د.ناهد محمد الحسن - رصدت الحراك الفكري للحركة الإسلامية في الفترة الأخيرة، ولاحظت أن د. الترابي ليس لديه جديد فيما يخص قضايا المرأة، بينما لاحظت أن هناك مجموعة من الأساتذة والأستاذات  المنضمين/ات للحركة الاسلاميّة كتبوا كتابات أعتبرها تقدمية في قضية المرأة،

مثال فتح العليم عبدالحي، ونجوى عبداللطيف، وفاطمة سالم، وكلهم أضافوا إسهامات فكرية جديدة، وعليه فإن دراستي حول الكتاب السودانيين من ضمنها مدرسة الترابي فأنا أريد أن يكون هذا الحوار حول وجهة نظرك انت شخصياً فيما يخص قضية المرأة ووثانياً رصدك أنت للحراك الذي قام به الاخوان المسلمين ومواقف الحزب من قضية المرأة.

المحبوب:

أول كتاب قمت بإصداره في هذا الموضوع في العام 1981، أصدرت في الأول رسالة المرأة، ولكنهم قالوا إنها تحتاج إلى سودنه، كما كانت اعلى من مستوى الطلاب فقدموا لي اقتراح لكتابة رسالة من وحيها لكن بلغة أبسط لنشر الدعوة وسط الطالبات.

– بالنسبة للمحبوب عبد السلام فيما يخص قضية المرأة، ودعنا نبدأ من أول قضية يمكن أن تكون مفصلية في فقه النساء، وهي قضية القوامة، باعتبار أن الموقف من قضية القوامة في الإسلام ينسحب على تفاصيل كثيرة مفصلية فيما يخص فقه النساء، وإذا كانت القوامة في القرآن مذكورة في سورة النساء “الرجال قوامون على النساء” خرج منها فقه كثير لديه علاقة بأحكام النساء داخل البيت وقانون الأحوال الشخصية وغيره، فما هو موقفك من هذه القضية؟

المحبوب:

كنت قد قدمت محاضرة بعنوان: (الحركة الإسلامية من التجديد إلى الحداثة)، وأعتقد أن واحدة من القضايا المركزية هذا الانتقال من التجديد والذي بدأه الترابي، لأنني يمكن أن أسمي الحركة التي بدأها الأفغاني محمد عبده (النهضة)، والتي بدأها (البنا) و(سيد قطب) الاحياء، أما المنهج الذي ابتدره الترابي هو التجديد، ورأيي أنه نحن اليوم وفي ضوء التقدم الكبير الذي حدث في الدراسات القرآنية تحديداً، أ، ننتقل من التجديد إلى الحداثة، كما ذكرت أن أحد الأشياء الجوهرية في قضية الحداثة هي المتعلقة بالمرأة وتمكينها في المجتمع وهذا هو الشعار المعاصر إلى حد كبير.

نظرتي العامة هي أن البشرية هي بفطرتها أصبحت تتقدم نحو الأصول الحقيقية في الإسلام وهي منها الحرية، ومنها المساواة بين الرجل والمرأة، فمسيرة البشرية في القرن الواحد وعشرين، ومسيرتها في الثورة الصناعية الثانية نحو الحداثة، اعتقد أنها تحقق إلى حد كبير نمو، كما قال محمد اقبال، إن القرآن كتاب خالد بهذا المعنى، ويمضي محمد إقبال إلى أنه يمكن جداً للعقل البشري أن يتطور ويتخلى عن القرآن وترسخ لدرجة تتجاوز فيها القرآن، ولكن أنا أتبنى النظرة الثانية، وهي أن القرآن طاقته منفتحة وخالدة ويمكن ان يهدي الحداثة بهذا المعنى، ومن القضايا التي بها خلاف بين الفقهاء المعاصرين، مثلاً فيما يتعلق بقضية الردة يقولون أن حكم الردة حكم منافي للقرآن، وكلمة مؤسسة فقهية بالنسبة لي مهمّة جداً، لأن كل ما نسمّيه بالشريعة هو نتاج المؤسسة الفقهية والتي هي مرتبطة ارتباط وثيق بالظرف الفكري والتاريخي والنفسي والاجتماعي الذي تنزل فيه الإسلام وتطور فيه.

هناك جزء من الدراسات كان متخلف إلى ما قبل عشرين عام، لكن في العشرين عام الأخيرة هذه الدراسات تغيرت، خاصة فيما يتعلق بأوضاع الإسلام في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأغلب هذه الدراسات التي أضاءت هذه الجوانب جعلتنا في موقف يتحتم فيه علينا أن نعيد النظر في الكثير من القضايا الاجتماعية التي رسختها المؤسسة الفقهية التقليدية، وأعني به الفقه الذي رسخ منذ القرن الرابع الهجري، منذ العصر العباسي الأخير إلى اليوم، مما يشمل العقيدة والشريعة والمذاهب الأربعة وكله يحتاج إلى إعادة نظر.

أما فيما يخص قضية القوامة، فانا أؤمن بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة، وأعتقد أن الفقه الذي كان يقول لكل دور، أو ما اسميتيه العدالة هذا فقه يحتاج إلى إعادة النظر فيه في ضوء علم النفس الحديث وعلم الاجتماع وضوء علم النفس الاجتماعي الحديث، فكله لابد أن يدرس حتى نعرف ماهي العدالة؟ لأن العدالة في تقديري هي نسبية ومتغيرة، لذلك فيما يخص مسألة القوامة أنا أتفق مع الجديد في التفسير الذي أضافه الترابي، وفي اعتباره مسألة القوامة هي مصطلح فقط وكلمة عامة وهي ليست من آيات الأحكام، بل هي آية تقريرية تقر أوضاع في العلاقة بين الرجل والمرأة في ذلك الظرف، باعتبار أن الرجل يقوم ببيته والمرأة تقوم بخدمته، وهم قوامون، وشرح التفاضل أيضا، “وفضل الله بعضهم على بعض”، أي أن المرأة لديها مزايا والرجل لديه مزايا. وحتى الأنبياء فضل الله بعضهم على بعض، فمنهم من كلم الله ومنهم من هو خاتم، ومنهم من أرسل إلى عدد كبير، وآخر أرسل إلى عدد محدود، وهذا مفهوم التفاضل، ولذلك القضايا المتعلقة بالأمور الاجتماعية وأغلبها متعلقة بالمرأة، فمثلاً قضايا الميراث وقضايا المهور، وكل الآيات عندما درست الأوضاع في البيئة العربية قبل الإسلام اتضح أن هناك تماثل كبير بين الأحكام وبين الآيات التي نظرت إلى هذه الجوانب، فمثلاً عندما عاد الرسول من المدينة إلى مكة وجد أن المجتمع قد تغير، واختلطت فيه المواريث، لذلك قال حديث: “لا يورث اهل ملة اهل ملة” حتى لا يعيد النظر في الأشياء التي حدثت.

وذكر محمد أركون) أن القرآن استخدم كلمة غامضة، وهي كلمة (الكلالة)، وأنا في رأيي فيما يتعلق بآيات الميراث وقسمته “فاذا حضر القسمة اولو القربى واليتامى ارزقوهم منها وأكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفا”، وقال مالك بن نبي، كلمة قولاً معروفاً لا يمكن ان يحتويها أي قانون لأنها أخلاق اجتماعية، لكن الآية نفسها لم تقنن، الناس الحول الورثة لم تقنن. لذلك اعتقد أن الأوضاع المتعلقة بالقوامة، والمتعلقة بالزواج لابد أن يحدث فيها اجتهاد جديد، ومن وجهة نظري أرى أن الدراسات القرآنية مازالت متخلفة، لكن الدراسات الفقهية متخلفة أكثر من الدراسات القرآنية لأنها هي أرسخ في المؤسسة الفقهية التقليدية وأرسخ في أذهان الناس وفي معاملاتهم حتى أصبحت هي جزء من الأعراف، والتي أجمع عليها الناس واشتغلوا عليها لقرون، وهذا الفقه في ضوء قرارات مؤتمر بكين وفي وثائق الأمم المتحدة، وحتى في ضوء التجارب الإنسانية المناصب التي تبوئتها المرأة، فمثلا اندهشت عندما قرأت (للطبري) والذي قال بوضوح شديد أن المرأة يمكن ان تتولى الإمامة العامة، وعندما تحدث عن الزي الإسلامي، قال: إن به آيتان من ستة آلاف آية في القرآن، فإذن هو ليس بالشيء الهام، وأشار إلى من تعمل في الفحم، أو الجزارة يمكن أن ترفع أكمام يديها ويمكن أن تعمل وسط الرجال، فالنقد الكبير الذي قدمه المستشرقون القدماء، قبل استشراق القرن الواحد والعشرين، كانوا يقولوا سبب تخلف الإسلام هو جمود الشريعة لأن العقيدة في كل الأديان جامدة، بينما الشريعة متحركة، وضرب مثل شهير وقال إذا أنت سائق مطار في مصر مثلاً، وعندما تصل إلى آخر محطة تكون قد قضيت احدى عشر ساعة في الطريق، وهناك عدد من الصلوات تكون قد فاتتك، وقد يكون ذلك في شهر (رمضان) أيضاً، فكيف يمكن أن تصوم وتصلي في كل هذا الوقت؟؟

هو يعتقد بشكل عام أن الشريعة جامدة، بينما الجامد هو المؤسسة الفقهية التي رسخت منذ العصر العباسي، وهناك مجال ضخم جداً للاجتهاد، والآن أعتقد أن الأبواب قد فتحت فهناك كثير من المفكرين الإسلاميين يستشعروا حساسية شديدة تجاه مدرسة الحداثة الإسلامية، فمثلاً كتابات عبد المجيد الشرق وتلاميذه، وألفة يوسف التي كتبت في قضايا المرأة والتي فتحت مسارب للضوء في قضية المرأة، ودخلت بعض القضايا بجرأة، وناقشت الآيات وهي لديها معرفة جيدة بالآيات، ولديها معرفة بمدرسة التحليل النفسي الفرنسية، وعلم النفس الاجتماعي الفرنسية، فقدمت إضافات في قضية الميراث، وقضية المثلية الجنسية وفي قضايا التعدد.

لذلك أنا أعتقد أن هذا القرآن بمستوى الحرية التي به، والطاقة التي يحتويها، يمكنه ان يفتح مجال واف، ولا أعتقد أن هذا تخلف أو انحراف في تاريخ البشرية، بالعكس فقضية المرأة تقدم، والإسلام لابد أن يواكب هذا التقدم.

– راجعت ما كتبه الترابي فيما يخص موضوع القوامة، وهو أبقى ما يعرف بقوامة الرجل داخل البيت، وهو يؤمن بأن المرأة إذا لم تتزوج، فهي مسؤولة من نفسها، لكن في حالة الزواج فالقوامة للرجل. ومن وجهة نظري فإن هناك الكثير من العنف ضد المرأة يحدث تحت هذا المسمى، والآية التي (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهمفالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إنّ الله كان عليّا كبيرا” النساء (34). وبالتالي تنسحب الكثير من الأحكام على هذه الآية وأفرز مفهوم القوامة حقوق للرجل منها حق الزواج، والطلاق وغيره، وهي مجموعة من الأحكام انسحبت على اوضاع النساء، ولا أرى أن فكر الترابي قد أفاد النساء كثيراً بهذا الرأي، فما هو رأيك في هذا الموضوع؟

المحبوب:

اعتقد أن الترابي عندما بدأ اجتهاداته بعد خروجه من المعتقل عام 1977،  لم يعبر عن هذه المسألة كفقيه بل قانوني، اعتبر أن الزواج مؤسسة، لابد لها من رئيس، وصورها كأنها مشكلة إدارية، لكن فيما يتعلق مثلاً بالرجل أولاً، أم الأنثى أولاً، هو يعتقد أن الرجل خلق من الأنثى، فالنفس الأولى كانت محايدة، خرج منها الرجل وما تبقى هي الأنثى، وبهذا المفهوم فالأصل هي الأنثى، وهو أعتبرها قضية فلسفية مؤثرة على كل أوضاع المرأة، لكنه لم يعتبر قضية المرأة قضية أصولية اجتماعية تؤثر على كل قضاياها، لكن أعتقد أنه في التفسير الوحيدي قد خطا خطوة، لكن المعنيين أكثر ومن لديهم ملامسة مع العصر أكثر يعتبرون هذه القضية قضية أصولية فيما يتعلق بأوضاع المرأة في المجتمع وفيما يتعلق بكثير من الأحكام الفقهية، وكما ذكرت فإن الدراسات الفقهية متخلفة جداً.

الترابي يبدأ بالأصل، ويقول إن اسمه الإنسان والتكليف له واحد، والمتباينات متعلقة بطبيعة كل واحد ودوره، وفي رأيي أن الأصل في الإسلام يقودنا مباشرة إلى المساواة.

– طالما هناك مساواة في الأحكام، فمن باب العدالة أن نتساوى في الحقوق، فمثلاً في قضية أن على الأمة نصف العذاب، لأنها ليست مالكة لأمرها، لكن الإنسان الذي يملك أمر نفسه لابد أن يحظى بقدر متساوٍ من الحقوق والواجبات.

المحبوب:

أتفق معك في هذه النقطة، والترابي حصر هذا الأمر في مؤسسة المنزل، وتحدث في الأمر من وجهة نظر قانونية فقط، وفي نفس الوقت كان يراعي أشياء كثيرة، وفي الاجتهاد أحياناً هناك آراء لا تعبر عنها لأسباب تتعلق بثقة المجتمع فيك كعالم، فمثلاً الإمام مالك كان يستند إلى كثير من الآيات والأحاديث عندما يتحدث، لكن في أواخر حياته كان يتحدث فقط، لأنه عندما يتحدث يستصحب مقاصد كثيرة للدين، وهدي الدين، ويستصحب كثير من الآيات والأحاديث، وكان متقدم كثيراً في نهاياته. والترابي مثلاً فيما يتعلق بزواج الكتابي من مسلمة، هو قال هذا الأمر يسري بالنسبة للزواج القائم أصلاً، الآن يقول إنه يسري ابتداء، وهو يقول إن الفقه لديه تطور في هذه المسألة. من وجهة نظري أرى أن الترابي يؤمن بالمساواة، لكن في تعبيره عن قضية القوامة تحديداً هو حصرها في المسألة القانونية أغفل أن المسألة جوهرية تترتب عليها أحكام فقهية ويترتب عليها وضع المرأة في المجتمع كله.

 

– هناك مواضيع تلامسها ملامسة خفيفة وتتهيب الدخول فيها لأسباب منها وضعك في المجتمع كعالم أو وجود السلفية في المجتمع الذي تعيش فيه، أو وضعك داخل الحزب الذي تنتمي إليه، ولكن بالنظر إلى قضايا الردة خاصة من جانب النساء فهي محسوبة على تقليدية المؤسسة الفكرية الإسلامية، لأنه قد حدثت مشاكل جذرية فيما يخص قضايا المرأة، وأعطيك نموذج، وذلك أنه في العشرة سنوات الأولى من حكم الإنقاذ، من 89 وحتى 99 لم يتم تعيين ولا قاضية امرأة، بالقانون، العشرة التي تليها تم تعيين أربع قاضيات في مقابل 100 قاضي، وبالطبع ليس في الجنائية ولا محكمة الاستئناف.

المحبوب:

الترابي عندما بدأ في التخطيط الاستراتيجي للحركة الإسلامية، كان يعتقد أن الفكر حر، كل شخص يعبر عن آرائه الفكرية والدينية بما لديه من قناعة، لكن فيما يتعلق بالمواقف، هذه المسألة ملزمة، لكن أول تغيير في هذا الموقف كان فيما يتعلق بقضية المرأة، وهي بالطبع قضية فكرية دينية، وهو كان قد كتب رسالة في الأول منذ الخمسينات ولنحفظ له حقه كانت هذه الخطوة كبيرة جداً، وهي نفسها أحدثت مشكلة داخل حزبه، واعجبوا بها كثير من الناس وأحسوا انها تعبر عنهم، ونظروا إليها باعتبارها التفكير الجديد الذي ينشدونه، لكن بعد ذلك هذه الرسالة نوقشت داخل الحزب، وكونت لها لجنة، وهذه اللجنة أشبه بلجنة دراسية لتحقيق الرسالة، وحققت أحاديث الرسالة وآياتها، وقدمتها مرة أخرى إلى مجلس الشورى وتمت اجازتها، باعتبارها موقف الحركة الإسلامية الرسمي من قضية المرأة.

وهذا لم يحدث في كثير من القضايا الأخرى، مثل قضية الردة، لكن الشيء المؤكد ان الترابي أكثر وزير عدل في تاريخ السودان، طور التشريعات المتعلقة بالمرأة، وطور حقوق المرأة في إطار الدولة السودانية، وكنت ملازماً لهذا التطور، وكان أكثر مستشاريه من النساء، في ديوان النائب العام، وتم تعيينهن لأول مرة قاضيات في المحكمة العليا، وفي محاكم الاستئناف، وكان قد أصبح نائب عام 1977 واستمر حتى 1983.

– تم فصل قاضيات بعد قوانين سبتمبر 1983، من وجهة نظري الترابي قدم اجتهادات كبيرة في عدة موضوعات منها امامة المرأة للصلاة على سبيل المثال وحتى بن باز قام بمراجعته بهذا الخصوص، لكن هناك مشكلة تختص بأنه كلما اقترب من السياسية كانت هناك ممارسات محافظة من قبله، فمثلاً حديث (الجورشي) الذي يقول بأن الحركة الإسلامية لديها تخوف عام من اندماج المرأة في المجتمع، وأنها تؤكد على واجبات المرأة أكثر من الحديث حول حقوقها، وقمت شخصياً برصد هذه الأشياء داخل الحركة الإسلامية، وقد تكون الحركة الإسلامية قدمت نساء للعمل العام لكنها كانت متشددة جداً خاصة في السنوات العشر الأولى، حول الزي الجامعي، وخرجت قوانين النظام العام وإيقاف القاضيات والزام النساء بارتداء الحجاب وتقييد لحركة النساء، وهذه المحافظة تدفع المرأة ثمنها.

المحبوب:

أكبر إسهام للترابي من وجهة نظري هو تحرير المرأة، وإذا قارنت فقه الترابي مع حسن البنا كما عبر عنه محمد البهي الخولي، الذي كتب (المرأة بين الشريعة والقانون)، بتكليف من البنا، وهو كان خطوة متقدمة عن الأزهر، لكن الترابي كان متقدماً على واقع الحركات الإسلامية.

مثلاً كنا ندرس في أوربا، والبعض يدرس في أمريكا، وكنا نقوم بزيارة الأخوان المسلمين العرب في منازلهم المنتمين الى سوريا أو فلسطين أو الأردن، وكان رابع المستحيلات أن تلتقي بنسائهم، وكنا نقوم بتنظيم محاضرات، ونطلب حضور السيدات، وبعد جهد جهيد وافق الاخوان المسلمين في أمريكا على حضور النساء للمحاضرات ولكن مع وجود حاجز بين الجنسين، وكتنوا وقتها سلفيين مائة بالمائة، في الوقت الذي كانت فيه الحركة في السودان متطورة حيث كانت المرأة تدخل الاتحادات وتساهم.

ومن المواقف أن أمين حسن عمر تحدث مع أحد الأخوان المسلمين، بأنه يلتقي بزوجته في محال البقالة العامة ويراها تسلم وتتحدث إلى الأجانب، وسأله عن سبب منعه إياها من حضور المحاضرات والمشاركة.

فالفرق كان خرافي ومهول، وقال عدنان سعد الدين، وكان وقتها رئيس الحركة الإسلامية في سوريا، قال من أعجب ما رأى في حياته أنه قد ذهب برفقة أحد السودانيين لزيارة سوداني آخر في منزله ولم يجدوه، ولكن زوجة السوداني دعتهم للدخول وقامت بضيافتهم، وبالنسبة إليهم هذا الموقف كان غريب جداً.

 في السودان تجد الوسط ليبرالي، والغرب أكثر ليبرالية، أما شمال السودان فهو يعتبر منطقة معقدة قليلاً، ولكن مقارنة عامة بين السودان وباقي الدول العربية يعتبر السودان متحرراً بصورة أكبر من الكثير من الدول حتى تونس التي أخرجت (الجورشي). تطوروا بعد أن رأونا هنا ودرسوا تجربتنا وعاشوا معنا فترة.

ففيما يتعلق بالممارسة العملية ما قدمه الترابي كان متقدماً، لكنه في الوقت نفسه وجد مقاومة كبيرة حتى داخل الحركة، وسيحكي لك بنفسه أن الحركة استدعته في منزل (إبراهيم أحمد عمر)، وكفره شيخ الكاروري.

– ماهي القضايا المفصلية التي دعت الحركة لعمل مراجعات فقهية فيما يخص قضية المرأة، الآن هناك وعي نسوي متقدم، وهناك ضغط من منظمات حقوق الإنسان، وحراك نسوي كبير ضاغط ولديه تصورات في مفاهيم العدالة؟.

المحبوب:

كانت هناك مقاومة لما يسمى بالخط المنفتح والليبرالي، الخط المتعلق بالحريات العامة، والناس الذين قاوموا قضية التوالي السياسي، هم أنفسهم الذين قاوموا قضية تحرير المرأة ووجودها، وأعتقد اعتقادا راجحا بأن قانون النظام العام صمم لمحاصرة أفكار الترابي اجتماعياً زائداً البعد السياسي.

–  هل من الممكن أن تعطيني أسماء؟

مجذوب الخليفة، محمد صادق الكاروري، أما الكاروري الحالي نظرته إلى المرأة متقدمة جداً، أما عبد الجليل فقد قال ان المرأة يمكن أن تخرج المسرح وتمثل واحتج عليه (محمد عبد الله الغبشاوي) في الجامعة الإسلامية، والمزاج العام فيما يتعلق بموضوع قضية المرأة هو مزاج محافظ جداً، في الكبار والوحيد الذي كانت نظرته متقدمة هو الترابي لأسباب غير معروفة وكانت محاضرته عن تحرير المرأة قدمها عام 1953 في الأبيض.

– من الأشياء التي أخذتها من الصادق المهدي، أن الحاجة رحمة والدة الصادق المهدي هي أول شخص غير وجهة نظر الترابي والصادق في موضوع قضايا المرأة، وكانت تقود نوع من الحراك وكانت امرأة منفتحة بحسب ما ذكره لي الإمام الصادق المهدي.

المحبوب:

الجزء المتعلق بتشريعات شيخ حسن في ديوان النائب العام، هي دراسة عملها عبد الله علي إبراهيم، كتاب (الإسلام والحداثة) كتب جزء بسيط منها. هناك تطور كبير أنجزه الترابي في تشريعات المرأة وكنت حاضراً وشاهداً عليها وكان كل يوم يقوم بتقديم جديد.

هناك مواضيع كثيرة تناولها الترابي في فترة ديوان النائب العام. مثلاً مساواة المرأة في الأجر. كانت في عهد نميري، بدأت في العام 1968 موضوع الخدمة المعاشية. تذكرت هذا الموضوع عندما طرح في مجلس الدولة في مصر اقتراح أن يكون هناك مستشارات، وتلك القضية أحدثت ضجة، وإلى اليوم هناك قيود كثيرة على تولي المرأة لمحكمة الاستئناف، والدرجة الأولى، يجب أن تقرئي عنها، هناك مركز يسمى مركز مبادرة عمر شوبكي.

الطاقة التي بدأ بها الترابي تجديد أصول الفقه لم يواصل بها، فبعد خروجه من السجن وقام بتجديد أصول الفقه، كانت تلك طاقة هائلة ومنفتحة، لكنها قيدت لسبب أو لآخر، وأيضاً لابد أن نقرأ الترابي ليس من خلال دراسته للقانون الأوربي فقط، ولكن يجب دراسة البيئة التقليدية التي تربى فيها منذ الصغر، ومع تربيته في هذه البيئة يخرج بهذه الآراء التقدمية، ومن ناحية أخرى فإن الترابي لم يدرس علم النفس أو الاجتماع، أو التاريخ، كما درس الفقه والقانون، لذلك اجتهاداته تكون محدودة، العمل التجديدي الذي نتحدث عنه هو عمل لجيل مختلف، وقلت سأتحدث عن مراجعات والمناهج، ونقطة فتح العليم موضوعية، فهو يعتقد أن هناك آيات مثل آية: “وأعدوا لهم من قوة ومن رباط الخيل” وهذا أمر، ولكن لا يوجد رباط خيل الآن.

 

– الحركة النسوية أخطأت عندما قاطعت الدين، لأن هذا تماهي مع الفكر الذكوري تجاه المرأة بأنها بعيدة عن التدين، وأنها تصلح موضوعاً للغواية ولقطع الصلاة..الخ

المحبوب:

في الجامعة لم يكن لدينا فقه، ووجدنا الأخوات يصلوا، فقلنا نصلي معهن ولكن أحدهم أقفل علينا الطريق ومنعنا من الصلاة معهن.

– ماهي الأحداث الهامة التي حدثت في تاريخ الحركة الإسلامية وحركته إلى الأمام، هذا هو الموضوع الذي أريد فيه اسهامك؟.

المحبوب:

أكثر ما أحدث دفعة فيما يتعلق بقضايا المرأة في فكر الترابي، هو المجموعة التي خرجت من السجن سنة 1977، بعد المصالحة الوطنية وهي التي بها أمين حسن عمر، سيد الخطيب وابن عمر محمد أحمد، ود. سيف وسليمان صدق، هؤلاء كانوا قادة الفكر مع أنهم كانوا صغار سن، فكانوا أخذوا رسالة المرأة وقاموا بتطبيقها وبدأوا بجامعة الخرطوم، في 78 كانوا قد سقطوا في داخلية الطالبات، وفي 79 بدأوا بالفوز وبعدها جاءت نكسة التمثيل النسبي التي أحدثت انتكاسة، وكانوا قد اقترحوا (مروة جكنون)، رئيسة لرابطة القانون، وطلبوا من محمد طه الانسحاب ليفوزوها بالانتخابات، لتغيير صورة الحركة الإسلامية في نظر الطالبات، وكنا نحن متقدمون عليهم في جامعة القاهرة، وقمنا بإدخالهم معنا في لجنة تنفيذية في 79، وهذه كانت فترة فارقة، والقضايا الفكرية لم تكن أساسية، كان الحزب الإسلامي أشبه بأحزاب الأفندية، مثلاً قصة صيام الاثنين والخميس، وحلقات القرآن، ودروس ابن القيم وابن تيمية، والتجويد، كان جعفر ميرغني، والجماعة التي دخلت السجن خرجت بأفكار متطورة جداً، وهذه أعتبرها أكبر دفعة. قمنا بعمل منتدى في كلية الطب يوم الجمعة، وانتقل سريعاً إلى مصر والمغرب، وأفكار المنتدى كانت محل انزعاج شديد خاصة من وكالة المعلومات كانوا يحضروا معنا ويكتبوا عننا تقارير، وحتى سنة 1975 هناك أناس قريبين جداً للصوفية، وآخرين قريبين جداً إلى (أنصار السنة)، وهناك آخرين أفندية، وبدأوا سنة 75 يتحدثوا عن الشمول وعن العالمية، وتحدثوا عن أن (أنصار السنة) ليست دعوة شاملة، وبعدها جاء الترابي في محاضرة 77 تحدث عن الشرك الشعائري وقال إنه عندما ينتهي الشرك الشعائري من الجزيرة العربية تكون الدعوة الوهابية استنفذت أغراضها، وأنا أعتقد الآن أن فكر الأخوان المسلمين استنفذ أغراضه، نفس نظرة الجورشي ولابد من أن ننتقل من التجديد إلى الحداثة، لكن المزاج لعام للحركة راسخ وقوي وفكرة الجبهة وجدت مقاومة لكن ليست مقاومة كبيرة، وأكثر الناس كانوا ميالين لكلام سيد قطب والبنا، الفرد المسلم، الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم.

سيد قطب تحدث عن العزلة الشعورية وهذه الأشياء، شيخ حسن قال نعمل جبهة لمن يريد دستور إسلامي، أنصار السنة، والمتصوفة، وهذه الفكرة وجدت مقاومة، لأنهم اعتبروها على حساب التربية، فهم يريدون صف يمر بكل المراحل الأسر المفتوحة والأسر المقفولة، فهذا الميثاق أحدث اضطراب، لكن قضية المرأة أحدثت اضطراب أكثر منها، المزاج العام في المجتمع محافظ، فمثلاً امامة المرأة قاوموها داخل الجبهة لكن خارج الجبهة وجدت مقاومة أكبر.

– المجتمع السوداني سعته أكبر من مجتمعات أخرى، لعدم وجود مؤسسة دينية صارمة مثل الأزهر، واعتقد اننا ندور حول دوائر مفرغة، فمثلاً عندما يأتي شخص يطور قضية المرأة يحضر آخر يعيدها إلى الوراء. ويظل التطور في قضية المرأة حبيس الجدال الفقهي..

المحبوب:

ويتم ارجاع كل القضايا أيضاً، لكن فكرة الحداثة فيها صراع من نوع آخر، صراع طه عبد الرحمن الذين لا نعتبرهم سلفيين لكن من المجددين، ولكنهم قاموا بعمل قطيعة مع آخرين، فمثلاً في رسالتي للدكتوراة كتبت عن ايمان البعض بالوحي وعدم ايمان البعض الآخر، ولكن ليس بالضرورة أن تحدث قطيعة بينهم، وافق عليها المشرف المصري بينما اعترض المشرف الأجنبي، وهي تناقش حقيقة ان حتى من لا يؤمن بالوحي يعتبر ان الإسلام منعطف في تاريخ البشرية وفي منطقة الشرق هذه ركيزة أساسية للزاد الروحي والأخلاقي، ولابد من دراسته، ناس الشرق يريدون أن يدرسوه من ناحية التاريخ، جوهر الرسالة والفكر، وأمثال طه ابراهيم يفتكرونه مشروع علماني آخر يريد أن يفرغ الإسلام ويضربه من الداخل، ولديهم مناظرة بينهم وبين الفت يوسف مثلا صديق يوسف يعتبر ان القرآن عندما جمع في عهد سيدنا عثمان جمعت النسخة الرسمية فقط، وأن القرآن أكبر من هذا وأثرى منه وهذا يدخلنا في جدل أكبر.

– الحركة التجديدية حركة كبيرة وواسعة، شمس الدين ضوالبيت قدم مصطلحات جديدة في تعريف التجديد حيث تحدث عن التجديدية السلفيّة والوسطية والإصلاح، وانا اتفق معه في أن التجديد خط كبير وواسع ويمكن أن تكون النقاط الفارقة أن من يؤمن بالتجديد يرى أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؟

المحبوب:

لدي مشكلة مع الشريعة، بمعنى ما هو تعريفك للشريعة؟ يعني بحسب الترابي، من شرع، والطريق والمنهاج. اليوم تحدثنا عن صلاة الجمعة، كنت أقرأ في الطبري والذي يقول أن النبي كان يناقش الناس، ويقوموا بعمل راحة ويقوموا بالمواصلة مرة أخرى، ووقتها كان مبكراً مثل وقت صلاة العيد، كيف انقلب كل هذا، وكانت اجتماع. ومما نحن أطفال كنا نمشي مسجد الأنصار، كنا نسمع (من قال لأخيه صه لا جمعة له)، هذه أفعال الأمويين وهذه مشكلة كبيرة. الأذان حاجة مقدسة، والصلاة بالميكروفون، وكلها أشياء جديدة.

– نتحدث عن الحشمة كنظام اخلاقي في المجتمع المسلم، لكن لم نسمع عن حد الحجاب. من أين جاءت سياسة النظام العام وضرب النساء وجلدهن.؟

المحبوب:

الحجاب ليس له علاقة باللبس، انظري للبعد الاجتماعي والتاريخي للإسلام كلام عبد المجيد الشرفي صحيح قال انه يحتاج إلى مراجعة، يمكنها أن تستخلص هديها العام لعمل فقه، ولابد من استصحاب التجربة الإنسانية وما انتهت إليه من ثبات وهذه هي الحداثة من تقديري وهذا لم يدرس أصلاً.

الغريب أن الناس في اتجاه الفكر، مثلا البنا ومحمد عبده ذاهبين في اتجاه انغلاق وليس انفتاح، واليوم مثلاً وجدنا تفسير المنار، صياغته تقليدية لأنه يصيغه رشيد رضا، وهو تلميذ محمد عبده لكنه متأخر عنه.

  –

قضية الميراث في التفسير تقليديه الفت يوسف قدمت اسهام أفضل. ومن وجهة نظر الصادق المهدي يقول في قضية لا وصية لمورث، ان من حق الإنسان التصرف في ثلث ماله. الترابي رأيه تقليدي في هذا الأمر كان فكره متقدم والآن هو في مرحلة التجديدية التقليدية، وقل اسهامه عن طموحاتنا كنساء.

المحبوب:

أنا أيضاً أتفق مع وجهة النظر هذه. لكن هناك حراك جيد داخل الحركة من قبل الشباب.