د- عبدالسلام نورالدين -1- حينما وصلت مسارات نظام جعفر نميري (1969 -1985 )  في كل الاتجاهات  التي خالها صاحب الامتياز في الانقلاب المايوي   كما قد تشهى أن  تؤمن له البقاء  على مقعد قيادة عربة الحكم  في السودان حتى يفارق الحياة الى طريق مسدود  في عام (1983 ) حينما  سدد له اضراب القضاة  الذي دام ثلاثة اشهر ضربة قاضية لم يجد مناصا  من الاعتراف على طريقته الخاصة  بالهزيمة الساحقة

التي اججت منازع الانتقام في نفسيته الانقلابية التي لا  ينقصها  التامر والرعونة  والحقد  ليس من القضاة والمحامين فحسب ولكن من كل النظام القضائي  المدني بتقاليده التالدة التي تستمد اصولها من روافد شتى استقاها البريطانيون  من تجاربهم في شبة القارة الهندية ومن الجنوب العربي وخليج عدن وشرق أفريقيا وقبل ذلك ما بدا لهم   يناسب السودان تحت ادارة ثنائية يتوجب فيها على  البريطاني أن يبز  شريكه المصري  تحت سمع وبصر  السودانيين . 

-2-

رغب جعفر نميري  في قوانين سيتمبر( 1983 ) التي اعلنها أن تجب له ما قبلها من دساتير اعتمدها  ومعاهدات دولية اقرها  ووقع عليها نظامه  ولكن الاهم من كل ذلك لديه أن تعثر كل الهيئة القضائية  ذات المهابة  والجلال   والتاريخ  بشقيها الجالس والواقف التي مرغت انف دولته في

التراب باضرابها الطويل أن تعثر على نفسها  بعد قوانين  سبتمير بدون عمل باحالتها  الى مقاعد التقاعد وفي ذات الوقت لم يصدق بعض مدرسي اللغة العربية والدين والعمال القضائيين في محاكم  

النكاح والطلاق وبعض استاذة الشريعة في جامعة أم درمان الاسلامية الذين لم يتلقوا يوما تدريبا في اروقة المحاكم   بشتى تخصصاتها- لم يصدقوا أنفسهم يأكلون  من المائدة التي  نزلت عليهم من السماء  فمدوا ارجلهم باسترخاء الى حيث وصلت اصابع اقدامهم  وقد تقمص كل منهم شخص أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وفقا لمراسيم  ناجزة  صكها  صعلوك بدرجة رئيس جمهورية منح نفسه ترفيعا لذاته رتبة امام وخليفة وامير للمؤمنين ضربة لازب دون حياء كعادة الانقلابيين وكان لابد ان يتصدروا محاكم الدرجة الاولى والعليا والاستئناف مع فارق قد فارق وقتئذ عقولهم أن كل اولئك الائمة قد عاشوا قبل اكثر من الف عام في اوج ازدهار  العصر العباسي الاول بفكره المختلف عليه بين المذاهب  في الفقة وعلم الكلام والفلسفة وتفسير القران وعلى وجة خاص بين السنة والشيعة  وان  المؤسسين  الاوائل من  ائمة  الفقة  قد وقفوا بشجاعة  العلماء في وجة المستبدين من الخلفاء العباسيين  وقد ضربوا بالسياط وذاقوا الحبس ولكنهم رفضوا تولي القضاء  والافتاء لصالح  الحكام العباسيين  كي لا يكونوا مطية اهواء الخلفاء (واي خلفاء -ابو جعفر المنصور والواثق والمعتصم ) أما رجال شرع قوانين سبتمبر  فقد كانوا كالمعيز اذا استعرنا لغة الفقية الشاعر مدثر البوشي ( الا يا هند قولي أو جيزي رجال الشرع اصبحوا كالمعيز ) ولم يك غريبا أو عجيبا  أن يشنق صوفي عارف  كالاستاذ محمود محمد طة على ايدي مطايا  النميري الذين يفتقرون  الى الدربة المعرفة والاخلاق.

-3 

يتيسر في ايام  تفاتيش محاكم العدالة الناجزة تلك  لكل عابث أو متحرف لانتقام  ان يغري الشرطة  بمن يريد  ببلاغ كاذب أو كيدي -يكفي أن يشير لهم ان ثمة جماعة في “قعدة  معتبرة غير 

ابهين باحكام الشريعة ” أو ان فلانا يجعل من مقعد سيارته أوحقيبة قرينته مخبئا للخمر الذي لا يفارقه الى اخر خيوط العنكبوت التي ينسجها  عقل  يضمر الضر  والاذى لخصمه الذي ينازعه في ملكية ارض أو ينافسه في وظيفة أو قد تخطاه في بعثة  أو قريب حجر عليه لسفاهته  الى اخر مراد صغائر النفوس في البشر ولابد من اقصائه  مهما كان الثمن  وها قد واتت السانحة الذهبية فتهب  نجدة الشرطة لتدهم الشخص أو الوكر   المشار اليه في “البلاغ ” فاذا عثرت  حتى على بعض   زجاجات  فارغة وقد زعم زاعم أن قد  أشتم منها  رائحة الخمر شهر بساكني المنزل  وجلدوا  تحت اضواء   كميرات  التلفاز الذي  امسى   شائقا  لبعض  المشاهدين عوضا عن أخبار فتوحات  الفريق امير المؤمنين جعفر النميري  التي لا يطيق سماعها أحد   واذا تبين  للشرطة ان لا صحة   للبلاغ  الذي كلفهم جهدا مضنيا ومالا من دافع الضرائب   حملوه على وجة حسن بانه غيرة على االشريعة  والوقاية خير من العلاج  وعلى الذين افرج عنهم بعد استجواب وتحقيرمعلن  واتهامات باطلة ان يكتفوا من المداهمة  التي اوقعت بهم ذلة ومهانة  بالبراءة التي حلت بهم  وليس  بالطبع ثمة  اعتبار لاعتذار  عن التشهير  الذي لحق باسمائهم واسرهم  اذ لا يدخل  ذلك في  تقاليد  أو اعراف الشرطة في السودان وقد توجه الجماعات التي  انتظمت   البلاد  لتطبيق شرع اللة  تهمة  الشروع في الزنا لاي رجل وامراة يمشيان بغير تجهم في الطريق العام او معا في عربة  أو جلوسا في حديقة اذا  عجزا عن ابراز عقد الزواج الذي يجمعهما أو اثبات صلة القرابة بدرجة محارم التي تجعلهما يسيران او يجلسان جنبا الى جنب اويضحكان بابتهاج .

كان مثارا للعجب والتندر  لما  انتاب  الاحساس بالولاية  والصلاح فجاءة جعفر  النميري بعد اضراب القضاة  فأمر لاسماك النيل بانخاب مترعة من باهظ الثمن من الخمر المعتق الفرنسي والاسكتلندي والايطالي والروسي  فنهض  بعض ضباط الشرطة  الذين لا يشق لهم غبار في الابحار  

في لجج  الفساد بخدمة الاسماك باخلاص على طرائقهم الفضلى  التي درجوا عليها  حينما يصادرون  لحسابهم الخاص في حملاتهم الممنوعات والمحظورات  فحمدوا   شاكرين  للنميري  نقمته على الخمور وسعدوا ا بنتائج  محفله  المشهود بان  تسكب كل المشروبات الروحية في  قاع نهر النيل فاعادوا أنتاج خبراتهم في  ترجمة ماكرة  لتطبيقات الشريعة   لتصب في مجرى رغائبهم  بكل همة و نشاط  فنقلوا بكفاءة  نادرة وعجالة  الاطنان من زجاج  النبيذ  والجن والفودكا والويسكي والكنياك  المصادر الى  حيث لا يصل اليها غيرهم  لاعادة بيعها أو تصديرها للدول المجاورة ولم يكن لائقا أو مقبولا بالطبع  القاء القبض على الراتبين من زبائنهم الذين  يسددون لهم  نقدا وبكثير من الامتنان الثمن الذي يطلبون اضافة أن هؤلاء  الزبائن من كبار الافندية وضباط الجيش والتجار ومن لف لفهم   يمتون اليهم   في الوقت نفسه بصلة الشريحة والفئة والمدينة والجلسات والقعدات  وحفزهم كل ذلك  لمطاردة صانعات  الخمور البلدية  ومكشوفي الحال والمستضعفين في الارض كابقين  خارجين على قوانين الشريعة .

اشتاط  يوما جعفر النميري في ثنايا حمى عدالته الناجزة  غضبا  وماج وهاج في جموع رجال شرطة محاكم العدالة الناجزة  بعد مراجعة دقيقة  منه  لقائمة  اسماء ووظائف والمكانة الاجتماعية التي يحتلها  المقبوض عليهم الذين وقع عليهم  العقاب  بتهمة الشروع في الزنا أو شرب الخمر فلم يجد غير  اسماء لا صيت  لها  من ابناء وبنات الاطراف أو صغار الافندية  أوفقراء المدن  الذين يعيشون كالهوام في ازقة العاصمة وحواريها  ولا حيلة لهم أو سند  فصاح باعلى صوته: اين المحامين من هؤلاء؟ اين القضاة؟ اين استاذة الجامعات ؟ اين ابناء الاسر ؟ واين واين ؟ ثم اردف أني اعرفهم بالاسم -يشربون حتى يسقطون صرعى على الارض فاين هم من هؤلاء  الذين لا نعرفهم؟ .

**

نواصل

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk