عبدالغني كرم الله  لوحة الفنانة التشكلية آمنة ميرغني  متى تهوي؟ قطرة ندى، تمسك بظهر ورقة خضراء.         مسكنية، يالها من مشقة، تعانيها هذه القطرة، سيولتها غير قادرة على تشكيل ملمح واحد ، تبدو كقبة، ثم  تنثال ككرة، ثم  تستطيل كموزة، ثمرة كثمرة فول سوداني، كرتين ملتحمتين، أو ثدين، ولكنها ظلت ممسكة بأسفل الورقة، وتحدق في السماء الصغيرة تحتها، التي تفصلها عن أمها الأرض..

كنت أبيت نية أن أصور التشكلية، وهي تضع يدها تحت القطرة، في انتظار أن تسقط، وهل تسقط؟ ربما، الفنان حاو، وساحر، ورسول لعصر آت، ولكنه آثر أن يعيش بيننا، كي يشرح لنا دولته القادمة، ذكرتني اليد التي تنتظر القطرة ان تسقط، بلوحة أخرى، لوحة (فنان عظيم)، ولكنه يرسم بالحرف عوالمه ورواه، أنه صوميل بكيت، صاحب مسرحية (في انتظار جودو)، كل المسرحية تنتظر احدا، حدثا، برقا، عدنا، ولكن لم يحدث، مثل الانتظارات الكبيرة للحلاج، والسهوردي، وماركس، ومحمود، وجوته، لعرس كوني من العدالة والاشتراكية، والوفرة، والجمال الأبدي العظيم، بلا شر، وفي سويداء الخواطر، حتى الأشجار، ينتفي الخوف في غريزتها، فلا ييدو شوك على مدى أغصانها،  سوى زهر معطار، وثمار مدرار، ولاشك لم يخلق الخيال إلا من أجل قيادة الحياة لذلك الفرودس المستقبلي، والفنانون نموذجا حيا، عبر أعمالهم، لتكم الجنان الموعودة، لنا جميعا.

         هل تسقط القطرة؟ وتستقل بنفسها عن أمها الورقة؟

        خائفة من الهاوي!!

        فجرى خيالي، لطفة  طفلة فضولية وضعت كفها تحت القطرة، منتظر ان تسقط القطرة” أمن صدق القطرة؟ أم الطفل يصدق الخيال؟ أم الفن يرضع من الاستحالة، فلم لا؟..

        أم تخاف ان تشربها الأرض العطشى، (لن تكن) هل فكرت في الفناء؟ واعتراها احاسيس الموت قبيل الموت؟ إحساس المحو، وكأنك لم تكن، أم تذوب كناسك في قلب الحب الأسمر، وتفقد تلكم الرقة المتناهية لقطرة ندى، مثل ثدي من وهم، من شعر، من سيولة نقية، حتى الضوء يرضع منها رقته، وينام في احشائها، كجنين يسوع، يرضع الرقة والبريق، الضوء في رحم القطرة، بطن أنثى حامل بنور، مشهد يرعى بالخيال في أودية من موسيقى سماوية، ليس بيد الحرف والوصف سبيل.

        كانت قطرة ندى، فأكتنزت بالماء، وسالت أسفل الورقة، مرآة مكورة، حامل بالظلال والنور ، تعكس جزء من الخضرة، وتضخمها كعادتها كمنشور زجاج، ببساطة تستسل ألوان الطيف من الضوء الأبيض، بكل فطنة وإتقان فطري ثم تنثره على ملاءتها النقية، في سطحها النااااعم، النبيل، فتبدو أصغر شمس لينة، ترسل ضوئها رحمة وبركة، أفق أسفل الورقة الخضراء، في البصر، والبصير، فتومض في النفس، انفعالات من واد عبقر.

        الفنانة هي آمنة، بنت مرغني، وبنت الصديقة الكتابة عفاف ابوكشوة، فنانة مطبوعة، رغم حداثة سنها، ورثت تأملات قديمة في الحياة، فغرفت من واد، تخمرت فيه رؤى تالدة، وحديثة، في سويداء قلبها الغض،  فعبرت عنه باللون، على سفح لوحاتها كلها، سواء كانت تلكم القطرة، أو قارب على النيل، أو مطرة صنعت برك أمام البيوت، وعكست صورة الأبواب فيها “أي مرآة البرك”، فبدت الصورة من بعيد، وكأن هناك عالم تحت الماء من ناس، وشبابيك، وبيوت، تكاد تشم رائحة الدعاش بعينيك،  أظن هنا يكمن “سر الرسم”، عالم متخيل، في ثياب واقع، تحسه الحواس، كلها، ويفتن الذاكرة مع الأخيلة، فتنية حرب نبيل، هل مررت بهذا المشهد؟ أم خيال؟ ضلال خلاق، توحي به لوحاتها.

        لعمق اللوحة، وقفت كثيرا، منتظرا ان تسقط القطرة، لصدق ليونتها وبريق ضوئها الشفيف، ذلك الضوء الذي ينفذ إلى أعماقك، ويضئ فيك سوح الجمال، ويجعلك أثيرا لقلب الوقت، قلب اللحظة الحاضرة، لحظة أن تسقط القطرة، كشمس لينة، في انتظار سوقطها، في تلكم اللحظة الصغيرة، التي تعيش فيها القطرة، تلكم الحياة الصغيرة المديدة معا، كأن الفنانة تريد أن (تمط)، لحظة صغيرة، بارعة الحسن، في عمر البرق أو أصغر، ومع هذا، تفرستها برقة متناهية، ثم صنعت منها “صنم قطرة”، في طريقها للسقوط، بلى في طريقها للسقوط، فتأملها سريعة قبل أن تهوى، وتسقي الأرض بالخضرة، والثمار، والزهر.

        الندى، يقسرني أن اتأمله، أحسه “معبدا للجمال”، أحسه يرجعني (لرحم الماء الأول، حين كنا “ماء”) رقته الازلية. حنين غريب، عبقري، لذلك الدفء الأول، في كنف الماء، أي قطرة ندى هي برق للأمس الذي كانته النفس، الأمس البعيد كالحلم، للخطو الأول في درب الحياة، درب الإحساس والنظر، والذوق والشم، والموت، والحياة، بعد سكون كانته الروح، حتى استلت نفسها من أفق المادة، لفجر الماء الأول، حوائنا السائلة، وهاهي القطرة ذاتها، تتكور أسفل الورقة، بكل سهولة، وعبقرية، وإيحاء.

        في انتظار ان تسقط القطرة، بل قطرات حسان، شاهدهن في معرض التخرج، ولو نزلت تلكم الأمطار من المواهب، لسقت فؤاد الوطن بالجمال والأمل، فالفن هو غاية من غايات الحياة لنفسه، لا  لسواه، انه الجمال، إنه سعادة النفس، سعادة العين.