عبد الله الشيخ في السودان، حيث التصوف هو أيدلوجيا الوعي الكامن، تطورت الحياة الصوفية بتتابع دوائر متداخلة ومتوالدة، تحمل كل دائرة طابع المرحلة التاريخية الماضوية ، التي لا تنفك تتناغم مع المستقبل..

و القاعدة دوماً هي زحف الحياة الى الامام ،،هي التطور الذي يخضع لقوانين تحكم مراحله وشروط الانتقال منها إلى الأخرى..والتطور هو الثابت الوحيد فى الاكوان التى ابدع الخالق صنعها.. هكذا يتناسل الوقت.. العلاقة بين الماضي والغد كعلاقة الجد بالحفيد عبر الأب كوسيط لجينات الحاضر.. و العلاقة بين الحاضر والماضي علاقة تطور تاريخي، وكل فلسفة ظهرت في الحياة انما تستند على التراث السابق لها، لكن النظر إلى التراث ، يتلون بلون القاعدة الفكرية التي تتحكم في انتاج تلك المعرفة ، فلا سبيل إلى معرفة بريئة ومسلوبة الانتماء عن مصدرها وعن ذاتية من انتجها، لا فصل بين ادوات المعرفة ووعي المنتج لها ..و كذلك ، لا فرار  من ثقافة العصر الذي انتجها.. على هذا فان المعرفة انتاج بشري، والأديان  فى قداستها حين تتنزل  فى واقع الناس ، تتحول  الى نصوص ثقافية تعيد العقول انتاجها، وانتاج العقل البشري ليس هو خلاصة مراد النص المقدس ، بل هو فهم ذلك العقل للنص.. بالتالي ، فان الدين، أي دين يتحول على ارض التجربة الى نصوص متأنسنة مذ ساعة تنزلها عبر الانبياء المأمورين بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، وحسب حاجتهم.. لا يمكن الحديث عن معرفة روحية أو اجتماعية منعزلة عن الذوات، وغير منخرطة في مسار تاريخي.

كانت القاعدة الاجتماعية والفكرية للتصوف في السودان هي تمازج الثقافة والدم العربي في العناصر السكانية الزنجية..كانت هذه هي القاعدة، ولم تزل.. على هذا النسيج ، أو المزيج  التاريخي استقوى التنظيم القبلي بدءاً، حتى ورثته الطرق الصوفية.. ثم استحال إلى ممالك وسلطنات، ليتوسع الكيان في ” دولة” في القرن التاسع عشر..أي أن دولتنا السودانية هذه قامت على جذر ، أو جذور قبلية،، وأكثر من ذلك فان ” عقيدتنا ” نفسها فيها الكثير من ظلال المسيحية، لأن الممالك “الاسلامية” التى نشأت فى السودان كانت وريثاً للممالك المسيحية التي انقطع رأسها بعد دخول العرب إلى مصر.. كانت الممالك “الاسلامية” التى ورثت  الممالك المسيحية ،هي محصلة تجارب القبائل العربية في التحشد الوحدوي من أجل بناء كيانات سياسية اكثر قوة.. فقد انتقلت تجربة أمارة “أرض المعدن”  التي نشأت في القرن العاشر فى شرق السودان إلى أواسط السودان  عندما تجمع العرب المهاجرين الى السودان تحت راية  قبيلة “جهينة”.. وقد اطلق على تحالف العرب في وسط السودان اسم “العبدلاب”،، أو قل “حزب عبد الله جماع” ، الذي بنى حلفاً أكبر مع “الفونج” ، وبمجرد ظهور هذا التحالف فى التاريخ ، فانه اشارة الى ان الانغلاق  داخل وعاء قبلي على اساس العرق لم يعد كياناً اجتماعياً وسياسياً ، يلبي مطلوبات المرحلة التاريخية.. و بهذا التحالف، بين العبدلاب والفونج، تأكد تجاوز الوضع التاريخي لأطر الوعاء القبلي، و تحققت خطوة حاسمة نحو الاطلال على عصر الكيانات الكبيرة التي تُتوج بكيان واحد هو الدولة..

و لأن الدولة ، فى الذهن السوداني ، عبارة عن كائن روحي، قام باستدعاء العبدلاب نسبتهم الى بني العباس، بينما أكد الفونج انتسابهم الى بني أُمية فى تلك المرحلة من التاريخ،، لأن زمانهم كان قبلياً ، ولأن ” الدولة ” فى الذهن السوداني تنشأ “مُرَوْحَنة” ، أو هي ” معزوفة على ايقاع أوتار الروح”،، سواء أكنا على قدر أهل العزم فى استحقاق ذلك الادعاء أم كنا متقاصرين عنه..! هكذا انتج  خيال أجدادنا كيان الدولة ، فهل غادرنا حدود ذلك الخيال، أم أننا نعيد انتاجه في حاضرنا الراهن ..!؟