عبد العزيز بركة ساكن المؤلف مثل مغامر ينوي تسلق قمة ما، ليست لديه معلومات مسبقة عن نوعية الصخر، ولا طول القمة، ليست لديه فكرة عمن نجح في تسلقها او عمن سقط من عُليائها ومات.

ولكنه يمتلك كامل معدات التسلق، بالإضافة الي التأمين علي الحياة. علي القارئ ان يقترح لنفسه طريقة مناسبة لقراءة النص، ولا يمكن أن ننصحه بشيء ولكن من المؤكد انه سيجد طريقة ما تخصه، لذلك حتى يصطحب المؤلف في تسلق تلك القمة المجهولة التي قد تكون سهلة جداً وآمنة، وقد تكون مُعقدة ومميتة، إلا أن عزيمة المغامر هي وحدها التي لا تكتفي بالإجابات الجاهزة والمقولات المُدجنة المُعدة خصيصاً لتحنيط روح التجريب، بالتالي اثنائه عن ركوب الخطر ورمي نفسه في التهلكة اقصد تلك التهلكة التي يدفع المغامر في سبيلها الغالي والنفيس بل قد يقدم روحه ثمنا لها.

هناك طرائق مختلفة لكتابة النص،  فالمؤلف الروائي مثلاً لا يكتب رواية واحدة عندما يكتب روايته، انه يكتب روايات كثيرة في ذات الوقت. الذي يحدد ذلك هو خيارات اللغة، كما اشار نعوم شومسكي في “إنَّ صاحب اللغة الأم يمكنه ان ينشئ جملاً غير محدودة لذات المعنى”. فالقارئ، ايُ قارئ حتى المتصفح السريع وبائع الكتب ورجل الرقابة والقارئ عَن، بل القارئ الذي سمع بعنوان الكتاب، يقوم باستبدال مستمر لذات الجمل والكلمات في طريقة لقراءات مختلفة ومتنوعة، هو يعمل علي خطته الخاصة بالقراءة، ويعيد ترتيب اسئلة ولغة النص لتتوافق مع تأويلاته، انطلاقا من مفهوم ان الجُملة التي كتبها المؤلف المدونة في بياض الصفحة، هي جملة تَقْرب المعني حيث لا تُوجد جُملة في اللغة تعطي ذات المعني بصورة قاطعة. نسبة للحالة النفسية والاجتماعية ومنهج رُؤية العالم الذي يتبعه المؤلف ومدي الزمن الذي يُتاح له لكي يختار، وما تسعفه به الذاكرة بنظم تأليف جاهزة، فانه يضع كلماته التي تشكل الجملة التي تقود الي ما يُشبه المعني الذي يريده المؤلف ولم تسعفه اللغة علي قوله. علي حد رؤية صاوميل بكيت في “إن اللغة عاجزة عن ايصال المعنى”. او بمعنى آخر يقول  رومان إنجاردن “فالنص في ذاته يقدم زوايا تخطيطية  من خلالها يمكن للنص أن يتكشف ويتبدى، إلا ان الحضور الفعلي لا يتم إلا في فعل التحقق”. القارئ  لديه من الوقت والسُلطة والذكاء المطلوب لكي يقوم بعملية الاستبدال والإحلال والإزاحة والشطب والاقتراح والكشف الجمالي او فعل التحقق، وهو ايضا خالي من المسئولية القانونية والأخلاقية الزائفة التي تقيد المؤلف حيال قراءات النص التي يدعيها المؤلف بل ويدعيها من يأخذون موقفا ايجابيا او سلبيا تجاه العمل المحدد. باختصار المؤلف الحصيف هو من يستعين بالقارئ في ادراك المعني وهو أيضا احد القراء.  فالمعني دائما هنالك ولكن يصعب الوصول اليه في النص ذاته بذات لغة المؤلف بذات أدواته: الحاجة الآن ماسة لأدوات القارئ لكي يكتمل النص او يبدو مكتملا لأن النص لا يكتمل في الواقع ولا حتى بقراءات القارئ الواحد انما بقراءاته هو بالإضافة للقارئ والناقد المحتمل في المستقبل. ذلك مقاربة بنظرية التلقي القائلة المعنى ليس شيئا يستخرج من النص، أو يتم تجميعه من إيحاءات نصية، بل يتم التوصل إليه من خلال عملية تفاعلية بين القارئ والنص“.

يمضي المؤلف والقارئ معاً في مغامراتهما غير مضمونة النهايات، لان العودة بعد نقطة الانطلاق تكلف اضعاف المخاطر التي يختبرانها في الصعود نحو قمة الصخرة، بل الأخيرة اكثر خطورة، لأن السقوط يحدث دون تحكم وهو في الغالب سقوط حر ويستحيل تجنب الارتطام بحجارة قاسية كان المتسلق قد تجاوزها في صعوده بحنو وتؤده، بل اعتمد عليها في مضيه نحو القمة، كدَرَجٍ صديق او صخرة داعمة ومساندة، او قام بتحييدها. عند السقوط تصبح اشد الأعداء فتكا، فالهبوط نتائجه مضمونة ومعروفة، فالصدفة وحدها قد تنجي الساقط من الهلاك.  المؤلف “الحريف” الذي يجري في شُريانه دم المغامرة الحار، الذي لا يخشى التهلكة بل يسعى اليها سعيا حثيثاً، فانه لا يعود القهقرى، مثل الريح. الآن يكتشف المتسلق للقمة التي يجهل، ان ما كان يتمني ان يكون صخور جرانيت، وجدها صخور رملية هشة، وكانت ترتفع راسيا في زاوية قائمة ثم تنكفئ في شكل كهف عملاق في زاوية منفرجة للداخل. او فلنقل كل شيء مضي كما يجب، اي في الحالتين ان المغامر لا يمكنه التراجع. الشيء الآخر، إنَّ قارئ النص ليس هو دائما ما يقرأ النص المحبور علي البياض كاملاً، فبمجرد رؤية العنوان تكون القراءة قد بدأت بالفعل، وأحيانا تنتهي في ذات الموقف، ويستحيل العودة الي حالة اللاقراءة، وقلة قليلة قد تذهب الي ما بعد العنوان والحالتان هما حالة القراءة. ولابد ايضا من وضع الخطة منذ ان يضع القارئ فكرة ان يشتري كتابا او الكتاب، كما يتدبر امر المال والوقت يتدبر مسألة الدخول والخروج من النص بذات الجدية، فالمغامرة ليست عملية اعتباطية.