بابكر فيصل بابكر * أتيحت لي الأسبوع الماضي فرصة حضور ندوة قيِّمة تحدث فيها المُحامي ورجل الأعمال والسياسي الجنوب إفريقي البارز "رولف ماير" الذي ساهم بصورة كبيرة في الحوار الوطني الذي ساعد ذلك البلد على الإنتقال من واقع التمييز العنصري البغيض لآفاق الديموقراطية والسلام.

تحدَّث رولف ماير – الذي لعب دور كبير المفاوضين المُمثلين لحكومة الأقلية البيضاء في منبر التفاوض متعدد الأحزاب عام 1993 – عن تجربة الحوار التي أفضت للتحوُّل الديموقراطي الأكبر من نوعه في البلد الذي إستمر فيه تهميش الأغلبية السوداء لأكثر من ثلاثة قرون.

حرص ماير على تذكير الحضور بخصوصية تجربة جنوب إفريقيا في الحوار, وأنها قد لا تصلح بالضرورة للتطبيق بنفس التفاصيل في أية بلد أخر, ولكنه مع ذلك أكد إمكانيَّة الإستفادة من العناصر التي ادَّت لنجاح تلك التجربة, ومن بينها “شمول” عملية الحوار حيث تم إشراك جميع الأحزاب السياسية  – بغض النظر عن جماهيرية الحزب و حجم عضويته – بتمثيل متساوي في طاولة الحوار.

كذلك أكد ماير على “محليَّة” عملية الحوار, بمعنى أنها كانت عملية خالية من التدخلات الخارجيَّة, وأنَّ القوى السياسية في جنوب إفريقيا هى من وضعت أجندة الحوار ولم يكن للقوى الإقليمية أو الدولية دور يُذكر في تسيير دفته أو فرض مُخرجاته, لقد كان حواراً وطنياً بكل ما تعني الكلمة من معان.

قال ماير أنَّ “بناء الثقة” بين الأطراف المتنازعة كان من أهم العناصر التي أدت لنجاح عملية الحوار, واعترف أنه لم يكن عملاً سهلاً في بلد تطاولت فيه سنوات العسف والظلم التي طالت الأغلبية السوداء.

غير أنَّ العامل الحاسم الذي وقف وراء نجاح تلك العناصر تمثل في وجود “القيادة” الحكيمة التي إستطاعت ببراعة فائقة ورؤية ثاقبة أن تُجنِّب البلاد المزيد من ويلات الإحتراب الأهلي و الإضطرابات والتشظي, و أن تعبُر بها إلى آفاق الديموقراطية والإستقرار السياسي مستصحبة معها كل ألوان الطيف العرقي والسياسي.

لا شك أنَّ ذهن المرء سيتجِّه مباشرة للزعيم الأسطوري “نلسون مانديلا” بمجرد التطرُّق لموضوع القيادة في جنوب إفريقيا, وهذا أمرٌ طبيعي فرضتهُ الرؤية السياسية و التضحيات الجسيمة والصفات الإنسانية النادرة التي تمتَّع بها مانديلا حتى أصبحت تجربته القيادية نموذجاً يُحتذي في كل دول العالم التي تعاني من مشاكل عدم الإستقرار السياسي والإنقسامات الداخلية والتمييز الثقافي والعرقي.

ولكن الناس لا يتوقفون كثيراً عند الدَّور المهم والصعب الذي إضطلع به رئيس جنوب إفريقيا حينها وزعيم الأقلية الحاكمة, فريديريك دي كليرك, في إنجاح تجربة الحوار الوطني والمصالحة.

يرى كاتب هذا المقال أنَّ دي كليرك هو الشخص الذي لعب الدور “الحاسم” في تغيير مسار جنوب إفريقيا وإنهاء نظام الفصل العنصري, حيث إستجاب لمطلوبات “اللحظة التاريخية” و أدرك أنَّ النظام بلغ نهايته, وأنه يجب إشراك الأكثرية السوداء في الحكم.

دي كليرك  – وليس أحدٌ سواه –  هو من أعلن أنَّ سياسة الفصل العنصري فشلت، وأباح نشاط أحزاب كانت حتى ذلك الوقت خارج القانون، وأعلن الإفراج عن السجناء السياسيين، وألغى عقوبة الإعدام وحدّ فترة الإعتقالات الإدارية، و أفرج عن نيلسون مانديلا من السجن.

دي كليرك كذلك هو من ألغى قوانين التمييز التي كانت مُطبقة حتى ذلك الحين في جنوب إفريقيا، ومنها القوانين المتعلقة بملكية الأراضي والأحياء السكنية والتصنيف بحسب العرق.

سيتجرأ كاتب هذه السطور – رغم حبه وتقديره اللامحدود لنيلسون مانديلا –ويقول أنه لولا وجود شخص مثل دي كليرك إستطاع قراءة الواقع قراءة صحيحة وكان لديه ما يكفي من الشجاعة ليُعيد صياغتهِ من جديد لما حدث ذلك التحوُّل الهائل الذي شهدتهُ جنوب إفريقيا.

لقد سار الرُّجل عكس تيار أهله البيض, وتحمَّل في سبيل ذلك الكثير من الأذى, وواجه تهديدات جديَّة بالقتل, وخرجت أعداد كبيرة من عضوية حزبه, ومع ذلك تمسَّك بموقفه لإدراكه أنَّ هناك لحظات في التاريخ يجب فيها قلب الموائد وتغيير الأوضاع السائدة رغم ما قد يحدثه ذلك من هزات عنيفة تطال دوائر عديدة مؤثرة وفاعلة ذلك أن ضياع الفرصة التاريخية يعني ضياع البلد نفسه.

على الرغم من إختلاف طبيعة الأزمة في جنوب إفريقيا عن المشكلة السودانية إلا أنَّ العناصر التي ذكرها ماير تظل مهمة للغاية من أجل إنجاح أي حوار وطني يهدف للإنتقال من الواقع المضطرب و المأزوم لآفاق الديموقراطيَّة والإستقرار السياسي.

بعكس تجربة جنوب إفريقيا, فإنَّ دعوة الحوار الوطني التي أطلقتها الحكومة السودانية في يناير الماضي لم تشمل كافة القوى السياسية وتلك التي تحمل السلاح, وهذا عاملٌ يضعف للغاية إحتمالات التوصل لحلول تنتشل البلاد من الهاوية خصوصاَ وأنَّ المعارضة المسلحة تخوض حرباً في سبع ولايات مما يعني أنَّ الاخيرة تمثل مكوناً مهماً من مكونات الحوار وأنَّ عدم مشاركتها تعني إستمرار الحرب الأهلية.

التدخلات الخارجيَّة في الأزمة السودانيَّة – على العكس من جنوب إفريقيا – كبيرة حيث أنَّ القضية السودانية حاضرة بكثافة في أجندة مجلس الأمن الدولي و الإتحاد الإفريقي و العديد من دول الجوار خصوصاً إثيوبيا, وهذه التدخلات فرضتها ظروف الإقتتال الأهلى المستمر في دارفور منذ اكثر من عشر سنوات, وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق من ثلاثة أعوام, إضافة لسياسات الحكومة في الإقليم وعلى الصعيد الدولي.

الثقة بين الأطراف المتنازعة غير متوفرة في السودان, وقد عجزت الحكومة حتى الآن عن إتخاذ قرارات تعزِّز تلك الثقة بصورة حاسمة, فعلى سبيل المثال منح الرئيس ضماناً شخصياً لقادة الحركات المسلحة كي يحضروا للمشاركة في الحوار داخل السودان, ولكن لا يتوقع أن يستجيب هؤلاء القادة للدعوة خصوصاٌ وأنهم شاهدوا الكيفية التي تعاملت بها الحكومة مع رئيس أكبر الاحزاب السياسية المدنية المشاركة في الحوار – الصادق المهدي – الذي زج به في السجن بسبب تعليقات حول قوات الدعم السريع التي تتبع لجهاز الأمن.

في إعتقادي أنَّ الإختلاف الأكبر والأهم بين تجربة الحوار الوطني التي جرت في جنوب إفريقيا وتلك التي تدور الآن في السودان لا يتمثل في العناصر الثلاثة المذكورة أعلاهُ, بل في الدور الحاسم الذي لعبتهُ القيادة, وخصوصاً قيادة الطرف الحكومي, ذلك أنَّ تلك العناصر – مع أهميتها – تعتبر أموراً ثانوية بالمقارنة مع الدور الأساسي الذي تضطلع به القيادة والذي من شأنه أن يساهم بفاعلية في توجيه تلك العناصر نحو إنجاح عملية الحوار.

وبالتالي فإنَّ السودان في هذا المنعطف التاريخي المهم لا يحتاج لقيادة شبيهة بنيلسون مانديلا بقدر ما يحتاج لزعيم براغماتي شجاع لا يخشى حكومته وحزبه, زعيم يقلب المعايير والمواضعات السائدة, ويرنو للمستقبل بعيني “زرقاء اليمامة”, بإختصار : زعيم مثل فريديريك دي كليرك.

boulkea@gmail.com *