زهبر السراج * الاعتماد على المليشيات القبلية بواسطة الحكومات المركزية فى الخرطوم لحمايتها واداء الادوار القذرة لم يكن وليد اليوم، وانما ارث يعود الى بداية تاريخ السودان الحديث، ولقد بدأه الأترك وبالتحديد اسماعيل باشا ابن خديوى مصر محمد على باشا وقائد جيشه لفتح السودان فى عام 1821 .

* يحدثنا التاريخ بان قبيلة الشايقية كانت هى القبيلة الوحيدة التى تصدت لمقاومة الجيش الفاتح وأبلت بلاءا حسنا، بينما ادت بقية القبائل وعلى رأسها الجعلية يمين الولاء والطاعة لاسماعيل باشا، ولقد اعجب اسماعيل بشجاعة وقوة ومهارة فرسان الشايقية  فى الحرب فاستوعبهم فى جيشه، ودانوا له بالولاء والطاعة ثم صاروا راس الرمح فى الهجمات التى شنها على بقية المناطق والقبائل، وهم من قام بحماية الاترك عندما ثار عليهم الجعليون وحلفاؤهم فيما بعد واحرقوا اسماعيل وبعض قادته وهم نائمون بسبب سياسة الاتراك التعسفية، و ظل الشايقيةعلى ولائهم للاتراك طيلة فترة بقائهم فى السودان وصارت لهم اليد الطولى فى جباية الضرائب الباهظة وتصريف الامور الادارية البسيطة تحت اشراف القادة الاتراك بالاضافة الى المهام العسكرية التى كانوا يقومون بها كفيلق مستقل فى الجيش التركى اشتهر بالقسوة والغلظة الشديدة خاصة فى مطاردة مواطنى الجنوب والقبض عليهم وإرسالهم اى مصر لاستخدامهم كجند فى الجيش او بيعهم كرقيق.

* كانت السابقة الثانية هى قبائل العرب الرحل كالبقارة وغيرهم الذين شكلوا القوة الضاربة فى جيش المهدى لمحاربة الاستعمار التركى، ولقد كان جيش المهدى يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: اولا، الريفيون البسطاء الذى صدقوا دعوته الدينية وكان جلهم ينتمى الى الحركات الصوفية، وكان المهدى نفسه ينتمى للطائفة السمانية الصوفية قبل ان يتخلى عنها ويعتنق الفكر الاسلامى الأزهرى الذى ادخله الاتراك الى السودان، وجاء منه الفكر السلفى فيما بعد.  ثانيا، تجار الرقيق الذين ضيق عليهم خديوى مصر اسماعيل باشا أثناء فترة حكمه فى عقد السبعينيات من القرن التاسع عشر الخناق وحد كثيرا من نشاطهم التحارى، وثالثا، البقارة الذين ارهقتهم الضرائب الباهظة التى كان يفرضها عليهم الحكم التركى، وبما انهم كانوا اصحاب بأس ومقاتلين شرسين يجيدون لعبة الحرب لحماية ابقارهم ونهب أبقار غيرهم فلقد شكلوا رأس الرمح فى (جيش الانصار) الذى اعتمد عليه المهدى فى حربه ضد الوجود الأجنبى فى السودان، واستمر خليفة المهدى عبدالله التعايشى على نفس المنوال، بل أعطاهم سلطات إضافية كبيرة واستخدمهم بكثافة لقمع خصومه.

* شكلت السابقتان (الاستعانة بقبيلة البقارة فى جيش المهدى فى عام 1881، وقبيلة الشايقية فى الجيش التركى فى عام 1821 ) بداية ثقافة استخدام المليشيات القبلية فى المجتمع السودانى بواسطة الحكومات  المركزية فى الحروبات التى شنتها على الحركات المتمردة فى جنوب السودان بين عامى 1980 و1990 وفى دارفور  فى عام 2003 وحتى اليوم.

* ولم يكن استثناءا استخدام نظام البشير للمليشيات القبيلة ذات الاصول العربية لمكافحة التمرد فى غرب السودان وارتكاب أسوا انواع الانتهاكات والجرائم ضد الانسانية مما أدى كما نعرف الى تدخل المحكمة الجنائية الدولية بقرار  من مجلس الأمن للنظر فى الجرائم التى ارتكبت ..!!

* رغم ذلك لم تتوقف الحكومة السودانية عن استخدام المليشيات بل طورت استخدامها ودربتها وسلحتها وخصصت لها الاموال الضخمة كمرتبات وحوافز نظير المهام التى تقوم بها، حتى وصل الامر الى درجة الاستعانة بها فى قتل وقمع المتظاهرين فى انتفاضة سبتمبر 2013 ثم استخدامها بشكل مكثف فى الفترات الاخيرة تحت مسمى (قوات الدعم السريع) لمنازلة التمرد فى دارفور وكردفان، وهى الان تفرض طوقا أمنيا حول الخرطوم بتعليمات من جهاز الأمن ولا احد يعرف الى اين سينتهى بها المطاف .. ولكن ما  يعرفه كل الناس أنها صارت صاحبة الكلمة الأعلى فى النظام والضامن الأساسى لبقائه فى السلطة، ولكن هل يضمن النظام نفسه ألا تتمرد عليه ذات يوم إذا لم يستجب لطلباتها ويؤمن لها العيش الرغد والاموال الباهظة التى ينفقها عليها ؟!