عبدالرحمن علي طه  بتاريخ 15 مايو 2014 نشرت الأستاذة/ رشا عوض في صحيفة "التغيير" مقالاً بعنوان " يحاصرون حبلى في شهرها التاسع بتهمة الزنا وحد الردة والمغتصبون يتبرجون بأسلحتهم!"

ربما يختزل بمحتواه جانباً من مأساتنا الثلاثية في بلدنا المنكوب: مأساة مواطن، وحكومة، ومثقفين (وإن شئت فقل معارضين).

المقال جاء تعليقاً على الحكم القضائي بتنفيذ حكم الردة في من تدعو نفسها “مريم يحيى إبراهيم” بينما هناك عائلة سودانية تقول بأن اسمها “أبرار الهادي محمد عبدالله” كما جاء في المؤتمر الصحفي للأسرة. ويبدو بأن شقيق الفتاة الذي رفع قضية الردة ضدها قد جاء بأدلة وشهود وصور وبصمات تثبت انتماءها لتلك الأسرة وأن أبواها مسلمين متزوجين وأنها ليست ابنة لمطلقة مسيحية تحمل الجنسية الأثيوبية، وليست حتى طبيبة من خريجي جامعة الخرطوم كما قالت بل خريجة مختبرات طبية من جامعة السودان. ولا يبدو بأن عائلة سودانية بأكملها يمكنها أن تغامر بتعريض نفسها لكل هذا الإحراج إذا لم تكن الفتاة ابنتهم فعلاً وأنها قد تنكرت لهم. على أن المهندس/ محمد الفاتح ازهري يميل إلى أن الفتاة ليست مستقرة عقلياً ولا نفسياً وأنه ينبغي التحقق من قواها قبل التسرع بإصدار الحكم عليها ودليله في ذلك قوله بأن الفتاة كانت تمارس الشعائر الإسلامية في السجن وتقرأ سورة يس وعندما يسألونها عن الديانة تقول بأنها مسيحية.

عندما نشرت الكاتبة مقالها لم تكن عائلة الفتاة قد خرجت إلى وسائل الإعلام، وكانت القصة المنتشرة في “السي إن إن” والمواقع الإلكترونية مبنية على رواية الفتاة، ولهذا بنت الكاتبة مقالها ورفضها للحكم على أساس أن الفتاة مسيحية النشأة وذلك دون بذل العناء في البحث والتثبت والاطلاع على أوراق القضية وحيثياتها.

نقدر حرص الكاتبة المعروف على حقوق المواطنين وعاطفتها الجياشة في هذا الصدد، ولكن تعاطفها مع مأساة الفتاة الحامل المحكوم عليها بالإعدام قد جعلها تتعلق بأية قشة مهما صغرت، وتطلق نار هجومها بعشوائية في جميع الاتجاهات لكي تبعد شبح هذا الحكم ولو أدى ذلك إلى التعدي على ثوابت الإسلام أو الإساءة إلى الإسلام حتى وإن كان دون قصد أو إدراك. ولقد تراوح خطاب المقال من الهجوم على الشريعة الإسلامية أو إنكار مرجعيتها الإلهية ووصفها بمخالفة متطلبات العصر ومقتضياته، إلى الهجوم على السنة النبوية والتشكيك في صحتها التاريخية لكي يتم التخلص من أحاديث الردة، ثم من باب الجدل (كما جاء في المقال) تم الاستدلال بحديث من السنة التي أُنكرت دلالتها قبل بضع فقرات، علماً بأن الحديث الذي تم الاستدلال به “ادرءوا الحدود بالشبهات” حديث ضعيف الإسناد حسب قواعد علم الحديث وإن كان معناه صحيحاً وموافقاً لعمل النبي صلى الله عليه وسلم.

تحدثت الكاتبة عن السودان الذي “وقع في أسر الإسلام السياسي، وهوس ما يسمى بقوانين “الشريعة الإسلامية” وهي قوانين وضعية مستمدة من فقه وتفسيرات إسلامية منتزعة من واقع تاريخي مختلف تماما عن واقعنا المعاصر وتطوراته الحاسمة وعلى رأسها “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”أ.هـ.

وهي عبارة اشتملت على جملة من المصطلحات والمغالطات الفجة التي اشتهر به العالمانيون المتطرفون بمن فيهم ملاحدة اليسارواللاأدريين، وإنني وإن كنت أربأ بالكاتبة أن تغترف من مستنقع أولئك القوم فإنني أتساءل كيف تخاطب أبناء وطنها من المسلمين بخطاب فيه انتقاص من دينهم على هذا النحو مهما تم تغليف الخطاب بكبسولة إلقاء اللوم على الفقهاء أو السياق التاريخي أو التفسيرات المتشددة.

الشرعة الدولية

لقد وضع المقال هالة من القداسة والعصمة الكهنوتية أو الألوهية حول ما تسميه الكاتبة بـ “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان” (التي قد تبيح الشذوذ الجنسي والزنا وتحرّم أحكام الإعدام حتى للقتلة) مع كونها آراءً بشرية متغيّرة وغير معصومة فكيف يُراد لها أن تكون مرجعية يُحدّد على أساسها ما هو مقبول أو مرفوض من التشريعات الإسلامية التي تخالفها ولو كانت ثابتة بالقرآن والسنة؟ وكيف تتوقع الكاتبة أن تسوّق بين المسلمين دونية أحكام القرآن والحديث وهم يدركون أن عظمة شريعتهم نابعة من خلوها من اهواء البشر وتناقضاتهم وكونها معياراً موضوعياً صادراً من الخالق العليم بالنفس البشرية وأحوال الاجتماع الإنساني بل هو الذي يسيِّر قوانين الكون وحركة الحياة وهو الذي سيحاسب البشرية في النهاية؟

بل كيف تريد الكاتبة أن تقيم الحجة على المسلمين وتفرض عليهم مرجعية خارجية ذات طبيعة أممية دولية تجعل البشر أنداداً لخالقهم في التشريع وبالتالي ينازعونه في أخص خصائص الألوهية ألا وهي الحاكمية ؟ وكيف تتوقع من المسلمين أن يتجاهلوا قوله تعالى ” ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون” “وقوله تعالى “أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟” وقوله تعالى”أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله” ؟

إن ترجيح كفة تشريع بشري بالمخالفة لتشريع رباني يعني بالضرورة تحويل ذلك الشخص المشرِّع إلى إله يُعبَد من دون الله. ويدل على ذلك ما رواه عدى بن حاتم -رضى الله عنه- أنه سمع النبى -صلى الله عليه وسلم – يقراْ هذه الايه “اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله ” فقلت له انا لسنا نعبدهم . قال : اْليس يحرمون ما احل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟ فقلت: بلى. قال :فتلك عبادتهم”. (رواه أحمد والترمذى). وبالتالي ليست الوثنية عند المسلم مجرد سجود لتمثال بل كل ما انتحل لنفسه أو أسبغ عليه الناس حق الكلمة الفصل في التشريع فهو وثن، والخضوع لأمره عبادة له سواءً كان ذلك الوثن فيلسوفاً أو رجل دين أو دكتاتوراً.

 

 

 

القول بوضعية الشريعة

وأغرب ما جاء في المقال هو إنكار وجود شريعة إلهية المصدر، علماً بأنه توجد في الإسلام نصوص قرآنية وحديثية واضحة تجعل وصف ثوابت الشريعة الإسلامية بالأحكام الوضعية مزاحاً سمجاً. وذلك لأنه فضلاً عما هو مجمع عليه من النصوص الواضحة فإن المسائل الخلافية الاجتهادية التي ليس فيها نص مباشر وكذلك الاجتهاد في القضايا التفصيلية أو المستجدة كل ذلك يخضع في استباطه لقيود الضوابط الشرعية وبالتالي لا مجال لتشبيهها بالقوانين البشرية الوضعية. ولو لم يكن هناك تشريع واضح من الله لما جاءت الآيات القوية في الأمر بلزوم شريعته واتباعها كما مضى.

وأما دعوى حصر جميع النصوص التشريعية بسياق تاريخي معيّن فهي أدعاء عبثي لا دليل عليه، ويترتب عليه تعطيل وإلغاء جميع أحكام الإسلام وثوابته بذريعة تغير الزمان وظهور “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”، كما أنها تنطوي ضمنياً على طعن في الخالق المشرع واتهامه بالجهل والنقص بحيث يتفوق عليه أصغر مخلوقاته (عياذاً بالله). ولو اتبع الناس هذا المنهج الفوضوي فسيقول قائل: الخمر حلال الآن وعقوبة الجلد لا تنطبق على هذا العصر، كما أن تطور المجتمعات يملي ضرورة التعامل مع الزنا بوصفه حريةً شخصية. وهذه الأقوال هي من الثمار الخبيثة لحالة الانهزام النفسي التي أصابت البعض تجاه التفوق والتقدم التقني والاجتماعي لدول الغرب فأصبحوا يقبلون كل ما يأتي به الغرب دون نقد أو تمحيص ويرفضون كل ما جاء به الإسلام إذا خالف شرائع الغرب.

التشكيك في دلالة السنة النبوية

لقد ركز المقال في مرافعته ضد حد الردة على عدم وروده في القرآن واستدل بالآيات العمومية المجملة حول خيار البشر بين الإيمان والكفر مع إنذارهم بالنار عند الكفر، ولم يضع المقال في الاعتبار أن السنة النبوية جاءت لتفصل وتخصص الأحكام المجملة والعامة الواردة في القرآن، فالأمر بالصلاة جاء عاماً في القرآن وجاءت السنة النبوية لتحدد الأوقات والكيفيات الدقيقة، فهل يقول قائل بأنه لا توجد صلاة اسمها صلاة الظهر لعدم ذكرها في القرآن؟

 وإزاء قوة النصوص الحديثية الواضحة عن حد الردة لم يكن أمام المقال من مخرج سوى التشكيك في  حجية السنة النبوية من أساسها والدعوة لإلغاء بعض الأحاديث من السنة النبوية على أساس الاستحسان الشخصي بالهوى دون ضوابط. وأسلوب التشكيك منهج عبثي فوضوي من شأنه أن يهدر السنة كلها دون دليل أو تحديد، وهذا يشبه حال من أراد أن يقتل شخصاً واحداً فأباد مدينة بأكملها لكي يحقق جريمته. فهل الكاتبة تشك في جميع الأحاديث ام ترفض فقط بعض الأحاديث التي لم تعجبها؟ إن الكاتبة مطالبة بالدليل العلمي في الحالتين ولا جدوى من التشكيك المرسل، إذ يلزمها أن تثبت عدم صحة الحديث الذي رفضته وأن تبين لنا كيف تأكدت من صحة الأحاديث الأخرى المتعلقة بعدد ركعات الصلاة وأوقاتها وكيفية الحج والصيام وغيرها مما لم يرد في القرآن.

 

 إن شبهة الزعم بأن السنة لم تدون إلا بعد 200 عام من وفاة النبي شبهة روج لها  المستشرق اليهودي المجري جولتسيهر (1850-1921) وتلقفها منه بعض كتاب العرب الذين درسوا الإسلام من كتب المستشرقين بدلاً من أن يأخذوه من مصادره الأصيلة. وهذه الشبهة واهيةً جداً لمن له أدنى معرفة بالسنة النبوية وتاريخها وأن تدوينها بدأ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياته فكان من المدونين أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، و عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. وفضلاً عن الصحف المكتوبة فقد كانت الأحاديث تنتقل بالتواتر الشفوي والتعليم كما هو الحال بالنسبة للقرآن. وكان الصحابة الذين حفظوا الحديث من النبي يقيمون مجالس العلم ويحضرها ألوف من التابعين الذين يدونون الحديث من الصحابي الذي عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه مباشرةً وهكذا ينقل التابعون الحديث شفاهةً وكتابةً إلى الجيل التالي. وقد حفظ الحديث النبوي بعلم مصطلح الحديث وهو علم نقد الرواية التاريخية من حيث السند والرواة والمتن وقد وضعت فيه شروط دقيقة لضمان صحة الأحاديث.

ولكن يبقى هناك سؤال. إذا أمكن التهرب من القبول بحد الردة من خلال التشكيك في السنة النبوية فماذا نفعل في نصوص القرآن بشأن حدود الحرابة، والسرقة، وشرب الخمر، و حد الزنا الذي يقول فيه تعالى “ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله” ؟ وكلها حدود شرعها الخالق وتخالف قوانين المخلوقين المسماة بـ “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”؟

أدلة السنة واتفاق المذاهب

ولولا إنكار الكاتبة لحجية السنة النبوية لزودناها بالأدلة التفصيلية الأخرى على تطبيق حد الردة على غير المحاربين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهود الخلفاء الراشدين كحد الردة الذي كان سيطبقه النبي صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبي السرح يوم فتح مكة لولا توبته، والحد الذي طبقه أبوموسى الأشعري في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل الذي تهوّد في اليمن بتأكيد من معاذ بن جبل الذي قال له ” لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله”، وذلك الحد الذي طبقه جيش عمر بن الخطاب في “تستر” على الرجل المرتد، وحد الردة الذي طبقه على بن أبي طالب على الأشخاص الذين آمنوا بألوهيته وغيرها من الشواهد. ومن جهة أخرى فإن اتفاق علماء المذاهب الأربعة على حكم الردة وغيرهم مما لا يتسع له المقام هنا يرد على ما جاء في المقال من أن حكم الردة مجرد تفسير متشدد تتبناه فئة قليلة من المسلمين. ومن أراد الاستدلال بفتاوى العلماء فليبحث بأمانة وتجرد ودون تحيّز لكي لا يكون حاله كحال الذين لم يجدوا مفراً من الاعتراف بحد الردة سوى الاستدلال بقول شاذ من غير ذي صفة علمية، حيث استشهدوا بتسجيل فيديو لإخواني كويتي من المختصين بالتنمية البشرية اشتهر بالدعوة من خلال أسلوبه القصصي المشوق ولكنه ليس من العلماء أو المؤهلين علمياً للفتيا. والذين استشهدوا بإنكاره لهذا الحد لن يقبلوا بإثباته للحدود الأخرى كحد الزنا. وهذه الانتقائية هي التي تميز بين الباحث عن الحق وطالب الهوى.

ولكن سرد الأدلة الكثيرة على ثبوت حد الردة ليس حلاً لمشكلة المشككين، كما لن يجدي معهم تقريب الصورة بتشبيهه بحكم الخيانة العظمى عند الأمم الأخرى بدلالة الصفة الكاشفة في قول النبي “التارك لدينه المفارق للجماعة” أو محاولة بيان الحكمة في كونها تتضمن رحمةً لحماية ضعفاء الإيمان المتذبذبين أو لمنع حالات الاعتناق والارتداد التي تهدف لزعزعة إيمان المسلمين كما جاء في قوله تعالى:” وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون”، كما لن يتفهم المشككون أن الإسلام لا يطارد الناس للتفتيش عن عقائدهم كما كانت تفعل الكنائس الأسبانية، وأنه لا مجال لتطبيق حدة الردة على من لم يجاهر بها ولذلك لم يطبق النبي حد الردة على المنافقين رغم علمه بنفاقهم. كل ذلك لن يجدي في توضيح الصورة مع من تبنى أفكاراً أو شرائع معينة وأغلق عقله وفكره عليها.

الفجوة العقائدية

إن من يستفظع قسوة حد الردة ويستنكره، سيستفظع أيضاً حد الجلد والرجم للزاني ويعتبر قطع يد السارق وحشية ويبذل جهده لإنكار أو تأويل أو تعطيل النصوص الشرعية الدالة على ذلك بشتى أنواع التحايل، ولكن ماذا يقول هؤلاء عن عذاب الله لكل اولئك العصاة في جهنم؟ هل يعتبرونه (عياذاً بالله) وحشيةً من الخالق تجاه مخلوقاته؟ هل سيملأون الآخرة (كما ملأوا الدنيا) عويلاً على انتهاك سدنة جهنم لميثاق حقوق الإنسان مثلاً؟ هل سيعتبرون نار جهنم منافيةً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان لاشتمالها على تعذيب أناس بسبب معتقداتهم؟ نحن نتكلم مع المعترضين على الحد على أساس أنهم مؤمنون بهذه الأمور الأخروية الموصوفة بنصها في القرآن الذي يؤمنون به. ورب الدنيا هو رب الآخرة. فلا معنى لتقبل الشخص لحقيقة عذاب العصاة في النار (خلافاً لميثاق حقوق الإنسان) ورفضه المطلق للعقوبات المفروضة عليهم في الدنيا.

فالموضوع كله إذاً مسألة عقائدية وإيمانية فمن اقتنع عقلياً بوجود الخالق أصلاً واقتنع عقلياً بالدين الذي أنزله فإنه لن يجد حرجاً في قبول ما جاء به من أحكام. وأما الملاحدة ومن تلوث بشبهات العالمانية فهم لن يقبلوا هذا الحكم ولو سمعوه من النبي شخصياً.

النفاق الدولي

وللأسف فإن هناك من لا يعترف بالحكم الشرعي إلا إذا وافقت عليه المنظمات الدولية المرتبطة بالدول الكبرى والمنظمات الأممية. وفي هذا الصدد تعالت الصيحات من المنظمات الدولية ولجان الكونجرس الأمريكي اشمئزازاً من حكم الردة على مسلمة سودانية لتحولها إلى المسيحية مع أن أولئك الأشخاص لم يتكلموا بحرف عن عشرات المصريات القبطيات اللاتي اعتنقن الإسلام وجرى خطفهن وتعذيبهن داخل الأديرة والكنائس بالتنسيق والتواطؤ أحياناً مع السلطات الرسمية كما جرى مع كاميليا شحاتة، ووفاء قسطنطين (قتلت على الأرجح)، وماري عبدالله، وماريان مكرم، وتريزا إبراهيم، و كريستين قليني وغيرهن من الذين اختفين بعد إسلامهن.

إن النفاق الدولي لا حدود له والانتقائية وازدواجية المعايير أمر معتاد. وفي الوقت الذي يُهاجم فيه القرآن بوصفه كتاباً يحرض على العنف لن تجد من اولئك المهاجمين من يذكر نصوص حد الردة بالتوراة أو العهد القديم مثل النص الذي في سفر التثنية، بالإصحاح 17 (2-7):” إذا ارتكب بينكم، رجل أو امرأة، مقيم في إحدى مدنكم التي يورثكم إياها الرب إلهكم، الشر في عيني الرب متعديا عهده،  فغوى وعبد آلهة أخرى وسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لأي من كواكب السماء مما حظرته عليكم،  وشاع خبره، فسمعتم به، وتحققتم بعد فحص دقيق أن ذلك الرجس اقترف في إسرائيل،  فأخرجوا ذلك الرجل أو تلك المرأة، الذي ارتكب ذلك الإثم إلى خارج المدينة، وارجموه بالحجارة حتى يموت.” وكذلك في سفر التثنية بالإصحاح 13 (6-10) و سفر الخروج بالإصحاح 32 (آية 28).

 

مداخلات مسيئة

ومما آخذه على الكاتبة وكذلك على صحيفة “التغيير” أنها تركت المجال لمداخلات الملاحدة الذين سبوا الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم بأحط العبارات وأبشع الألفاظ فلم تتدخل الجريدة بالحذف للبذاءات ولم ترد الكاتبة على الإساءات لدينها ونبيها مع أن الكاتبة قد تدخلت وردت على أحد المعلقين (عبدالقادر ع.ع.) الذي خاطبها بأسلوب غير مؤدب، وكان حرياً بالكاتبة أن تهتم بالرد على من سبوا الإسلام أولاً.

علم لا كهنوت

وينبغي أن يتسع صدر الكاتبة لمن ينقدون كلامها حول الإسلام ويعتبرونه منافياً للعلمية إما بسبب الخلل في قواعد الاستدلال أو في بعض المعلومات الأساسية، فليس كل مخالف للرأي ممن يبين لها خطورة أقوالها هو بالضرورة داعية للكهنوت أو الإرهاب الفكري او محتكراً لأبواب السماء.

كل ما في الأمر أن الإسلام علم له قواعده ووسائل الاستدلال الخاصة به، وهو كسائر العلوم يحترم التخصص ويرفض المتطفلين أو الإفتاء بالأهواء أو لي أعناق النصوص أو الاجتزاء. ولهذا عندما يرفض الأطباء رأياً شخصياً لفرد من غير المختصين فإنهم لا يفعلون ذلك من باب الكهنوت والاحتكار بل من باب الانتصار للعلم والعقل وحماية الناس من الضلال. ولهذا فقد نهى القرآن عن الجدال إذا كان بغير علم كما جاء في قوله تعالى: ” ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير”.

الفجيعة الأولى: فتاة الردة

لقد تكلمنا عن الحكم العام للردة وأما قضية أبرار/ مريم وحيثياتها فهي مسؤولية القضاة اللذين يباشرونها بناءً على مدى صحة المعلومات والأدلة المتوفرة، ولكنها مأساة وفاجعة للفتاة وأسرتها التي انتهى بها الأمر إلى هذا الحال. إلا أن ألمنا لمأساة الفتاة لا ينبغي أن يجعلنا ننكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وأما الشق الأول من عنوان المقال يحاصرون حبلى في شهرها التاسع بتهمة الزنا وحد الردة” فإن حمل من أصابت حداً لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إقامة الحد على المرأة الغامدية التي طلبت منه تنفيذ عقوبة الزنا عليها وظلت على مدى أيام تطالبه بتطهيرها، حتى أمرها النبي أن تأتيه بعد أن تضع مولودها وترضعه وتفطمه.

 

 

الفجيعة الثانية: الشريعة الانتقائية

وأما الشق الثاني من العنوان ” والمغتصبون يتبرجون بأسلحتهم!” فهو الجرح الذي نعانيه جميعاً وهو سبب حرقة الكاتبة وكثير من المتابعين للقضية. فقد عقدت الكاتبة مقارنة بين إفلات مرتكبي الاغتصاب في دارفور من حكم الشريعة في حين تقع العقوبات على الضعفاء مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن توسط لمنع إقامة حد السرقة على المرأة المخزومية الثرية: “يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه”.

عندما قررت الجبهة القومية الإسلامية قبل ربع قرن أن تضع العربة أمام الحصان وتسعى لإقامة دولة إسلامية بوسائل مخالفة للشريعة ومنهج الأنبياء في الدعوة، كانت النتيجة أن كثيراً ممن وصل إلى الحكم منهم أو تسلقه معهم من ركاب الموجة لم يكن مؤهلاً لأن يكون فرداً في مجتمع مسلم ناهيك عن أن يكون مسؤولاً عن إقامته. والأخطر من ذلك أنه لم تتم تهيئة المجتمع وتربيته بالصورة الصحيحة لاستكمال تطبيق الشريعة لأن فاقد الشيء لا يعطيه فظهرت الفجوة بين ما اعتاده الناس من سلوكيات وبين القوانين المستمدة من الشريعة. وبدا نتيجةً للتطبيق الخاطئ من قبل غير المؤهلين، بدا وكان بعض القوانين معدة لملاحقة مجاميع ضخمة من البشر مع أن الأصل أن حدود الشريعة قد أعدت لملاحقة القلة الذين يشذون عما عليه غالبية المجتمع من قيم تم ترسيخها سلفاً عن طريق التربية وليس السلطة.

ومن جهة أخرى فقد أصابت فتنة السلطة، وإقبال الدنيا الكثيرين من “أصحاب المشروع الحضاري” إصابات قاتلة في دينهم وأماناتهم، وظهرت فضائح الفساد بما يشبه المجاهرة الوقحة، في حين ظل الكثير من مبادئ الشريعة وأحكامها حبراً على ورق، وأصيب كثير من الناس بالفتنة في دينهم ومنهم من حدثته نفسه بالردة نتيجةً للتناقض بين الشعارات الإسلامية والممارسات المنافية لها في كافة المستويات.

الفجيعة الثالثة: مثقفو الهوس اللاديني

وعلى الرغم من أن كثيراً من مثقفينا قد حرصوا على النأي بالإسلام وتبرئته من هذه الممارسات التي تتم باسمه، إلا أن بعضهم سواءً كانوا من المفتونين حديثاً أو من كانوا في الأساس من ذوي الخلفيات الإلحادية أو العالمانية المتطرفة قد استغلوا فضائح أهل الحكم وانحرافاتهم لتشويه الدين وإلصاق صورة نمطية بالإسلام تشبه صورة رجال الدين في كنائس أوروبا. وأصبحت المعارضة للحكومة عند كثير من هؤلاء هي تصويب سهامهم إلى الإسلام باعتباره الحائط القصير عندهم في خلافهم مع الحكومة، وهكذا ضلوا وأضلوا كثيراً بهوسهم اللاديني.

ونتيجةً لما سبق وقع كثير من الناس سواءً من العامة او حتى المتعلمين في فتنة وحيرة من جراء سيل الشبهات التي زعزعت عقيدتهم لا سيما مع انتشار الجهل بالإسلام وتعاليمه في ظل المقارنة الظاهرية المجحفة بين جوانب العدل الاجتماعي عند غير المسلمين وبين ما يُمارس باسم الإسلام من مظالم صارخة.

 

ara-taha@hotmail.com