيّة تأثّرت فيه ببعض نظريّات علم اللسانيّات المحدثة التي رأت أنّ اللغة، وفقما تواترت به تجربة تعلّم الأطفال لها، تتبع نظاماً استنباطيّاً، أي يبدأ من العام إلى الخاص، من الكلّي إلى الجزئي. وعلى هذا قاموا بالتّرويج لهذا المذهب، مستفيدين من حقيقة محدوديّة الاشتقاق في اللغات الهندوأوروبيّة. فمثلاً كلمة good سوف تظلّ هي هي مهما تقلّب بها الحال في الجمل. وهكذا ما إن قامت دولة غربيّة بتطبيق هذا النّظام، ثمّ لحقت بها دولة أخرى، حتّى قامت بعض الدّول العربيّة البتروليّة بتقليدهم فيه. وقد قدّر لنا ساستُنا أن نتبع التّابعين في خطوة غير مدروسة، دون أن نملك مؤسّسات المراجعة العلميّة التي تملكها تلك الدّول الغربيّة، ذات الابتداع الأصيل، ودون أن نملك تكتيكات التّراجع الشّجاع التي تملكها الدّول العربيّة التّابعة.

ويبقى السّؤال الذي سوف نحاول الإجابة عليه، وهو لماذا فشل هذا النّظام في الغرب، مع أنّ اللغات الهندوأوروبّيّة لغات غير اشتقاقيّة، بعكس الحال مع اللغة العربيّة؟ كما سنحاول الإجابة على السّؤال الأهمّ، ألا وهو: لماذا فشل هذا النّظام (الطّريقة الكلّيّة في تدريس اللغة العربيّة)؟ أقصر الإجابات، كما قد تتوقّعون من سابق تلميحاتنا، هو كون اللغة العربيّة لغةً اشتقاقيّة بالدّرجة الأولى. ماذا يعني هذا؟ إنّه يعني أنّ كلمة “ضَرَبَ” لن تستقرّ على حالها هذا ومنطوقها هذا، إذ سوف يعتورها التّغيير اللازم للاشتقاق طالما استدعت هذا دواعي الخطاب. والاشتقاق عادةً يحدث لدخول الزّوائد affixes التي إمّا أن تكون سابقة prefix في أوّل جذع الكلمة، أو لاحقة suffix في نهاية جذع الكلمة، أو واسطة infix في منتصف جذع الكلمة. وعادةً ما تتميّز اللغات بزائدة واحدة أساسيّة، أو إثنتين، مثل غالب اللغات الهندوأوروبّيّة، إذ تلحقها الزّوائد اللاحقة والسّابقة فقط، أي في مقدّمة جذع الكلمة أو في آخرها. كما يمكن أن تتميّز اللغات بزائدة واحدة في حالات بعض اللغات، مثل اللغات النّوبيّة التي تلحق بها زائدة واحدة هي اللاحقة suffix، أي في آخر الكلمة. تكمن أحد أصعب وجوه اللغة العربيّة في استنادها على تشغيل جميع أنواع الزّائد، أي اللواحق والسّوابق والأواسط، بل الاستطراد في بعضها من قبيل “يستضربون”. فهنا لدينا ثلاث سوابق دفعة واحدة ثمّ لاحقة واحدة. انظروا معي إلى هذه الاشتقاقات التي تدخل على جذع الكلمة (ضّرْبْ) من خلفها ومن قُدّامها، ثمّ من وسطها: يَضْرِبُ؛ يَضْرِبون؛ يُضاربون؛ مَضْرَب؛ مُضاربة؛ ضريب؛ ضَارِب؛ ضاربة؛ استضراب؛ ضريبة؛ ثمّ في حال التّقعّر (وما أكثره): تَضَرُّب، إلخ.

تقوم الطّريقة الكلّيّة على عدّة مناهج، يمكن أن نذكر منها تحديداً ثلاثة، هي منهج الاستنباط، ثمّ نظريّات علم النّفس المعرفي في مجال التّعلّم، ثمّ نظريّات النّحو التّوليدي في علم اللسانيّات حسبما أُثرت عن مؤسّسها نعوم تشومسكي. أدناه سوم نحاول إلقاء الضّوء على هذه النّظريّات باختصار مبسّط.

 

الاستنباط Deduction

تقوم الطّريقة الكلّيّة على منهج الاستنباط Deduction الذي يعمل على الوصول إلى الجزء من خلال الكلّ. من ذلك القاعدة التي تقول بأنّ جميع الكائنات الحيّة تموت؛ فإذا كان الإنسان يموت، وكانت النّباتات تموت، وكانت الحيوانات تموت، فهي إذن جميعُها كائنات حيّة. والاستنباط هو منهج العلماء والمفكّرين، ولا يصلح في مسائل التّربيّة الأساسيّة إلاّ في حالات محدودة بغرض التّقويم، لا بغرض التّعلّم. ويتعلّق الاستنباط بمنهج آخر يزيده تعقيداً، وهو القياس Syllogism، إذ يتّصف بدرجة أعلى من التّجريد كونه يتعامل مع جوهر الأشياء، أي مع القواعد الأساسيّة التي تقوم عليها التّفاصيل والأمثلة. هذا بينما قام التّعليم في كلّ عصوره على منهج الاستقراء Induction، أي الانتقال من الجزء إلى الكلّ. فالمثال أعلاه يكون أيسر للفهم عند الطّفل إذا ما انتقلنا من أجزائه وتفصيلاته إلى قاعدته العامّة، أي من ملاحظة أنّ الإنسان كائن حي ويموت، وكذلك النّبات، وكذلك الحيوانات؛ إذن جميع الكائنات الحيّة سوف تموت في النّهاية.

في مجال التّعليم لا يُستخدم الاستنباط إلاّ في أطر ضيّقة من قبل المعلّمين، ذلك في خطوات محدودة عند التّطبيق، ثمّ عندما يريد المعلّم إجراء التّقويم لفهم التّلاميذ. ويفضّل تجنّب طريقة الاستنباط للتّلاميذ لأنّها، فضلاً عن صعوبتها عليهم في سنّهم الباكرة، قد تحول دون أن يتمكّنوا من تطوير قدراتهم في التّوصّل إلى القواعد العامّة، ذلك لأنّهم يتلقّونها مباشرةً من المعلّمين. كما قد تجعلهم ينحون إلى الانطلاق في مناقشاتهم من الأحكام القطعيّة الجُزافيّة بحيث تصبح عادة ذميمة تكبر معهم، فتصلّ حدّ التّنطّع والمكابرة. على هذا يجوز النّظر إلى الكثرة في استخدام المعلّمين لمنهج الاستنباط (هذا لا يعني اعتماده كمنهج أساسي، بل كمنهج مساعد متى ما قدروا عليه) على أنّه يُشير إلى أحد حالتين: الأولى التّطوّر في االتّعليم في حدوده الأربعة (المنهج من حيث جودته وديناميكيّته؛ المعلّم من حيث جودة تأهّله؛ أداء التّلميذ من حيث جودة أدائه؛ ثمّ التّفتيش والمراجعة المؤسّسيّة، أي الوزارة)، وهذا هو واقع الحال في التّعليم الغربي، ولهذا يمكن ملاحظة عدم اعتماد التّعليم عندهم على الحفظ والتّلقين. أمّا الحالة الثّانية، فـتُشير إلى التّخبّط وانعدام الرّؤية في حدود التّعليم الأربعة عاليه، وهو ما عليه واقع الحال في الدّولة المتخلّفة، وتحديداً في دولة ابتلاها المولى عزّ وجلّ بحكومة مثل حكومة الإنقاذ. ولهذا يلاحظ أنّ غلبة الحفظ والتّلقين في المناهج وفي أداء المعلّمين ثمّ أداء التّلاميذ. لا غرو أن سقط التّعليمُ عندنا من حالقٍ إلى عمق المحاق لدرجة أنّ جامعة مقديشو بالصّومال الذي ليست له دولة قد جاءت في مرتبة أعلى من جامعة الخرطوم في تقويم الجامعات الأفريقيّة الأخير. لقد تلاحظ غلبة الحفظ والتّلقين الببغاوي في مناهج التّعليم من الابتدائي إلى الجامعي، بخاصّة الموادّ الإسلاميّة من قرآن وحديث وفقه بطريقة تعكس عن نفسٍ مريضة تورّطت في حالة التّديّن بغير رشاد فاغتبنت لذلك لدرجة أنّها تتّخذ من ذات المواد وسيلة لمعاقة باقي الشّعب كونه لم يتورّط مثلها في هذه الحالة المرضيّة للتّديّن. إذ كيف يمكن تدريس غسل الجنابة لأطفال لم يتجاوزا سنّ العاشرة! دعك عن باقي المواد التّلقينيّة التّحفيظيّة التي لم تفعل شيئاً غير تنفير الأطفال عن الدّين، ولا غرو إذ نفر الشّعبُ كلّه عن الدّين وليس أدلّ على ذلك من تزايد وتيرة تحوّل المسلمين بالسّودان إلى الأديان الأخرى. فدولة الإنقاذ بالسّودان كما لو أصبحت أكبر قوّة تبشيريّة للمسيحيّة ولحالات رفض الأديام بإجمال، فتصوّروا!

لكلّ هذا كان الاستنباط في أصله منهج المفكّرين وكبار الباحثين من حيث تطبيقهم لنتائج علميّات الاستقراء التي جرت من قبل؛ ولهذا نفسه درجت مؤسّسات التّعليم في الدّول المتقدّمة على تدريج طلاّبها فيه دون أن تتّبعه كمنهج أساسي. ومن هنا تأتي تعقيدات الاستنباط. كما يستخدم الاستنباط من قبل الباحثين الضّليعين، أي في مجال بحوث الدّكتوراه بصورة ضروريّة. هنا يعتمد الاستنباط على قواعد التّفنيد Falsification والتّدعيم Verification، حيث تكمن البراعة العلميّة في مقدرة الباحث في أن يوازن بما لا نهاية بينهما في حيدة صارمة. في هذه الحالات لا تأتي النّتيجة إلاّ بوصفها شيئاً ثانوياً يعكس مستوىً علميّاً (أي مقبولاً) من تحيّزات الباحث.

 

الاستبصار وعلم النّفس المعرفي

الضّلع الثّاني الذي تقوم عليه الطّريقة الكلّيّة هو مناهج علم النّفس المعرفي Cognitive Psychology والجيشطالت Gestalt، وتحديداً نظريّة الاستبصار Insight. قالوا إنّ العلماء وضعوا غوريللا في قفص، بينما وضعوا الموز خارج القفص بعيداً عن متناول يدها؛ بجانبها وضعوا عصاةً بها يمكن للغوريللا أن تأكل الموز إذا استخدمتها لتقريب المسافة بحيث يصبح الموز في متناول اليد. حاولت الغوريللا أن تمدّ يدها، وعندما أعيتها الحيلة، انتبهت إلى العلاقة بين العصا وبين الموز وإمكانيّة استخدامها لتقريب المسافة، وهو ما قامت به فعلاً، ومن ثمّ تناولت الموز وهي ترسل نظرات متهكّمة للعلماء الذين كانوا يراقبون هذه العمليّة باستمتاع لا يقلّ عن استمتاعها بالموز. لقد تفتّقت ذهنيّة الغوريللا على إمكانيّة حصولها للموز بالرّبط الحدسي بين العلاقات المتشابكة التي تربط الموز البعيد ويديها القاصرتين، ثمّ العصا (دون أن تكون هناك أيّ علاقة جوهريّة بين الموز والعصا)، ذلك في سياق انحباسها داخل ذلك القفص. لقد فعلت هذا بفاعليّة الاستبصار الكامنة في داخلها ككائن مفكّر (ولو بقدر نسبي). تدور معظم نظريّات علم التّعلّم المعرفيّة حول هذا الاستعداد الدّاخلي لاستكناه العلاقات في سياق عام، وليس عبر تدارس شكل وطريقة الوحدات والأجزاء المتناثرة، ومن ثمّ ربطها مع بعضها وصولاً إلى علاقة كلّيّة، كما في الاستقراء.

 

نعوم تشومسكي ونظريّات علم النّحو التّوليدي

أمّا الضّلع الثّالث الذي تقوم عليه الطّريقة الكلّيّة فهو نظريّات نعوم تشومسكي اللسانيّة التي تزعم بوجود نظام تركيبي داخلي في الإنسان من شأنه أن يجعل تعلّم اللغة، من حيث هي أصوات اعتباطيّة لتبيان دلالات قصديّة، أمراً ممكناً جرّاء الاستعداد الدّاخلي. وتكمن خطورة نظريّاته، خاصّة علم الأصوات التّوليدي Generative Phonology، في أنّها مهّدت لعلم الكتابة أن يدخل مجال علم اللسانيّات من أوسع أبوابه. وتكمن خطورة هذا في أنّ أحد أخطر المآخذ على الطّريقة الكلّيّة هي القصور الملحوظ في تجويد الإملاء، أي الجانب الذي يختصّ مباشرةً بالتّعامل مع أنظمة الكتابة. فقبل ذلك لم يكن علم الكتابة Orthography يُعامل على أنّه يقع داخل اختصاص علم اللسانيّات Linguistics. فالطّفل لا يتعلّم التّحدّث بلغة الأم (لاحظوا: التّحدّث شفاهةً، وليس التّعلّم قراءةً وكتابةً) بالطّريقة الجزئيّة، أي أنّ الأسرة لا تشرع في تعليم الطّفل الكلمات الواحدة بعد الأخرى، بل يتوصّل إلى دلالاتها وما هو أصعب من دلالاتها (النّظام النّحوي والصّرفي)، في فترة عامين أو ثلاثة، فإذا هو يتحدّث لغة الأم بطلاقة، وهي بالطّبع فترة ربّما كانت غير كافية لإجادة أيّ لغة أجنبيّة بالنّسبة للكبار. ما قامت به نظريّة النّحو التّوليدي التي أتى بها تشومسكي يتمثّل في أنّها قرنت الطّريقة الكلّيّة التي يتعلّم بها الطّفل لغة الأم بنفس الطّريقة التي يمكن بها تعلّم القراءة والكتابة، ثمّ تعلّم أيّ لغة أخرى بذات المنهج القرائي والكتابي.

تعرّضت نظريّة تشومسكي، بصورة عامة، لهجوم ضارب، إلاّ أنّه لم يفتّ في عضُدِها. وقد جاء أكبر هجوم عليها من المدرسة الآكسيوماتيّة Axiomatic، وهي المدرسة التي تبلورت عن المدرسة العلاماتيّة، أو السِّميوتيكيّة Semiotic التي تتعامل وتدرس أحد أكثر العلوم إمتاعاً برغم صعوبته الظّاهريّة، ألا وهو علم العلامات Science of Signs. فهذه المدرسة لا تنكفئ فقط على حدود اللغة، بل تتجاوزها لعالم أرحب، وهو مجال العلامات Signs. خذ مثلاً علامات المرور، فهي هي نفسها في أيّ بلد؛ وهي في هذا تمثّل لغةً إشاراتيّة، أي علاماتيّة بها يتفاهم النّاس، فلا يصطدمون ببعضهم البعض بفضلها، ذلك بصرف النّظر عن اللغات التي يتكلّمونها كلٌّ على حدة. وعلى هذا يمكن النّظر في لغة الإشارات عند الصّم والبكم إلخ. بالنّسبة لهذه المدرسة يكمن الاختلاف بين تعلّم اللغة عبر الكتابة من جانب، وبين تعلّمها بالسّماع (أي بطريقة الطّفل) في أنّ الوسائط الحسّيّة في الحالتين ليست واحدة. فبالنّسبة للحالة التي يتعلّم فيها الطّفل التّحدّث باللغة الأم يعتبر السّمع هو الوسيط الحسّي الأساسي، مدعوماً بالوسيط البصري والإشارات والإيماءات؛ أمّا بالنّسبة لتعلّم اللغة عبر الكتابة، فإنّ البصر يمثّل الوسيط الحسّي الرّئيسي. ويكمن الفرق في ديناميكيّة الأوّل إزاء إستاتيكيّة الثّاني، أي ثباتيّتُه. فالسّمع لا يحوّل اللغة إلى ثابت مادّي، بينما الكتابة في شكلها الأساسي ليست سوى تثبيت مادّي لأصوات اللغة التي تظلّ تعمل وهي في حالة تغيّر مستمرّ. وعلى هذا تفضّل هذه النّظريّة الطّريقة الجزئيّة التّقليديّة فيما يتعلّق بتعليم اللغات. وهي في هذا تتّبع منهج الاستقراء، أي الانتقال من الجزء إلى الكلّ. وهذا هو ما ظلّت البشريّة تفعله في تعلّم اللغات عبر القراءة والكتابة، ذلك منذ أن توصّلت البشريّة إلى تجسيد أصوات اللغة وتثبيتها مادّيّاً عبر القلم واللوح، أي عبر الكتابة، أكانت هيروغليفيّة (أي الكتابة بالتّصاوير) أم أبجديّة (أي الكتابة بالحروف). ولهذا تقوم هذه المدرسة بدراسة علم الكتابة بوصفه جزءاً من علم العلامات، فتُطلق على مساقه مسمّى Grammatology، بدلاً عن مسمّى Orthography، الذي يُعامل كأحد مشتملات المساق الأوّل الأساسي.

ولكن بذيوع وانتشار مدرسة تشومسكي اللسانيّة للدّرجة التي أصبح معها تشومسكي موضة علميّة في العالم الغربي، انداحت التّوابع النّظريّة لنظريّته المسمّاة بالتّوليد النّحوي والصّرفي للغة عبر نظام وتركيب دقيق. من هذه النّظريّات اللاحقة جاءت الطّريقة الكلّيّة في تدريس اللغات، ذلك دون أن يكون تشومسكي مسئولاً عنها بالضّرورة. وفي الحقِّ، فقد سبقت ذلك العديد من الإضاءات النّظريّة والعمليّة التي كشف فيها العلماء أفضليّة بعض تقنيات الطّريقة الكلّيّة (ليس بالضّرورة التي تمّ تطبيقها هنا في السّودان)، ذلك تتبّعاً لطريقة تعلّم الطّفل للغة، لكن دون أن يكون ذلك حذو النّعل، أي دون أن يكون ذلك بطريقة وقع الحافر على الحافر. أمّا الطّريقة الكلّيّة التي نتكلّم عنها، فلا تعدو أن تكون ضلالة من ضلالات تجاريب العلماء الغربيّين تجاوزها أصحابُها بما نعموا من نور العلم، فباء بها من اتّبعوهم بغير رشاد.

 

منهج الاستقراء Induction هو الأوفق في تعليم اللغات

الاستقراء هو الاستدلال بالخاص على العام، أي العمليّة التي تنتقل من الجزئيّات إلى الكلّيّات في سبيل التّوصّل إلى القاعدة العامّة. وتبدأ من تبيان أوجه الشّبه في الأحداث والأمثلة الجزئيّة قيد الدّراسة بغية الانتقال إلى القاعدة التي تحكمها. بهذا يكون الاستقراء هو التّتبّع والتّفحّص للأمثلة، أو الجزئيّات، بغية التّعرّف على أوجه الائتلاف والاختلاف، ذلك للتّوصّل للقاعدة أو القانون الذي يحكمها، أي هو الانتقال من الحوادث الجزئيّة إلى القواعد والأحكام الكلّيّة التي تنظم الحوادث والحالات والأمثلة. تبدأ الطريقة الاستقرائيّة من الأمثلة لتصل إلى القاعدة؛ أي تبدأ بالجزئيّات وتنتهي بالكلّيّات. ولهذا تسمى بالطّريقة التّركيبيّة؛ والتّركيب هو تحليل المعلومات الجزئية ذات العلاقة، ومن ثمّ تجميعها في كلّيّات.

لكلّ هذا يعتبر المنهج الاستقرائي الأسهل والأنسب فيما يتعلّق بالتّعلّم، وبصورة أخصّ للطّفل. فالاستقراء يجعل الطّفل قادراً على تنمية قدراته الذّهنيّة والعقليّة، ومن ثمّ الاعتماد على الذّات، كونه يبدأ بالبسيط ريثما ينتقل إلى المعقّد. ولهذا أكثر ما نجد هذه الطّريقة متّبعة في مراحل التّعليم الأوّلي. ولكن، مع كلّ هذا، لا مناص من استصحاب المنهج الاستدلالي في التّعليم تدريجيّاً إلى أن يتمّ اتّباعُه بطريقة مكثّفة في نهائيّات المرحلة الثّانويّة كمنهج مصاحب، ريثما يتمّ اعتماده بصورة أكثر تكثيفاً في المرحلة الجامعيّة إلى أنّ يتمّ اعتماده بطريقة أساسيّة في التّعليم فوق الجامعي.

 

خاتمة

وبعد؛ أما آن لساستنا الذين يسوسون أمر هذا الشّعب أن يتواضعوا للعلم حتّى يرفعُهم العلمُ إلى أعلى الدّرجات، بدلاً عن التّنطّع والمكابرة! أما آن لهم أن يتعلّموا الفرق بين أن يسوسوا الشّعبَ بالعقل والمنطق ثمّ بالعدل، وبين أن يسوموه سوء العذاب! أما آن لهم أن يعلموا أنّ ضحايا هذه التّجاريب غير الرّشيدة على فلذات أكبادنا كما لو كانوا فئران معامل، سوف يدفع ثمنَها الوطن في مقبلات أيّامه عندما يجيء الدّور على هؤلاء الضّحايا ليقودوا ركب المجتمع، وهو أمر ليس له من دافع بحكم المجايلة وتعاقب الأجيال! عندها قد يكون نظام الإنقاذ في ذمّة التّاريخ، فلا يذكره النّاس إلاّ وتساقطت عليه اللعنات. ما هكذا يُصنع التّاريخ يا ساسة الإنقاذ. ابدأوا بأمر اللغة، عربيّة كانت أم إنكليزيّة أم وطنيّة، إذا أردتم إصلاح حال التّعليم، ذلك أنّ اللغة هي قناةُ الأفكار، إن هي فسدت، فسدت تبعاً لها الأفكار ولو كانت من مخزون النّيّرات المبدعات. ولن تكون ضربةُ البداية موفّقة إلاّ بمراجعة الطّريقة الكلّيّة، فابدأوا بها!