التغيير : الخرطوم في احدي البنايات الشاهقة بمنطقة المهندسين الراقية بامدرمان يسكن مئات من الاشخاص الذين يرتدون زيا عسكريا باليا وموحدا  ويتحدثون بلهجة اقرب الي التي يتحدث بها "عرب دارفور"

وتبدو عليهم اثار البداوة الواضحة في تصرفاتهم التي استفزت سكان البنايات المجاورة . تلك التصرفات جعلت سكان المنطقة يتساءلون من هؤلاء ومن اين اتوا وماذا يفعلون في هذه المنطقة تحديدا ؟

الاجابة ببساطة ان هولاء جزءا من قوات الدعم السريع  – او الجنجويد كما يطلق عليهم في اقليم دارفور، والتي وصلت الي العاصمة الخرطوم قبل نحو اسبوعين  بغرض تأمينها وحمايتها حسب افادات قائدها (حميدتي) للصحف! ومع وصولهم تواترت انباء غير مؤكدة عن تعرض مواطنين واصحاب متاجر صغيرة غربي ام درمان الي حالات من السرقة تحت التهديد وخاصة الهواتف المحمولة والمواد التموينية.

في الاسبوع الماضي ظهر ايضا جزء من هذه القوات – مع قوات اخري – خلال استعراض عسكري اقيم بمقر هيئة التدريب والعمليات التابع لجهاز الامن والمخابرات الوطني , كما ظهر قائد هذه القوات في الميدان العميد محمد حمدان والذي يعرف باسم حميدتي في ذلك الاستعراض وهو يرتدي زيا مدنيا ويحمل هاتفا سيارا ذكيا كان كثيرا ما ينظر اليه  وتحدث عن قواته قائلا انها جاءت للخرطوم لحمايتها بعد ان طلب منها جهاز الامن والمخابرات ذلك. وجاء حديثه بعد ان اعلن جهاز الامن انه سينشر ثلاثة الوية من هذه القوات حول العاصمة دون ذكر تفاصيل اخري. وحرص حميدتي الذي كان يتحدث بلغة بسيطة علي نفي حديث  منسوب له في مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقول انهم مسئولون من حماية العاصمة والسودان حتي تتمكن الحكومة السودانية من تكوين جيش قوي يدافع عن السودان. ووصف ان من نسبوا اليه مثل هذا الكلام بالصعاليك. وقال انه يحترم القوات المسلحة السودانية وان قواته لا تقوم باي نوع من الانتهاكات.

 

فيما مضي كان الناس يسمعون عن قوات الدعم السريع وهي تقاتل في مناطق العمليات العسكرية في كردفان ودارفور ولكنهم لاول مرة يرونهم وهم يسيرون في شوارع الخرطوم. وتتكون هذه القوات من عناصر غالبيتهم من الشباب العاطل عن العمل والمنحدرين من قبائل عربية كما يؤكد حميدتي.

ويقول الخبير العسكري اللواء متقاعد عبد الله ابوقرون ان هذه القوات حققت انتصارات عسكرية مقدرة في مناطق القتال ” هذه القوات وبحكم خفتها وجرأة منسوبيها ومعرفتها بجغرافية دارفور استطاعت تحقيق انتصارات واضحة علي المتمردين وهو امر قد فشل فيه الجيش وقوات الاحتياط المركزي  والقوات النظامية  التي ارسلتها الحكومة”.

ويضيف ابو قرون قائلا ” ربما اغرت هذه الانتصارات الجهات المعنية بالاستعانة بهذه القوات لتأمين الخرطوم من اي ضربة محتملة واعادة سيناريو دخول قوات خليل الي امدرمان حينما فشلت القوات النظامية في التصدي لها”. ويعتقد ان الاعتماد علي هذه القوات علي كل شئ يشكل خطأ استراتيجيا من عدة نواحي ” هنالك تململ في القوات المسلحة التي يحس افرادها بالتهميش بعد منح كافة الصلاحيات لهذه القوات. كما ان قوات التدخل السريع تتسلح باسلحة خفيفة وهي لا يمكن ان تمكث في منطقة لفترة طويلة وما حدث في منطقة دلدكو بجنوب كردفان عندما تعرضت لهجوم من قبل “الجيش الشعبي ” هو اكبر دليل علي ذلك

وقد أصدر تيار إصلاحي تابع للجيش بيانا الاسبوع الماضي تبرأ فيه من ممارسات قوات الدعم السريع في اشارة الى نظرة الجيش السلبية لهذه القوات، وان هذا الاعتماد السافر عليها ضربة معنوية موجعة للجيش.

وغير الغبار الذي اثارته هذه القوات لدي العسكريين فانها اثارت غبارا كثيفا لدي الاوساط السياسية في البلاد. فالسلطات الامنية قامت باعتقال زعيم حزب الامة القومي الصادق المهدي بعد انتقاده لقوات التدخل السريع واتهامه لها بارتكاب انتهاكات في دارفور وجنوب كردفان. الامر الذي دعا حزب الامة الي اعلان وقفه المواصلة في الحوار الوطني الذي كان المهدي من اكبر الدعاة له وما تلاه ذلك من مناهضة انصار الحزب لاعتقال زعيمهم لدرجة خروجهم في مظاهرات كبيرة يوم الجمعة.

ازاء ذلك اصيب المشهد السياسي برمته بالارتباك والغموض وخاصة ان حزب المؤتمر الوطني – الحاكم اظهر انحيازه لهذه القوات حتي ولو جاء علي حساب الحوار الذي دعا له بدليل انه ما زال يحتجز المهدي في سجن كوبر بالرغم من مرور اكثر من اسبوع علي اعتقاله. أما حميدتي فقد  المح الي امكانية العفو عن المهدي في حال اعتذر الاخير وتاب عن انتقاداته!

 

 والمهدي هو ليس اول من انتقد هذه القوات , فقد انتقدتها جهات كثيرة من بينها الامم المتحدة وذلك عندما ذكر رئيس البعثة الدولية المشتركة في دارفور محمد بن شمباس في تقرير وسلمه الي مجلس الامن الدولي ان هذه القوات تقوم بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور. وذكر من بين هذه الانتهاكات قتل المدنيين واغتصاب النساء وحرق القري. واضاف  انها مسئولة مع قوات اخري في زيادة وتيرة العنف في دارفور.

ويفسر المحلل السياسي جمعة كندة مسلك الحزب الوطني هذا الاتجاه بقوله بوجود تيارات متنازعة داخل اروقة الحزب الحاكم. وقال “للتغيير الالكترونية” هنالك قيادت داخل الحزب لا تريد للحوار الوطني ان يستمر “هذه القيادات متنفذة ويمكنها ان تفعل اي شئ لمنع الحوار الوطني ان يستمر لا عتقادهم ان مخرجاته ربما تؤثر علي مصالحهم المتقاطعة.. هنالك جهات امنية تريد ان تجعل الاوضاع في خط المواجهة لان ذلك يعطيها الحق في التصرف كما يحلو لها” ويضيف كندة ” لا اتصور ان عاقلا في الحكومة يرضي ان يزج باكبر حلفاءه في المعتقل في الوقت الذي يحتاج فيه الحزب الوطني الي حلفاء حقيقيين ولذلك فان اول تصريح صدر من قادة الحزب كان صادر من مصطفي اسماعيل عندما وصف الامر بالمؤسف”.

ويرى مراقبون ان ما تحظى به هذه القوات من حصانة من الانتقاد تصل لدرجة سجن من ينتقدها ولدرجة تحذير الصحف من تناولها سلبا، مؤشر واضح لاعتماد حزب المؤتمر الوطني عليها في الدفاع عن سلطته، ومؤشر خطير لتهميش القوات المسلحة السودانية لصالح جهاز الامن والمليشيات التابعة له، كما يتخوف نشطاء من ان الهدف من وجود هذه القوات هو القمع لاي حراك سياسي مدني يطالب بالتغيير وبالتالي فان هدفها ليس تأمين العاصمة وانما قمع الانتفاضة المحتملة .