محمّد جلال أحمد هاشم* تدبير الانقلاب وإدارته من خلف حجاب في أيّام الإنقاذ الأولى كان واضحا أنّ مقاليد الأمور بيد التّرابي وأنّ البشير ما هو إلاّ مرحلة ستنقضي عمّا قريب. فما قد لا يختلف عليه إثنان حول شخصيّة التّرابي ذلك الطّموح الجامح لإضافة اسمه بين سجلّ من حكموا السّودان.

وكانت رياحُ هذه الرّغبة قد ملأت أشرعة فؤاده آخر أيّام حكم مايو عندما استولت على النّميري لوثة الولاية والقداسة. فحينها شرع تلامذتُه – ومن بينهم محمّد طه محمّد أحمد نفسُه – يتكلّمون عن ولاية المجاهد (نميري العسكري) وولاية العالم (التّرابي الدّاعية والحاصل على أعلى الشّهادات) وكيف أنّ الأولى عادة ما تسبق الثّانية؛ إلاّ أنّ هداية المجتمع إلى الصّراط المستقيم لن تتحقّق إلاّ بولاية العالم. ولكنّ النميري (العسكري الجاهل) تغدّى بهم جميعا وبفقيههم العالم (التّرابي) قبل أن يتعشّوا به وذلك ضمن «حملة عبد القيّوم الانتقاميّة» التي قادها ضدّ جميع ألوان الطّيف السّياسي والاجتماعي قُبيل أشهر من زوال حكمه. هكذا انتهى حكمُ مايو وجاءت الدّيموقراطيّة والتي يبدو أن التّرابي باشر أيّامَها وهو يائسٌ منها وذلك إثر تحالف قوى الدّيموقراطيّة وإسقاطها له في دائرة جبرة ـــــ الصّحافة. فبالرّغم من تسنّمه لمواقع قياديّة في ما عُرف بحكومة الوفاق (1988م) مثل وزير العدل والنّائب العام (حتّى رئيس الوزراء بالإنابة) إلاّ أنّ ذلك كلُّه لا معنى له طالما أنّه ليس عضوا بالجمعيّة التّأسيسيّة.  لكلّ هذا كان من الطّبيعي والمتوقّع من التّرابي أن يسعى لتحقيق حلمه في أن يصبح حاكما للسّودان بتدبير انقلاب عسكري على ديموقراطيّة طفلة لا تسندُها ممارسة معافاة من رجال سلخوا عمرَهم في ممارسة السّياسة دون أن يبلغوا سنّ الرّشد فيها. فكان انقلاب يونيو 1989م الذي عُرف باسم «ثورة الإنقاذ الوطني».

أدار التّرابي البلادَ أوّل سنيّ الإنقاذ من وراء مكمنه مقدّما في البدء رجالا ليسوا من عصب التّنظيم (أمثال سبدرات وخوجلي صالحين وجلال علي لطفي) ثمّ قليلا قليلا أعقبهم برجال الصّفِّ الثّالث فالثّاني فالأوّل دون أن يظهر. استمرّ هذا الوضع لأكثر من خمس سنوات والتّرابي كأيّ ساحر أفريقي دجّال قابع في مخبئه مُنكرا ومُلجّا في الإنكار ونافيا أيّ علاقة بالانقلاب. لماذا فعل ذلك؟ لأنّه كان يتحسّب ضدّ احتمالات سقوط الانقلاب الأمر الذي يعني احتراق جميع من برزوا كضالعين فيه كانقلاب أو كنظام حكم عسكري. ولكن متى سيظهر هذا الإمام العالم من غيبته (أو قُل: من عيبته) تلك؟ بالطّبع عندما يتمّ «تبريد» الحكم؛ بقهر الشّعب وسفك الدّماء طبعا (بيوت الأشباح وشهداؤها؛ شهداء 28 رمضان؛ شهداء إعدامات العملة؛ شهداء الحركة الطّلابيّة؛ شهداء الحرب الأهليّة … إلخ). وكان هذا يعني أنّ التّرابي جبُن عن أن يتحمّل نتائج أفعاله فعمد إلى آخرين أقلّ شأنا كيما يكونوا درعا له. أيّ أنّه كان على استعداد كيما يُضحّي بأتباعه الأقربين والأبعدين ثمّ بكلّ من زيّنت له نفسُه المشاركة في حكم الإنقاذ ممّن تربّصوا بالدّيموقراطيّة آملين أن يبطش بها نفرٌ من العسكر. بهذا يكون التّرابي قد جمع حزمة من المُعيبات تكفي لأمّة كاملة من اللئام: شهوة السّلطة؛ الكذب وتحرّي الكذب؛ الاستعداد لقهر وقتل الأبرياء في سبيل أن يحكم حتّى لو أدّى ذلك إلى ضياع البلاد والعباد؛ الاستعداد للتّضحية بتلامذته وأتباعه الأقربين بدلا عن افتدائهم بروحه (قارن ذلك بما فعله شهيد الفكر محمود محمّد طه في حادثة إعدامه)؛ ثمّ الجبن عن تحمّل نتائج أعماله.

 

انكشاف اللعبة

لم يخطر في ذهن التّرابي أبدا أن لُعبة «الاستجبان» التي مارسها على تلامذته وأتباعه ثمّ على الشّعب كانت مكشوفة. فجميع الذين ظهروا في خطّ المواجهة الإنقاذيّة ضدّ الشّعب وأشواقه في الدّيموقراطيّة والحريّة باعتبار أنّهم المسئولون عن ذبح تلك الأشواق كانوا يعلمون علم اليقين الدّوافع الحقيقيّة لتواري التّرابي خلف الكواليس كلّ هذه السّنين. وباستمرار تواري الرّجل عاما إثر عام زاد إيمانُ أولئك الرّجال والنّساء من عسكريين ومدنيّين بفضلهم عليه دون فضله عليهم. وكان ذلك أوّل مسمارٍ في نعش زعامة التّرابي الدّينيّة والرّوحيّة. ففي لحظة المواجهة تبخّرت الكاريزما التي شادتها سنواتُ الخطابة والتّلاعب باللغة. وقد حكى شهود عيان في حادثة أونتاريو بكندا والتي تعرّض فيها التّرابي للضّرب على يد هاشم بدرالدّين أنّ ملامح التّرابي عكست خوفا مطلقا؛ فتصوّر. وكانت تلك الحادثة من سخرية الأقدار. فالتّرابي هو الذي أشار إلى زبانية النّظام باتّباع أسلوب ضرب السّياسيّين تحقيرا وإهانة ومن ثمّ إطلاق سراحهم فورا ليحكوا للأهل والأصدقاء أن مسألة الاعتقال كلّها (وما تبعها من زوبعة) تلخّصت في «علقة» ساخنة ليس إلاّ. فهل هي بضاعة مردودة أم ردّ الكيد إلى نحر الكائد؟

ومع كلّ هذا كان يمكن للتّرابي أن يُحقّق حلمَه في أن يكون حاكما للسّودان لولا «الافترا»؛ وعلى من؟ على تلامذته وأتباعه المخلصين دع عنك غيرهم من جيش المنتفعين والمنافقين. ففي السّنوات الأولى لحكم الإنقاذ التي كان يُديرُ فيها التّرابي أمر البلاد أذاق الشّعب الأمرّين فيما تعلمون والعالم جميعا. ولكن ما لا يعلمُه الكثيرون أن التّرابي أذاق تلامذتَه وأتباعَه أنواعا وصنوفا من الإذلال والإهانة المجّانيّة التي تجري على وزن: «أنا ربُّكم الأعلى» والعياذ بالله. فها هُم أخيرا وقد تحقّقت دولتُهم؛ وبفضل مَن؟ بفضله هو طبعا وبفضل قيادته المُلهَمة! إذن فليُظهروا الطّاعة الواجبة.

في تسعينات القرن المنصرم جرت انتخابات صوريّة كان الغرض منها إظهار التّرابي كلاعب أساسي في ميدان السّلطة وذلك بعد أن ظهر في مسرح الأحداث العامة بتمثيليّة «المؤتمر الشّعبي العربي والإسلامي». في تلك الانتخابات نزل التّرابي في دائرة – طبعا في دائرة جبرة والصّحافة! وعكَسَ نزولُه في تلك الدّائرة بالذّات حجم الجرح الغائر الذي تركته تجربة الدّيموقراطيّة على الرّجل. إبّان الحملة الانتخابيّة – على مهزلة الانتخابات في مجملها – دبّج الأتباع والتّلامذة العديد من الشّعارات دعما لشيخهم الذي سيفوز (بأثر رجعي) على القوى الدّيموقراطيّة التي تحالفت لإسقاطه من قبل. من بين أكثر الشّعارات شدّا للأنظار (من حيث الــ Layout ونوع المادّة اللاصقة المتستخدمة بما يستدعي إزالة جزء من سطح الجدار في سبيل نزع القماشة) برز الشّعار التّالي: «منهجٌ متبوع؛ وقائدُ مطيوع». إذن فالطّاعة كانت أهمّ شيء بالنّسبة لطاغية الدوائر الدّاخليّة لحكم الإنقاذ.

 

تمرّد التّلاميذ والأتباع

في هذه النّقطة من منعطفهم التّاريخي، بدأ الأتباع يصرّحون بأنّ النّاس [يقصدون أنفسهم] قد بايعت البشير وليس التّرابي! وبالتّالي على البشير أن يُثبت أنّه على قدر المسئوليّة. تلك كانت إشارة واضحة لطبيعة مياه التّكتّل والاستقطابات الجارية تحت جسر السّلطة آنذاك. فبعد كلّ مقابلة إذلاليّة مع التّرابي كان أعضاء التّنظيم يفرّون باتّجاه عمر البشير باعتبار أنّهم بايعوه هو وليس التّرابي. في المقابل كان عمر البشير (والذي اتضّح أنّ لديه أيضا هامان خاص به يُدبّر ويُزيّن له أمرَه) يُجدّد بيعتهم له ثمّ يطلب منهم التزام الهدوء مؤكّدا لهم بأنّ «الثّورة» غير غافلة. أمّا بالنّسبة للتّرابي فالثّورة ربّما لم تكن أكثر من كلمة لا معنى لها.

في منتصف تسعينات القرن الماضي كانت بذور الانشقاق بين مجموعة التّرابي ومجموعة عمر البشير قد بدأت في الظّهور إلى السّطح مع نفي رسمي لها يشبه نفيَهم لكون أولئك الرّجال الذين قادوا الانقلاب ينتمون إلى الجبهة الإسلاميّة (تنظيم الإخوان المسلمين – جناح التّرابي). وبخلاف عدد قليل من النّاس الغافلين يكادُ جميعُ الجالسين خارج الأسلاك التنظيميّة الشّائكة للإخوان المسلمين من جموع الشّعب السّوداني يعرفون تفاصيل ومراحل تطوّر ذلك الخلاف الذي استفحل مع الأيام والشّهور لينتهي بقطيعة تامّة بين المعسكرين. في هذا كان محمّد طه محمّد أحمد بمثابة رأس الرّمح لمعسكر عمر البشير إذ وظّف قلمَه المسنون هجوما على وتأليبا ضدّ التّرابي. ثمّ تبعه آخرون في تمرّدهم على شيخهم. فالأمر الذي بدا وكأنّه تصرّف فردي من رجل ذي روح متمرّدة انكشف عن تيّار غلاّب بين صفوف الإسلاميّين. فكيف جاز لتلامذة الأمس أن ينقلبوا على كبيرهم الذي علّمهم السّحر سنين عددا؟

ارتفعت أصوات الاحتجاج على الطّريقة التي كان يُدير بها التّرابي شئون الدّولة بوصفه سيّد الوقت. وقد هيّأ لاستفراده بالأمر كونه قد قام بحلّ التّنظيم الإسلامي، ذلك حتّى لا تقف في وجهه أيّ إجراءات مؤسّسيّة من شأنها أن تقيّده. في البدء ارتفعت أصوات الاحتجاج خافتة، مهموسة، ثمّ رويداً رويداً ظلّت ترتفع حتّى أصبحت إلى الضّوضاء أقرب. فقد ضجّت أروقة الحركة بأصوات الاحتجاج، ومن ثمّ انتقلت أصوات الاحتجاج إلى أروقة الدّولة. وهنا وجدت مجموعة جيل 1965م ــــ 1975م فرصتهم للتّخلّص من التّرابي إذ كانوا على إدراك بمقاتله وخوره عندما أحجم عن الظّهور لشهور ريثما يطمئنّ إلى استمراريّة الانقلاب. فقد اتّضح لهم استعداد التّرابي للتّضحية بهم في حال فشل الانقلاب.

بحلول عام 1999م بدا واضحاً أنّ تلاميذ حسن التّرابي قد فاض بهم الكيل إزاء تجبّر شيخهم وتسلّطه على أتباعه واستخفافه بهم. فقد بلغ به الغرور أقصى مبلغ كون حركته هي الوحيدة في العصر الحديث التي نجحت في أن تبلغ السّلطة. على هذا بطر في السّلطة كما لم يفعل الأباطرة أنفسهم. وتعتبر عدائيّته للصّحفي محمّد طه محمّد أحمد وعدائيّة الأخير لشيخه نموذجاً جيّداً للدّرجة التي أصبح معها حسن التّرابي شخصيّةً مكروهة من قبل تلاميذه الذين كانوا ينظرون إليه قبل فترة وجيزة كما لو لم يكن ينطق عن الهوى. عندها انكشفت الحجُب لتلاميذه فإذا هم يرون أشيتء كانوا يعرفونها دون أن يعقلوها، من ذلك عنجهيّة وصلف وغرور التّرابي مقروناً باستهزائه من الجميع وعلى وجهٍ أخصّ تلاميذه وأتباعه. في هذا الشّأن قال محمّد طه محمّد أحمد: (مقتبس في بوست هاشم بدر الدّين

«فما أن يختلف رجل مع التّرابى أو تختلف معه سيّدة فى الحركة الإسلاميّة حتّى يتناسى المجاهدات ويلجأ للتّجريح الشّخصى، وهذا ما لا يليق برجل لفّ حول رأسه عمامة الشّيوخ ولبس عباءات الشّيوخ. وقد بدأ التّرابى الحملات الشّخصيّة فى وقت مبكّر ضدّ من سبقوه فى قيادة الحركة الإسلاميّة، فقال عن المرحوم [محمود] بُرات ‘إنّه مجنون’ لأنّ بُرات قال إنّه لاحظ أنّ التّرابى لا يصلّي على الأقلّ الوقتَ حاضراً. وقاد التّرابى حملة التّجريح واغتيال الشّخصيّة ضدّ المرحوم الرّشيد الطّاهر بكر وضدّ الدّكتور جعفر شيخ إدريس وضدّ الشّيخ الصّادق عبدالله عبدالماجد.»

 

المفاصلة مع الإنقاذ والتّنصّل من المشروع الحضاري

هكذا وقعت المفاصلة بين حسن التّرابي (شيخ الإخوان المسلمين بالسّودان) من جانب وبين أتباعه وتلاميذه. هنا ما كان من التّرابي إلاّ أن تنصّل من نظام الإنقاذ، ناسياً أنّه هو نفسه العرّاب الذي قام بتدبير الانقلاب، كما قام باختيار قادة الانقلاب بما فيهم البشير نفسهز كما شرف في غلواء مناهضته  لنظام لإنقاذ في إطلاق الفتاوى المناقضة للفقه السّلفي الذي بموجبه قام بتدبير الانقلاب لإعادة صياغة الشّعب السّوداني كمقدّمة لإعادة صياغة البشريّة جمعاء. ولكنّه برغم هذا الفشل الماحق من حيث التّدبير وسلخ العمر في مشروع خاسر كهذا، لم يفقد إحدى صفاته الأساسيّة، ألا وهي العنجهيّة. فقد منعه الغرور والعنجهيّة من أن يقدّم اعتذاره للشّعب الذي تسبّب في إيذائه كما لم يفعل الاستعمار بكلّ أشكاله.

بمجرّد خروجه من دائرة السّلطة، أصدر حسن التّرابي كتاباً فيه يشرح ملابسات انقلاب تلاميذه عليه وكيف أقصوه من السّلطة (حسن التّرابي. 2001. حركة الإسلام: عبرة المسير لإثني عشر السّنين. الخرطوم: المؤتمر الوطني الشّعبي). يقف هذا الكتاب كنموذج لديماقوقيّة حسن التّرابي وتحايله باللغة لتعمية مواقفه بنفس القدر الذي يصلح لكشف هويّة الرّجل. بعد ذلك بثلاثة أعوام أصدر حسن التّرابي كتاباً آخر تحت عنوان الأحكام السّلطانيّة (دار السّاقي بلندن، 2003). في هذا الكتاب يكشف التّرابي مرّة أخرى عن فقره الماحق لأيّ رؤية حداثويّة للدّين وكيف يعوّض هذا بالتّلاعب باللغة. أدناه سوف نتناول هذين الكتابين اللذين يصلحان لكشف حقيقة حسن التّرابي كشخصيّة غير دينيّة، لكنّها مدركة تماماً للفعاليّة الضّخمة التي ينطوي عليها الدّين في إيصال من يستغلّونه إلى سدّة السّلطة.

 

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي