التغيير: القدس العربي أدى اعتقال الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي الى تقويض ما يعرف بـ ‘الحوار الوطني’ في السودان، واعاد البلاد الى المربع الاول، ما ينذر بالمزيد من التوتر السياسي بين الحكومة والمعارضة وربما التدهور الامني.

اما سبب اعتقال المهدي، فهو انه اتهم قوة الدعم السريع شبه العسكرية، المكلفة مكافحة التمرد، بارتكاب عمليات اغتصاب وعنف بحق مدنيين في دارفور، الاقليم الذي يشهد تصاعدا في العنف منذ بداية العام الحالي.
واعتبر مراقبون ان توقيف المهدي يعكس اختبار القوة الذي يقوده عناصر في جهاز امن الدولة الا يكترثونب بانعكاسات هذه الخطوة على الحوار الذي بدأه الرئيس عمر البشير.
وبكلمات اخرى فان اجهزة الامن تعتبر انها الطرف الاقوى في تركيبة النظام الحاكم بالسودان، حتى انها لم تتردد في احراج رئيس الجمهورية الذي طالما تعهد بفتح صفحة جديدة مع المعارضة وتحدث عن ‘حكومة انتقالية’ بمشاركة واسعة من القوى الوطنية. كلام معسول سرعان ما تحطم على صخرة اول ‘غضبة’ من الاجهزة.
وكان حريا بالرئيس السوداني ان يشكل لجنة تحقيق مستقلة تستمع الى اتهامات الصادق المهدي لقوات الامن وتفحص ما لديه من ادلة، ضمن تحقيقات قضائية نزيهة تنتهي اما الى تبرئة تلك القوات او معاقبة المذنب منها حسب القانون.
الا ان نظام البشير الذي نجح في قمع الربيع السوداني بالحديد والنار، اصبح مدينا بوجوده لتلك الاجهزة، ولا يستطيع ان يفرض عليها حكم القانون الذي كان هو اول من انتهكه.
كما ان الحزب الحاكم يعاني انقساما بين مؤيد ومعارض للحوار مع المعارضة المنقسمة بدورها بين اتباع المهدي ومؤيدي الشيخ حسن الترابي.
رئيس ضعيف، حزب حاكم منقسم على نفسه، معارضة مشتتة، وشعب ترك ضحية لاجهزة الامن التي لا ترحم.
اما جهاز الامن فقد اتهم المهدي بدوره بـ ‘تشويه صورة القوات وتهديد السلام العام والانتقاص من هيبة الدولة وتحريض المجتمع الدولي’. فهل بقي ‘سلام عام’ حقا في السودان يمكن تهديده؟ وهل بقيت دولة حتى ينتقص من هيبتها؟ وهل يحتاج المجتمع الدولي الى مزيد من التحريض بعد العقوبات المفروضة على السودان، والملاحقة القضائية الدولية لرئيسه؟
بل اين السودان اليوم من السودان الذي تسلمه الفريق عمر البشير بعد انقلابه العسكري على حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا قبل ربع قرن؟ وماذا بقي من السودان بعد تقسيمه قبل ثلاث سنوات، ووقوعه تحت طائلة العقوبات، فيما يواجه خطر التفتت مع تصاعد قوة النزعات الانفصالية العسكرية في دارفور وغيرها؟
اما في الجنوب فقد اعلنت السلطة الحكومية للتنمية في شرق افريقيا (ايغاد) ان المحادثات بين المتحاربين في جنوب السودان التي تجري في اديس ابابا والرامية الى ايجاد مخرج سياسي للنزاع الدامي في هذا البلد منذ منتصف كانون الاول/ديسمبر، تم تعليقها مجددا الاثنين

.
ويمثل هذا التجديد مؤشرا على حالة الانسداد السياسي التي تعاني منها المفاوضات رغم الضغوط الغربية على الطرفين والتهديد بفرض عقوبات عليهما من اجل انجاز اتفاق.
والنزاع الذي يترافق مع مجازر وتجاوزات ذات طابع عرقي ضد المدنيين، اوقع حتى الان آلافا وحتى عشرات آلاف القتلى وطرد اكثر من 1,3 مليون شخص من منازلهم منذ اندلاع هذه المعارك في 15 كانون الاول/ديسمبر داخل جيش جنوب السودان بين قوات موالية للرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار على التوالي قبل ان تنتقل الى اماكن اخرى في البلاد.
وهكذا لا يبدو جنوب السودان الغارق في دمائه بعد انفصاله افضل حالا من شماله المرتهن لحكم عسكري- امني يتستر وراء شعارات دينية.
فالى متى يبقى السودانيون مختطفين على ايدي انظمة ملطخة ايديها بالدماء؟ واين المجتمع الدولي والجامعة العربية من كل هذه المآسي التي يعانيها هذا الشعب الغني بموارده الطبيعية والمنكوب بحكامه؟