رشا عوض نشرت في 15 مايو الجاري مقالة بهذه الصحيفة بعنوان"يحاصرون حبلى في شهرها التاسع بتهمة الزنا وحد الردة والمغتصبون يتبرجون بأسلحتهم"،

وتعقيبا على مقالتي ارسل الاستاذ عبد الرحمن علي طه مقالة بعنوان”  فجيعتنا في فتاة الردة وحكومتنا ومثقفينا: تعقيباً على مقال رشا عوض” نشرت يوم 26/مايو، وقبل ان أرد على اهم نقاط اختلاف الأستاذ عبد الرحمن معي، لا بد ان أصحح فكرة خاطئة أوردها عن مقالتي، وهي أن فكرتي في رفض ومناهضة حكم الإعدام الصادر على مريم يحيى بنيت على أساس ان هذه السيدة ولدت لأم مسيحية تربت في كنفها بعد ان هجرها الأب المسلم وهي صغيرة، وهي الرواية التي كنا نعلمها، حينها ثم ظهرت رواية أخرى تقول ان السيدة اسمها أبرار الهادي وهي مولودة لابوين مسلمين ولكنها تنكرت لأسرتها بعد اعتناقها المسيحية وزواجها من رجل مسيحي، وهذا ليس صحيحا، فالفكرة المركزية في مقالتي هي بطلان ما يسمى ب”حد الردة” في الإسلام، باعتباره شكل من أشكال الإكراه في الدين، وأشرت إلى ان تجاوزه بشكل جذري ومنهجي من التحديات الجدية للفكر الإسلامي، وتأسيسا على ذلك  فان الحكم على هذه السيدة بالاعدام لمجرد اعتناقها المسيحية انتهاك صارخ لحق حرية الاعتقاد، بل وجريمة تضع المسلمين في مأزق فضائحي! لأن إرهاب الناس بالموت بسبب ما يعتقدون وما يضمرون في ضمائرهم ممارسة متحفية لا تنتمي لهذا العصر، وبالتالي حتى ان صحت الرواية الجديدة وهي ان الفتاة كانت مسلمة وتحولت إلى المسيحية أو تحولت إلى اي دين آخر أو تحولت إلى ملحدة لا تؤمن بالدين أساسا، فإن ذلك من وجهة نظري لن يغير من حقيقة ان الحكم عليها بالإعدام بسبب ذلك يجعلها  ضحية لإرهاب ديني، وهذا الإرهاب كامن في عقول كثير من المسلمين السلفيين الذين يتعبدون الله بتعطيل عقولهم وضمائرهم! لانهم يعتقدون ان فريضة التفكر والتدبر في آيات الله واستنباط الأحكام لا تشملهم هم، بل هي فريضة اختص الله بها قوما عاشوا قبل مئات السنين هم “السلف الصالح” من فقهاء ومفسرين ومحدثين ورواة سيرة، ليس امام المسلم اليوم سوى اجترار مقولاتهم وتطبيقها حرفيا في عصرنا هذا!

ولذلك فإن الكاتب تجاهل كل تساؤلاتي الأخلاقية حول مغزى تطبيق “حد الردة” وحول القيمة الوجدانية للتلفظ بكلمة الانتماء للإسلام تحت إرهاب المشانق وتفادى نهائيا الإجابة عن سؤالي حول ما إذا كان الإسلام قناعة ذاتية وانفعال وجداني بطبيعته غير قابل لتدخل اي شكل من أشكال السلطة وأدواتها القهرية لان صحته مشروطة بالاختيار الحر، ام ان الإسلام يورث عن طريق الآباء والامهات؟ تجاهل الكاتب كل ذلك وركز جهده في التهييج العاطفي ضدي باعتبار انني أهاجم “الإسلام” هكذا! معرفا بألف ولام التعريف! ولأنني مفتونة بالحضارة الغربية، واغترف من مستنقع الملاحدة والعلمانيين واللاأدريين، وهذا بالطبع كلام يخلو من أية قيمة فكرية أو معرفية ويندرج ضمن الحيل الرخيصة الشائعة في أوساط “المتعبّدين بتعطيل عقولهم” وهي حيل تركز على تصوير صاحب أو صاحبة الرؤية المختلفة كعدو متربص بالدين، وهنا يتم “التهرب المتعمّد” من مواجهة تساؤلات أخلاقية وفلسفية وسياسية واجتماعية ذات ارتباط عضوي بحياة المسلمين وتطورهم ونهضتهم وكيفية تفاعلهم مع مع عالم هم فيه أقلية إذ ان 70% من سكان هذا الكوكب الأرضي غير مسلمين، فما هو التصور العملي الذي يحمله من يعتقدون ان معيار الالتزام بالاسلام هو تطبيق الآيات والأحاديث تطبيقا حرفيا على طريقة السلف، ما هو تصورهم العملي لادارة العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فهذا التطبيق الحرفي يقتضي مثلا ان نقاتل غير المسلمين في طول العالم وعرضه حتى يسلموا او يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون حسب نص الآية، وهي آية في حجيتها أقوى من أحاديث الآحاد المختلف على سياقاتها ومناسباتها التي يرهبنا بها الكاتب في موضوع الردة، فإن كان للكاتب اي تصور لتعطيل أو تأجيل او عدم الالتزام بمقتضى آيات السيف والجزية يكون ليس من حقه مصادرة مشروعية اي اجتهاد مختلف في موضوع الردة، وقضية الردة هي قضية جزئية وأحد تجليات مأزق حضاري مركب يواجه المسلمين في عالم اليوم، والخروج من هذا المأزق لن يتحقق عن طريق إرهاب المجددين بعبارات كهنوتية من قبيل ” كيف تريد الكاتبة أن تقيم الحجة على المسلمين وتفرض عليهم مرجعية خارجية ذات طبيعة أممية دولية تجعل البشر أنداداً لخالقهم في التشريع وبالتالي ينازعونه في أخص خصائص الألوهية ألا وهي الحاكمية ؟” فهذه العبارة تصور معركتي وهي في حقيقتها معركة بين تصورات بشرية مختلفة في كيفية التفاعل مع النص القرآني ، تصورها على انها معركة مع الله سبحانه وتعالى! وبهذا فإن الكاتب وهو بشر مثلي يصعد بدون وجه حق إلى منصة إلهية ويخاطبني من هناك! ومنطقه في ذلك انه يردد آيات قرآنية واحاديث! ولكنه ينسى او يتناسى انه لا يملك اي دليل نقلي او عقلي على صحة اسقاطه لتلك الآيات والأحاديث على القضية الآنية محل النقاش! وينسى ان آيات القرآن الكريم عندما يتكلم بها الرجال(او النساء) في ميادين الصراع الفكري والسياسي لتعزيز هذه الرؤية أو تلك يتكلمون بها من حيث هم رجال ونساء استنتجوا بعقولهم ان تلك النصوص تعزز رؤاهم ومواقفهم! وبالتالي فإن الصراع مع “المنتج التفسيري ومع منطق الاستدلال” ، اي باختصار مع الكائن البشري الذي يريد انتحال صفة الله في الصراعات البشرية ليريح نفسه من عناء المحاججة!وليس الصراع مع الله سبحانه وتعالى لمنازعته في خصائص ألوهيته، ومنازعة الله  يجب ان تكون في اعتقاد المؤمنين به غير ممكنة ابتداء لعدم وجود من هو مؤهل لذلك من حيث القوة والقدرة!  

وتأسيسا على ذلك، عندما أقول لا يوجد شيء اسمه”الدولة الإسلامية” واسوق حيثياتي على ذلك، فإن من يخالفني وجهة نظري هذه عليه ان يفند حيثياتي بدلا من الرد علي بقوله تعالى”ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون” او اي اية من الآيات المحشودة في مقالة الكاتب، لانني قرأت هذه الآيات ولم استنتج منها وجوب إقامة دولة إسلامية، وتبيان ذلك تفصيلا لا تتسع له هذه المقالة، إذن انا مختلفة معه هو في الفكرة التي استنتجها من الآيات! وعليه ان يواجهني بشجاعة بدلا من هذا الاختباء خلف الآيات وانتحال صفة التحدث باسم الله وكيل الاتهامات المجانية لي بانني في حرب مع الله ورسوله من أجل تحريض الجمهور المسلم واستنفار غضبه وعدوانيته حتى تحسم المعركة بالتخويف والإرهاب! وما بمثل هذا تخوض الأمم المحترمة معاركها!  فهذا المسلك لا ينتج عنه سوى ما نحن فيه من اغتراب حقيقي عن العصر، وقد مثل تعقيب الكاتب، نموذجا لهذا الاغتراب وفيما يلي تبيان ذلك:

أولا: انتهاج أسلوب “التهييج العاطفي” و”استنفار الغضب” بدلا من النقاش الموضوعي:

نقرأ في مقالة الاستاذ عبد الرحمن  مايلي”  تحدثت الكاتبة عن السودان الذي “وقع في أسر الإسلام السياسي، وهوس ما يسمى بقوانين “الشريعة الإسلامية” وهي قوانين وضعية مستمدة من فقه وتفسيرات إسلامية منتزعة من واقع تاريخي مختلف تماما عن واقعنا المعاصر وتطوراته الحاسمة وعلى رأسها “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”أ.هـ.

وهي عبارة اشتملت على جملة من المصطلحات والمغالطات الفجة التي اشتهر به العلمانيون المتطرفون بمن فيهم ملاحدة اليسارواللاأدريين، وإنني وإن كنت أربأ بالكاتبة أن تغترف من مستنقع أولئك القوم فإنني أتساءل كيف تخاطب أبناء وطنها من المسلمين بخطاب فيه انتقاص من دينهم على هذا النحو”

التهييج العاطفي هنا يتمثل في ربط ما قلته بالإلحاد، ووضع الإلحاد والعلمانية واليسار واللاأدريين في سلة واحدة في خلط متعمد بغرض التجريم المطلق، ثم استنفار الغضب زعما بانني انتقص من الدين، في حين انني لم أفعل سوى الاختلاف مع أفهام بشرية للدين!

كما هو واضح ليس هناك أي نقاش موضوعي لجوهر فكرتي، وهو ان ما يسمى ب”الشريعة الإسلامية” هي جملة قوانين صاغها بشر لا عصمة لهم ولا قداسة وهؤلاء البشر تأثروا حتما ببيئاتهم الثقافية والاجتماعية ومستوى التطور الحضاري في كل عصر من العصور، ولكي يدحض الكاتب هذه الفكرة كان عليه ان يثبت لي ان هناك “كتلة صماء” من القوانين والاحكام التي تنظم حياة البشر بشروط اللحظة التاريخية المعاصرة، منزلة من السماء بحيث أستطيع ان أطلق عليها”الشريعة الإسلامية”، في هذا الصدد لم يجد الكاتب سوى العقوبات المنصوص عليها في القرآن على القتل والسرقة والزنا والعقوبة المنصوص عليها في “الحديث” على الردة، ولكن لافتة”الشريعة الإسلامية” المرفوعة اليوم من قبل جماعات الإسلام السياسي، مطروحة كبرنامج كامل متكامل لإدارة حياة البشر في العالم المعاصر، فهل قطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن، وقتل القاتل وقتل المرتد وجلد شارب الخمر، هل هذه العقوبات برنامج كاف لإدارة دولة معاصرة او حتى دولة في اي عصر من عصور التاريخ؟ أليس البرنامج الذي يطرح لادارة الدولة يجب ان يشتمل على تفاصيل النظام السياسي والاداري والاقتصادي، وكذلك النظام القانوني الذي لا يقتصر على العقوبات الجنائية  والمواريث واحكام الزواج والطلاق والنفقة بل يشمل كل مناحي الحياة بتعقيداتها المعاصرة؟ هل يستطيع الكاتب ان يدلنا على برنامج مفصل كهذا وله القابلية للتطبيق في دولة منتمية للقرن الحادي والعشرين ويقول بملء الفم هذه هي “الشريعة الإسلامية” معرفة بالف ولام التعريف؟ بالطبع لا، فعندما نحاصر الكاتب بمثل هذه التفاصيل، سوف يتحدث عن الاجتهاد، وبالفعل فقد كتب بالحرف الواحد” فإن المسائل الخلافية الاجتهادية التي ليس فيها نص مباشر وكذلك الاجتهاد في القضايا التفصيلية أو المستجدة كل ذلك يخضع في استباطه لقيود الضوابط الشرعية وبالتالي لا مجال لتشبيهها بالقوانين البشرية الوضعية.”

وغالبية قضايا تنظيم الشأن العام ليست فيها نصوص مباشرة، وحتى القضايا التي فيها نصوص مباشرة تتعدد التفسيرات وتختلف الأحكام المستنبطة كما تختلف الاجتهادات في تطبيقها زمانا ومكانا ومقتضى حال. ونقطة الاختلاف مع الكاتب هنا الإصرار على عدم تشبيه الاجتهادات بالقوانين البشرية الوضعية! والصحيح هو انها قوانين بشرية وضعية فعلا! لأن الاستنباط والاستدلال عمليات عقلية بشرية ، والقيود والضوابط الشرعية وما يسمى “ثوابت الشريعة” التي يتحدث عنها الكاتب هي استنتاجات بشرية مختلف حولها، مثلا”حد الردة” من ثوابت الشريعة عند الكاتب، ولكنه ليس من الثوابت عند كثير من المفكرين الاسلاميين المعاصرين، والقدامى،  وبالتالي لا يوجد  قوانين  لها عصمة او قدسية يحق لنا ان نطلق عليها”شريعة إسلامية”

هناك قيم عامة وهناك مقاصد كلية وهناك مضامين أخلاقية ولكن استلهام كل ذلك في حركة الحياة هو عملية بشرية(يقوم بها بشر)، وعملية تاريخية( تتأثر بمعطيات الظرف التاريخي زمانا ومكانا ومقتضى حال) ، وهنا تسقط تماما الفكرة المركزية للكاتب ممثلة في ان كل دعوة لإعمال العقل ونقد ما هو موجود من أحكام فقهية موروثة هو استبدال تشريع سماوي او رباني بتشريع أرضي بشري! هذه المقابلة تستبطن إرهابا فكريا وهدفها تجييش العواطف ضد كل فكر جديد وضد كل رؤية نقدية لموروثات بالية! فالمقابلة هي بين دعاة التجديد في الفكر الإسلامي ودعاة الجمود(المدرسة التقليدية النقلية الاتباعية)، وهي مقابلة بين البشري والبشري وليست على الاطلاق مقابلة بين البشري والإلهي!! كما يظهر في عبارة الكاتب التالية”إن ترجيح كفة تشريع بشري بالمخالفة لتشريع رباني يعني بالضرورة تحويل ذلك الشخص المشرِّع إلى إله يُعبَد من دون الله.” فهذه عبارة كهنوتية بامتياز! لأن أي تشريع هو عملية بشرية، على طرف النقص والقصور، وحتما متأثرة بالظروف المحيطة.  

ثانيا: الشرعة الدولية لحقوق الإنسان: يقول الكاتب”لقد وضع المقال هالة من القداسة والعصمة الكهنوتية أو الألوهية حول ما تسميه الكاتبة بـ “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان” (التي قد تبيح الشذوذ الجنسي والزنا وتحرّم أحكام الإعدام حتى للقتلة)، وهنا يعود الكاتب مرة أخرى للتهييج العاطفي مصحوبا بالتزييف هذه المرة! فالشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تتكون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي تطور تاريخي حاسم توج مسيرة طويلة وشاقة من نضالات الشعوب على اختلاف انتماءاتها من أجل الكرامة والحرية والعدالة والإخاء والمساواة والسلام، فلا يمكن ان يضعها الكاتب بين قوسي الشذوذ الجنسي والزنا! هذا تضليل وتزييف! ويحكم الكاتب بشكل قاطع انها يجب ان تكون مرفوضة من قبل المسلمين لانها مخالفة لشرع الله،  وكلما تحدث الكاتب عن شرع الله أسهب في الحديث عن الجلد والرجم وحد الردة وحد الحرابة ولم يجهد نفسه مطلقا في توصيف البديل الاسلامي الذي يطرحه هو في مقابل شرعة حقوق الانسان، فحسب هذه الشرعة كل البشر، رجالا ونساء، وعلى اختلاف اعراقهم وأديانهم  احرار متساوون في الكرامة الإنسانية وفي الحقوق، وأساس العلاقة بين الدول السلم والتعاون، والنظام السياسي داخل كل دولة يجب ان يقوم على حقوق المواطنة المتساوية والديمقراطية وما تتطلبه من حريات الرأي والتفكير والتعبير والتنظيم، وما تقتضيه من تداول سلمي على السلطة، وفصل بين السلطات ، والشفافية والمحاسبة وسيادة حكم القانون.. وهكذا.. وكل هذه تطلعات إنسانية مشتركة بين بني البشر، والسؤال الجوهري الذي كان من المفترض ان يجيب عليه الكاتب ما هو موقف “الاسلام” من كل هذه التطلعات؟ وما هي وسائله لتلبيتها؟ وما هو الموقف الاخلاقي للإسلام من مناهضة التعذيب؟ ومن تحريم الرق؟ ومن مناهضة التمييز العنصري؟ ومن مناهضة التمييز ضد المرأة،  لان اي خطاب موجه للإنسان المعاصر يسقط هذه التطلعات حتما سيكون خطابا مغتربا عن العصر.  

ثالثا: حجية السنة: لقد ذكرت في مقالتي ان عملية جمع وتدوين الحديث عملية بشرية قام بها بشر لا عصمة لهم، وقد أدخل على الحديث ما ليس منه حسب المصالح والانحيازات السياسية والاجتماعية وهو ما نتج عنه نشوء علم “الجرح والتعديل” الذي يفحص رواة الحديث، وتم  تصنيف الحديث نفسه  الى صحيح وحسن وغريب وضعيف وموضوع؟ وتساءلت ما الذي يمنع من”تنقيح جديد” للأحاديث لانه ما زالت هناك أحاديث يتضمنها صحيح البخاري نفسه وغيره مما يسمى بالصحاح فيها تناقض مع القرآن ومع حقائق تاريخية وعلمية بل ومع روح الإسلام ومقاصده وقيمه، ومن أمثلة ذلك احاديث قتل المرتد، وحديث إرضاع المرأة للرجل حتى يجوز له الدخول عليها كابن من الرضاعة(ارضاع الكبير)، وحديث ان المرأة والحمار والكلب الاسود يقطعون الصلاة! لم يجيب الكاتب على تساؤلاتي ويذكر الدليل من القرآن او المنطق العقلي الذي يفرض على المسلمين التسليم المطلق بالصحة المطلقة لكل الاحاديث المتضمنة فيما يسمى ب”الصحاح” وهي كتب سطرها بشر عاديون، فقط اكتفى بان الرفض الاجمالي للسنة معناه ان لا نصلي او نصوم او نحج وفقا للكيفية التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين، ومن المعلوم بداهة ان المقصود بالمراجعة في السنة ليس الشعائر التعبدية المتواترة، بل قضايا الاجتماع والسياسة،  وحتى تتضح الصورة هنا لا بد من إجلاء المنهج الذي أطرحه للتعامل مع السنة وهو منهج غربلة جديدة لكل كتب السنة، ولا ارى منطقا في تجريم ذلك فكما جاز للمسلمين قبل قرون ان يتفحصوا الاحاديث ويصنفوها هذا صحيح وهذا ضعيف، هذا حسن وهذا غريب وذاك موضوع، يجوز للمسلمين المعاصرين استخدام علوم عصرهم في فحص المأثورات الشفاهية، وهذا الفحص لن يقتصر على مسألة اتصال سند الحديث وعدالة الرواة فحسب بل سوف يستخدم معايير إضافية للتدقيق منها السياق التاريخي والثقافي الذي رويت فيه الأحاديث والملابسات الاجتماعية والسياسية المحيطة بالراوي نفسه وانحيازاته الخاصة، وهذا ليس ترفا، بل هناك حاجة موضوعية لفهم السياق الكامل الذي وردت فيه الاحاديث، ومن ثم التمييز بين ما يمكن اعتباره منها توجيها دينيا عابرا للزمان والمكان، وما هو توجيه ظرفي مرتبط بملابسات تاريخية تخص الفترة التأسيسية للإسلام.

فمقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان” لن تكون صحيحة إلا بمنهج فكري يميز العقائد والعبادات والمحتوى القيمي الاخلاقي لرسالة الإسلام ومقاصدها الكلية عن جانب المعاملات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو جانب متغير ومتحرك واي محاولة لاستدعاء نموذج سياسي من التاريخ وإسقاطه على واقع اليوم هي محاولة فاشلة بامتياز، اما سؤال الكاتب” إذا أمكن التهرب من القبول بحد الردة من خلال التشكيك في السنة النبوية فماذا نفعل في نصوص القرآن بشأن حدود الحرابة، والسرقة، وشرب الخمر، و حد الزنا الذي يقول فيه تعالى “ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله” ؟ وكلها حدود شرعها الخالق وتخالف قوانين المخلوقين المسماة بـ “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”؟

فإن إجابتي عليها هي انني استخلص من هذه النصوص بشاعة وقبح الجرائم التي تستوجب عقوبات القتل والجلد والقطع، ولكن وبحسب منهجي الذي اشرت إليه فإن الثابت هو حرمة القتل والسرقة والزنا والافساد في الارض، والثابت ان المسلم يجب ان يبتعد عن ارتكاب هذه الجرائم ابتغاء مرضاة الله، أما “النظام العقابي” ليس بالضرورة ان يكون ثابتا، فهو يقع في حيز المعاملات وبالتالي محكوم بسنن التطور الاجتماعي، وعقوبات الجلد والصلب والرجم وقطع الايدي والارجل هي عقوبات قديمة سابقة للاسلام نفسه، وتعبر عن مرحلة غابرة من تاريخ الإنسانية، ..

ولكن المشكلة ان هناك من يضخمون من شأن هذه العقوبات ويجعلون تطبيقها هو اهم معيار للتدين، وسبب ذلك هو سيادة الذهنية التي لا تتعامل مع القرآن بنظرة كلية لاستلهام تصور كلي لاتجاه حركة المسلم في الحياة وكيفية ربط هذه الحركة بقيمه الإيمانية، فهل على المسلم اليوم ان يتعبد الله بإعمال سيفه تقطيعا في الرؤوس والايدي والارجل وإعمال سوطه في إلهاب الظهورأم يتعبد الله بالسعي لترسيخ قيم العدالة والحرية والكرامة والاخاء والمساواة، ومناصرة المستضعفين وانتشال الفقراء من فقرهم ، والمساهمة في طرد شبح الحروب والمجاعات من حياة البشر وتعزيز كل ما من شأنه تحقيق الخير للانسانية، لا سيما ان مجتمعات المسلمين هي الاكثرمعاناة من الفقر والجوع والمرض والتخلف التنموي والتكنولوجي، بل وللمفارقة الأكثر بعدا عن قيم الصدق والامانة والعدالة والحرية، فهذه المجتمعات تحتاج الى مشاريع نهضوية لا مشاريع عقابية.

وأكثر ما أثار دهشتي واستغرابي في مقالة الكاتب إقحامه لسؤال غريب هدفه أيضا التهييج العاطفي، وهو “ماذا يقول هؤلاء عن عذاب الله لكل اولئك العصاة في جهنم؟ هل يعتبرونه (عياذاً بالله) وحشيةً من الخالق تجاه مخلوقاته؟ هل سيملأون الآخرة (كما ملأوا الدنيا) عويلاً على انتهاك سدنة جهنم لميثاق حقوق الإنسان مثلاً؟ هل سيعتبرون نار جهنم منافيةً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان لاشتمالها على تعذيب أناس بسبب معتقداتهم؟ نحن نتكلم مع المعترضين على الحد على أساس أنهم مؤمنون بهذه الأمور الأخروية الموصوفة بنصها في القرآن الذي يؤمنون به. ورب الدنيا هو رب الآخرة”

الخلل الكبير هنا هو ان الكاتب ما زال مصرا على ان يجلس مع  الله في مقام واحد(والعياذ بالله)! ويجعل اعتراضنا على فعل “بشري” هو حد الردة مطابقا تماما لاعتراضنا على ما يفعله الله بالعصاة في الدار الآخرة!  مع انني أسهبت في شرح انني ارفض حد الردة انطلاقا من قناعتي بانه ينسف جوهر الدين قبل ان ينسف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، التي ننحاز اليها باعتبارها أفضل وأعدل منظومة متاحة لحفظ حقوق البشر وصيانة كرامتهم على هذا الكوكب الأرضي! اما عندما تقوم الساعة وتبدل الارض غير الارض ويقف البشر امام خالقهم ليحاسبهم، فذاك عالم غيبي لا يعلم كنهه إلا الخالق، ولا يوجد اي منطق في هذا الخلط الكارثي للامور.

ولذلك على الكاتب ان يدرك ان الشرعة الدولية لحقوق الإنسان مشروع مطروح في مقابل مشروعه هو، وهي اكبر تحدي يواجهه هو ومن يشترك معه في الفهم المغلق للإسلام، وحتى يكون النقاش منتجا عليه ان يطرح لنا مشروعه البديل لهذه الشرعة.