ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج الحلقة (11)  * بانتصارجيش كتشنر على جيش الخليفة عبدلله فى موقعة كررى يوم 2 سبتمبر 1898  ثم مقتل الخليفة عبدالله التعايشى فى ام دبيكرات جنوب الخرطوم بعد حوالى عام من ذلك فى 24 نوفمبر 1899،

انتهت دولة المهدية بشكل رسمى وبدأت دولة الحكم الثنائى الانجليزى المصرى للسودان التى لم تغير شيئا يذكر فى سياسة الحكومات السابقة بالاهتمام بالمركز (وادى النيل) على حساب الاطراف (الهامش)، بل انتهجت ما هو اسوأ من ذلك بغلقها للجنوب وعزله عن بقية القطر بحجة حماية الجنوبيين من تجار الرقيق مما ادى لتخلفه الشديد، وكان فى عام 1956 عندما استقل السودان، أكثر مناطق الامبراطورية البريطانية تخلفا على الاطلاق ..! 

* تشكلت السلطة فى بداية فترة الحكم الثنائى التى امتدت زهاء 58 من عام 1898 الى عام 1956 من ثلاثة عناصر: البريطانيون الذين كانوا يشغلون المناصب الادارية العليا، والمصريين الذين كانوا يشغلون المناصب الوسيطة والسودانيون المتعلمون من منطقة الوسط (وادى نهر النيل) الذين شغلوا المناصب الدنيا فى السلم الإدارى، ولقد أعطت المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1899 حق إدارة الأنجليز للسودان نيابة عن ملك مصر، كما اعترفت بالسيادة المصرية على السودان ..! 

* رغم ذلك لم يكن للنفوذ المصرى طيلة فترة الحكم الثنائى اى سلطة فى السودان، بل حتى الوجود الادارى ظل يتقلص رويدا رويدا حتى انتهى تماما فى عام 1924 عندما قام الانجليز بطرد القوات المصرية وكل الاداريين المصريين من السودان إثر حادثة مقتل حاكم عام السودان السير لى ااستاك فى مصر على يد احد المصريين، ومنذ ذلك التاريخ لم يذكر الانجليز شيئا عن سيادة مصر على السودان الا فى عام 1936 عندما وقعوا معاهدة جديدة مع مصر اقرت بإرجاع الجيش المصرى الى السودان والاعتراف بالادارة المشتركة مع بريطانيا الأمر الذى أكد مرة اخرى السيادة لمصر على السودان، ولكن لم يكن لهذا أى أثر فى تغيير الاوضاع فى السودان او الانتقاص من السلطة البريطانية على السودان. 

* من جانبهم لم يتردد البريطانيون طيلة حكمهم للسودان من استخدام القوة لقمع اى معارضة مسلحة، وعندما نما الى علم قلم الاستخبارات البريطانى فى السودان ان سلطان الفور على دينار الذى اعاد انشاء سلطنة الفور فى عام 1898 قرر الاستجابة لدعوة السلطان العثمانى للجهاد ضد دول دول الحلف البريطانى الفرنسى الروسى خلال الحرب العالمية الاولى  ومساندة الحلف الثلاثى الذى كان يتكون من ألمانيا وهنغاريا وتركيا، استخدمت القوات البريطانية اقصى درجات العنف للقضاء عليه وعلى حكمه، ويزعم بعض مؤرخى الفور ان البريطانيين صنعوا شائعة استجابة السلطان على دينار للسلطان العثمانى كحجة للقضاء على سلطنة الفور فى عام 1915 وضم دارفور الى السودان، ولكن أندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكى السابق الى السودان يقول فى كتابه (السودان، جنوب السودان ودارفور) إن الادلة على تعاون السلطان على دينار مع السلطان العثمانى كانت قاطعة، بدون أن يذكر هذه الأدلة  ..!! 

* فى عام 1924 عندما ادت المظاهرات الرافضة للاحتلال التى اندلعت فى الخرطوم وبعض مدن السودان الاخرى الى تمرد بعض ضباط الكلية الحربية من السودانيين، لم تتردد السلطة البريطانية فى اللجوء الى القوة  للقضاء عليهم خلال المعارك التى نشبت بين الطرفين. 

* عدا ذلك و مالم يشكل احد تهديدا مباشرا لسلطتها، كانت الادارة البريطانية تلجأ الى وسائل ناعمة فى ادارة السودان ، ولم يزد عدد الاداريين البريطانيين فى السودان فى اى فترة من الفترات خلال حقبة الحكم الثنائى عن 400 شخص، حيث اعتمد البريطانيون على الادارة غير المباشرة للسودان او ما عرف باسم (الادارة الأهلية) وفيها كانت شريحة صغيرة جدا من الادرايين البريطانيين اصحاب التأهيل العالى تدير  شؤون الحكم من خلال شيوخ ورؤساء القبائل الذين اعطيت لهم الكثير من السلطات والصلاحيات لادارة مناطقهم، وهو نمط إدارة مختلف تماما عن النمط الذى انتهجته الإمبراطورية البريطانية فى ادارة شؤون مستعمراتها الأخرى، كالهند (مثلا)، حيث درجت على ارسال الاف البريطانيين مع اسرهم للاستقرار فى تلك المستعمرات وتصريف شؤونها وادارة الاعمال والزراعة والصناعة وكل الانشطة الاخرى بشكل مباشر، وهو ما لم يحدث فى السودان، كما أن المسؤولين البريطانيين فى تلك المستعمرات كانوا يرفعون تقاريرهم لوزارة المستعمرات بينما كان مسؤولو السودان يرفعون تقاريرهم لوزارة الخارجية 

* كان النهج البريطانى المستخدم فى السودان هو استيعاب بعض البريطانيين المتعلمين من اصول ارستقراطية وارسالهم ليحكموا السودان عبر نخبة سودانية ذات صبغة ارستقراطية .. وبعبارة اخرى، حكم النبلاء بواسطة النبلاء ..! 

* كانت  اللغة الرسمية فى دواوين الحكم فى شمال السودان هى العربية، بينما كانت الانجليزية هى اللغة الرسمية فى الجنوب، كما كانت هى اللغة السائدة فى مدارس الارساليات التبشيرية المسيحية. وكان البريطانيون العاملون فى الشمال يتعلمون ويتحدثون العربية، بينما كان العاملون فى الجنوب يتعلمون ويتحدثون اللهجات المحلية للقبائل الجنوبية 

* فى مؤلفه الرائع (حياة باختيارى)، تحدث الاديب والمستكشف البريطانى العظيم (ويليام تيسايقر) وهو من اصل نبيل وكان عمه حاكم منطقة راج بالهند، عن نمط حياته عندما كان يعمل فى منطقتى دارفور بغرب السودان وأعالى النيل بجنوب السودان، وقال إن عمله اليومى كان يتكون من تسوية الخلافات القبلية، محاكمة الافراد الذين يتهمون بارتكاب جرائم جنائية، واصطياد الاسود التى تهاجم المواطنين 

* عندما استجابت المنظمات الحكومية وغير الحكومية العالمية لتوصيل المساعدات الانسانية لمواطنى الجنوب الذين يقيمون فى المناطق النائية خلال كارثة المجاعة فى عامى 1988 و1989، ظن المواطنون  كبار السن ان البريطانيين عادوا لادارة السودان مرة اخرى، وعندما كنت مبعوثا للرئيس الامريكى جورج بوش الابن فى السودان فى عام 2007، سافرت الى مدينة نيالا للقاء (احمد آدم رجال) مقدم قبيلة الفور (حاكم القبيلة) وهو شخص محترم ومسموع الكلمة فى الثمانينيات من العمر (وقتذاك) ولكن بدون أن تكون له سلطة حقيقية  منذ تجريد حكومات الخرطوم الادارة الاهلية من كل سلطاتها بعد استقلال السودان،  وتحدثنا عن التمرد فى دارفور وكيفية احلال احلال السلام بالإقليم، وعرفت منه انه درس فى مدرسة داخلية حكومية خلال الحكم البريطانى، وكان يمارس لعبة البولو مع الموظفين البريطانيين قبل ان يتولى منصب (المقدم) الذى كان فى ذلك الوقت جزءا من النظام الادارى البريطانى فى السودان ويتمتع بالكثير من الصلاحيات والسلطات، وكانت الادارة تتميز بالانضباط والمرونة والانسيابية، ولكن النخبة المتعلمة من أبناء وسط السودان كانت ترى فى الادارة الاهلية تعزيزا للسيطرة الاستعمارية وتقليلا من شأنهم فعملت على محاربتها ..!!

 

  نواصل فى الحلقة القادمة باذن الله.