خالد فضل على أيام هبة سبتمبر اكتوبر العام الماضي انتشرت افادات تشير الى تورط عصابات الجنجويد في عمليات البطش والقتل والترويع التي واجهت بها سلطة الفساد الاسلامي تلك المظاهرات , والناس بين مصدق ومكذب لتلك الافادات ,

بيد أن الخبر الذي تبارت في ابرازه كل وسائط الاعلام المحلية ليوم الاثنين 19مايو الجاري قطع الشك باليقين ومفاد الخبر أن جهاز أمن السلطة قد قرر نشر كتيبتين أو ثلاث من قوات الجنجويد المعروفة رسميا بـ (قوات الدعم السريع ) والتابعة للجهاز حول العاصمة الخرطوم لتأمينها . من ماذا؟، لم يكمل الخبر القول .

    والمراقب لحكاية هذه القوات يلحظ دون عناء أنها  ظلت منذ بدايتها تشكل أحد أذرع التنكيل التي تستغلها سلطة الفاسدين الاسلاميين  لتأمين حيازتها للسلطة ومكاسبها المادية المباشرة , وهي بحكم تكوينها وتعبئتها المعنوية تشكل أحد المعضلات الوطنية التي افرزها عهد التيه المسيطر منذ ربع القرن , وقد دعا الزميل الصحفي عارف الصاوي الى ضرورة التعمق والنظر في ظاهرة الجنجويد والأخذ في الحسبان ما قاله قائدها حميدتي (أو حميتي) في بعض اللهجات من استعداده لجلب مائة ألف مقاتل للدعم السريع لقوات جهاز الأمن الخاص بجماعة الاسلامييين الفاسدين والذي تحول مؤخرا لتولي مهام القوات المسلحة السودانية المعروفة في اخماد حركات التمرد والاحتجاج ضمن الحرب الأهلية المستمرة في السودان منذ الاستقلال وحتى الآن مع فترات هدنة لخمسة عشر عاما فقط ابان اتفاقيتي أديس أبابا 72 ونيفاشا 2005م. لقد قال حميدتي أن الشباب عطالى وهم على استعداد للعمل نظير أجر , وهذه النقطة تكشف طبيعة هذه القوات وولاءها لمن يدفع , وهي بهذه الوضعية أقرب ما تكون لقوات مرتزقة محترفين أكثر منها قوات نظامية منضبطة تحكمها المؤسسة العسكرية أيا كان التحفظ على ممارسة المؤسسة العسكرية السودانية منذ الاستقلال وحتى الآن . فعطالة الشباب التي أشار اليها حميدتي لا تحلها هذه التشكيلات العسكرية الكثيفة اذ “تقضم” الأجهزة الأمنية وما شابهها حوالي 70 بالمائة من ميزانية الدولة السودانية ويتكفل الفساد الاسلامي بنهب ما تبقى من فتات الموازنة , ولهذا تحرص الفئة المستبدة على تأمين سلطتها التي تمثل الخرطوم بؤرتها الأهم بحكم وجود العقارات والمزارع وحواشة الرئيس التي تدر عليه دخلا يفوق ما يحصل عليه من مخصصات في منصبه كرئيس استحق الدرجة الأولى بحكم المدة التي قضاها في المنصب وليس بفضل كفاءة أو قدرات . في الخرطوم توجد الصرافات والاتجار بالعملة والمولات مثل عفراء وسناء وبها سوق الاسمنت ومضاربات السكر وشركة الاقطان وأراضي الولاية الاستثمارية , لذلك تستحق الحماية بوساطة قوات يقول قائدها إن أفرادها شباب عطالة يبحثون عن الأجرة , وأنه لولا فدائيتهم واستبسالهم في الحروبات الأهلية في دارفور وكردفان لدخلت قوات الثوار الى الخرطوم , فهم من “يزازون” في “الحراية” بينما القاعدون في الضل يمجمجون حسب ما نسب اليه مؤخرا , وفيما يشابه تكوينه وتكوين قواته يتحدى الحكومة ذاتها بأن تعمل ليها جيش وتتكلم بعد داك , فهم أي حميدتي وقواته من يأمرون باعتقال الصادق أو اخراجه من المعتقل , بينما يتولى حزب المؤتمر الوطني (المجمجة ) بالحديث عن السفارات الغربية تارة وعن عدم تدخله في شأن القضاء والعدل تارة أخرى , وفي كل الأحوال لم يقل الصادق المهدي أكثر من كلمة كان يجب عمل تحقيق بموجبها مع قوات الجنجويد عوضا عن اسناد مهمة تأمين العاصمة لها , ولكنه العهد الغيهب كما في وصف للدكتور منصور خالد , عهد الاستبداد والفساد وانقلاب الموازين والمعايير وغياب العقل وسيادة اللوثة العقلية .

   عطالة الشباب لا يحلها تجنيدهم لحماية المفسدين والذود عمن دمروا البلد وجعلوا شبابها عاطلا حائرا , بل تحلها برامج ومشروعات التنمية المتوازنة واطروحات بناء السودان على اسس العدالة والحرية والمساواة , فقوات الجنجويد المجندة لسحق وقتل وتشريد واغتصاب النساء نظير اجر مالي كثر او قل لن تتمكن من معالجة جذور التهميش ولن تستطيع اعادة بناء السودان ولن تحقق صلحا وتراضياً كما انها لن تعمر ارضا ولن تبقي ظهرا فماذا يرجو مواطن العاصمة من تأمينها ؟

  من الواضح فيما بين يدينا من وقائع أن انهيار الدولة في السودان قد بلغ حدا لم يعد بالامكان التستر عليه أو اخفاؤه , فقد كان من ضمن خطط تأمين الخرطوم قبل بضع سنوات اقامة خندق مائي حول أم درمان فتأمل في عقلية القرون الوسطى هذه التي تتعامل مع الدولة كضيعة ومع الحكم كمغنم ومع الشعب كقطعان الماشية , فالخرطوم التي يراد تأمينها بالجنجويد بها مناطق وأحياء وحارات لا توجد بها مدارس ولا يوجد بها أمن وشرطة ولا توجد بها مياه أو كهرباء وتتحكم فيها عصابات النيقرز وبها داية واحدة وعربة أمجاد (انظر تحقيق في جريدة المستقلة السودانية يوم الاثنين الفائت ) هذه الحارات المنسية التي يراد تأمينها بالجنجويد سكانها صوتوا كلهم تقريبا للمؤتمر الوطني منذ اربع سنوات فتأمل مرة اخرى في نفسية الانسان المقهور الذي يتماهى مع جلاده , وحالة الجنجويد هي نفسها حالة سكان (جون مديد).

 من الواضح أن الانهيار والفشل قد اكتمل تماما ولم يبق امام من تبقى من السودانيين سوى سبيل وحيد , الانتفاضة لكنس القيح الذي يملأ رئة الوطن ويكتم النفس .