مجتبى سعيد عرمان الشىء الذى لا تنتطح حوله عنزان هو أن المجتمع الدول أو القوى الدولية الرئيسة, مثل أمريكيا وبريطانيا وفرنسا ومؤخرا الوجود الإقتصادى المتعاظم للصين فى أفريقيا يلعب أدوارا سياسية مختلفة,

تارة تحت رايات حقوق الأنسان وتطوير الديمقراطية وإصلاح النظام السياسى المتكلس الذى ينتهك حقوق الإنسان كسمة بارزة وعلامة مسجلة لكل الأنظمة التى حكمت أفريقيا والعالم العربى بعد رحيل المستعمر أو ما يعرف فى الليتريتشا السياسية ب ( Post- colonialism). ومن المتفق عليه ان بعد رحيل المستعمر ما تزال السيطرة الإقتصادية والسياسية تكتم  بأنفاسها على تلك البلدان فى شكل روشتات من البنك الدولى الذى يطالب بعمل إصلاحات فى هيكلة الأقتصاد ( الوطنى) ودائما ما تقع الأعباء ( Burdens) على الفقراء وأصحاب الدخول المتواضة جدا أو فى شكل ديون متراكمة للمؤسسات الإقتصادية العالمية الكبرى كالبنك الدولى ونادى باريس- وتابعنا جميعا وأطلعنا على ديون السودان التى بلغت أربعون مليارا من الدولارات , وهى بالطبع فى زيادة سنوية وسوف يكون لزاما على أجيال المستقبل دفع تلك الديون المتراكمة من تعليمها وصحتها وإستقرارها مالم يكون هنالك قلب للمعادلة السياسية والإقتصادية بين الدولة الغنية والفقيرة من قبل كل الشعوب المكتوية بنار العلاقات الغير عادلة ما بين دول الشمال والجنوب وسياسات والتوحش الرأسمالى.

هذه المقالة ليست هدفها الأوحد مناقشة السيطرة الناعمة الإقتصادية والسياسية من قبل الأقتصاديات الكبرى وعن طريق الوسائل الناعمة الخفى منها والمعلن ولكن ومنذ توقيع إتفاقية نيفاشا التى أوقفت أطول حرب فى أفريقيا فيما يسمى إتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية لتحرير السودان ذات الطرح العلمانى وأصحاب الأسلام السياسى الذى يدعو الى أسلمة المجتمع تحت دعاوى النقاء العرقى والأستعلاء الدينى والثقافى والمحافظة على بينة السلطة وإدامة المصالح الأقتصادية والأجتماعية داخل نادى النخبة النهرية- مما أدى فى نهاية المطاف الى فصل الجنوب وإستمرار الحرب فى دارفور التى إندلعت فى 2003 ومن ثم لحقت بها منطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق – وهم  بالطبع لهم كامل الحرية فى العمل السياسى وتكوين حزب يخصهم بحكم إنتمائهم الى شمال السودان, وبالطبع إتفاقية نافع- عقار كانت تسير فى الوجهة الصحيحة لو لم يتم إلغائها وبجرة قلم من قبل رئيس المؤتمر الوطنى المشير البشير.

الذى جعلنى اسرد كل تلك المقدمة هو الكتاب القيم الذى نشرته مجموعة الأزمات الدولية فى العام 2002( ICG) وهى بالطبع كانت بمثابة  ( THINK TANK) لتسهيل حل الخلافات بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطنى وذلك عن طريق مدهم بالمعلومات حول كافة القضايا الخلافية , فى ذاك الكتاب الذى جاء تحت عنوان: ( الذهب, البترول والبلد – تغير منطق الحرب فى السودان) ولا أعرف ما الذى جعل متخصصى الأزمات الدولية التغاضى عن قضايا التحول الديمقراطى ومراعات حقوق الأنسان فى أتفاقية السلام الشامل بالرغم من أنها خصصت لها حيزا كبيرا فى هذا الكتاب, ودعونا نقتبس بعض ما ورد فى فيه فيما يخص قضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطى: ( هذه ترجمة غير رسمية-ص- xx)

سوف يرتكب المجتمع الدولى خطاءا فادحا لو تغاضى عن أهمية إعادة الديمقراطية كعامل رئيسى فى أى عملية سلام شامل, بالإضافة لاى سياسة مضادة للإرهاب. سوف يكون السلام مستداما لو حفرت الديمقراطية عميقا فى التربة السودانية , وعليه سوف يستمر الإهتمام الدولى فى تقديم المساعدات الإنسانية الملحة .

. وعليه الدعم للديمقراطية والعناصر الديمقراطية سوف يكون له الأثر الكبير على المدى الطويل.

على المجتمع الدولى أن يتفهم الحقيقة الساطعة, وهى أن السودان ليس فى حوجة ملحة فقط الى السلام الدائم, ولكن السلام سوف يكون ذو فائدة لو غاصت المبادىء الديمقراطية عميقا فى التربة السودانية- العناصر التى تدعو الى الديمقراطية, منظمات المجتمع المدنى, حرية الصحافة ودعاة وممارسى الصحافة أو الأحزاب السياسية تم تمكينها. أى أتفاقية سلام سوف تجد الفرصة المناسبة للنمو لو كانت هنالك مؤسسات ديمقراطية موجودة وفاعلة.

من ضمن أشكال الدعم الذى يمكن أن يقدمه المجتمع الدولى يمكن إجماله فى الأتى: التدريب والمساعدات الفنية لمنظمات المجتمع المدنى والقيادات, وتقديم التدريب الذى يشمل: الأحزاب السياسية, الجامعات, النقابات, منظمات النساء والمنظمات المجتمعية. بالتساوى, سوف يكون هنالك دعم مؤسسى لمجموعات حقوق الأنسان ووسائل الإعلام المستقلة وتقديم وسائل التدريب ومعدات للبث الإذاعى.

ينبغى أن يعطى الإهتمام الى بناء القدرات لإدارة الأهلية ولمنظمات التجمع الوطنى الديمقراطى فى المناطق التى يسيطر عليها ( بالطبع هذه التوصيات كانت فى 2002 ) التى يوجد جلها فى جنوب السودان, بالرغم من هذا الدعم سوف يثير حفيظة الحكومة فى الشمال والتى سوف تعتبر هذا الدعم تهديدا لسلطتها. من المهم ان يكون هذا الدعم محاط بشكل حذر ويكون تقديمه بشكل لا يلفت الأنتباه لكى لا تستخدمه الحكومة كدعاية . من الجدير الأخذ فى الأعتبار المساعدات الغربية لمنظمات المجتمع المدنى فى سيربيا خلال حكم الرئيس ميلشفيزك فى هذا الجانب.

وعليه هذه التوصيات والتدابير فى غاية الأهمية:

إعادة الديمقراطية يعتبر مكون أساسى لاى إتفاق سلام.

المؤسسات الديمقراطية الفاعلة هى الحاضنة لأى أتفاق سلام قابل  للحياة.

على المجتمع الدولى تقديم الدعم للقوى الديمقراطية فى السودان التى تم تغيبها لزمن طويل عن طريق الحكومة فى الشمال, وبطريقة أقل عن طريق الحركة الشعبية.

برامج المساعدات ينبغى أن يعطى أهمية كبرى لبناء القدرات المؤسسى, الدعم للاحزاب التى تعمل من أجل إستعادة الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدنى التى يمكن ان تعمل المشاركة الشعبية, الإستجابة, قبول التعدد الثقافى وإحترام الحريات الأساسية.

خلاصة القول, على كل دعاة التغيير والديمقراطية وسيادة حكم القانون تذكير المجتمع الدولى وخصوصا الوسيط الأفريقى بأهمية عودة الديمقراطية كجزء ومطلب لا يتجزء من أى إتفاق سلام شامل فى شمال السودان..وبالطبع إتفاقية سلام نيفاشا كانت نتاج لتوازن القوى ( Balance of power)  ولكن غض الطرف عن التحول الديمقراطى وإتكال القوى السياسية على الحركة الشعبية فى إحداث إختراق نوعى فى بنية الدولة الفاشية هو ما أدى الى الوضع الحالى المأساوى..فهل تناضل كل القوى التى تدعو الى الديمقراطية وتصطف من أجل إنتزاع الحقوق الأساسية أما تنتظر ما يتكرم به المشير البشير فى وثبته ومن داخل قاعة الصداقة وإنتظار أهل الحل والعقد!!