بقلم عبدالغني كرم الله        ليتكم،  تقرأوا معي، كتيب صغير، موجز، محكم الصنع، نشر قبل ألف عام، وعام، وهو يشئ بعراقة الفكر لدى المسلمين الأوائل، كتبه شاب، حينها، مؤرق بأي طريق يسلك، وأي درب يقتفي، في سوق عظيم، يبيع ألف فكرة، متقاربة البناء، ماكرة الخطب، تسبي من النظرة الأولى، وتتشابه في المظهر للعجول، وتختلف للمتأني الصابر، من ينشد الجوهر، واللب!!

هم ثلاثة، تشدني رقة قلوبهم، وصلابة إرادتهم، منهم أبي العلاء المعري، الذي رفض الإسلام الوراثي، وتفحص الأمر بعين البصيرية، حتى قال (في اللاذقية ضجة، بين أحمد والمسيح، هذا بناقوس يدق، وذاك بمئذنة يصيح، كل يمجددينه، ياليت شعري ما الصحيح؟)، ثم بلور، بعد ضلاله المبارك (وجدك ضالا، فهدى)، يقين طيب في قلبه، ملأ به مشروعه الفكري والشعري والفلسفي العظيم.

       أما الثاني، فهو حديث عهد، أنه التجاني يوسف بشير، الذي كان يعتد بنفسه، وبيقنه الخاص، الفردي (لا تزر وازرة وزر أخرى)، فقيل عنه (كفر أبن يوسف)، وهو كاتب القصيد الأحلى، في الحب (الصوفي المعذب)، كشأن الفقه الميت، الجاف، كفر به، وهو أعظم المؤمنين، قد أزيد، وأقول رابعهم معاوية نور، وقصته البديعة، الجرئية (إيمان)، ولكن تلكم القصة لها شأن آخر، ومقال..

        أما ثالثهم، أقصد الفتى الضال حينها، الصادق في توتره، ابي حامد الغزالي، كي يكون نبراسا لشباب اليوم، ليس في اقتفاء أثره، ولكن في طرائق التفكير، الحرة، الشجاعة، التي تبدو جلية في تلكم الكتاب، والبحث عن حل شخصي لهموم ذاتية، أعترته، قبل عشر قرون، كما تعتري جيل اليوم، وكيف السبيل للوصول للحق، وتحقيق الفردية، بعيدا عن سطوة وجبروت الجماعة، أيا كانت، (لا تكن إمعه، ولكن وطنوا أنفسكم) تلكم السنة الغائبة، وأن كانت الطرائق بعدد الخلائق، في العثور على النفس، ولكن بالتلاقح الواعي، وتوظيف العقل، والتروي، والصبر، والتأمل، والتقصى، والاستنباط، وكل حيل المنطق، بل والعبادة والتقوى، حتى يفتح الله البصيرة، بنور اليقين، وكل هذا استعرضه الكتيب، الموجز (المنقذ من الضلال)، والدي يغري بمتعة القراة، بما فيه من محطات يسرح القارئ فيها، ويحس بمعاناته الحقيقية، ما أجمل تفكيره، وما أغربه، وما أعمقه، وما أقربه لهواجس النفس، ووسواسها، ليوم الناس هذا..

       قرأت الكتاب أول مرة وأنا في الجامعة، في الداخلية، بعيدا عن وطني، وأهلي، أتعجب من سبل الرزق، والتعليم، لم لا تكون في وطني المديد، هل جهلت مصدر الزرق؟ أم عصفت بي أحلامي؟ أم أخطاء رسل السياسية في بلادي بعيد الاستعمار؟ من الجاني؟ أنا، أم هم، أم القدر؟ أم سوء ظن بالرازق القديم، للمال، والعلم، أي كنت ضال، مؤرق، أحسب أن إيماني بالله، ورسوله، كان ضربة لازب، عرف وراثي، تلبسني، بلا حول مني، أو قوة، سوى أني ولدت في مجتمع مسلم، وعرف مسلم، وتقاليد مسلمة، مثل توتر الشاب الغزالي، نفسه، قبل ألف عام من توتري، في حواري بغداد، حيث وجد نفسه، يصلي، ويصوم، أب عن جد، ولكن نفسه الأبية، وعزة روحه، رفضت الإيمان بالتقليد، والمحاكاة، ولو في أعظم القيم، أبت ألا أن يكون لها هدف السبق، بيده، لا بيد جد، أو والد، أو عمرو..

        تصفحته، بنهم، فهو صغير، غير مسهب، غير ممل، ولا مخل، أي الكتيب، بعد أن رأيت الغزالي، بعين خيالي، يتجول في طرق دار السلام، يرسل بصره للنجوم، عسى ولعل يجد شفاء لما يمور بحناياه، يقلب كتب الوراقين، القديمة، المجلدة بإتقان، أرسطو، سقراط، ديوجين، ثم ينشد راحة، فيجلس في ظل شجرة، يقرأ بنهم، ويحلل، وينقد، كتب الاشعرين، وأهل الكلام، والباطنية، (هم رجال، ونحن رجال)، معتدا بطموحه، وعقله، بل وقلبه المحب، للحياة برمتها، وسر صنعها.

       للحق لم أشعر به سوى صديقي، أي ابي حامد الغزالي، وهو المولود عام 1058م،  قد ألتقي به هذا المساء، في الطريق للبيت، أو النادي، أو ملعب كرة قدم، أو في قهوة كوستا في شارع المطار، سأعرفه بملابسه، نفس ملابس أهله، وتراثهم، عباءة وقفطان، وعمامة كبيرة، ولكن عقله عاش هنا، الآن، ونتسامر معا،  لتشابه الهم، والاسئلة والمعضلات، والخواطر التي اعترت عقله، وعقلي، والمواجد التي حامت بقلبه، وقلبي، و ودوما أتعجب من تاريخ بني آدم، نفس المعضلات، والهموم، هي هي، عبر الحقب، والقرون، ولكن في لبوس مصطلحات أخر، ولكن الطعن طعن أبي محجن، والقفز قفز البلقاء، فعضة الجوع هي هي، التي انهكت أبي العلاء، وأدريس جماع، أو أمل دنقل، يوسف أبورية، وقضية التسيير والتخيير التي أعيت المعتزلة، والصوفية، والاشعريين، هي نفسها التي يطل وجهها في منابر الفكر والدرس اليوم، عند المرحوم فرج فودة، وعمارة، وابوزيد، والنور حمد، كأننا يا سعد، لا رحنا ولا جئنا، كما قال عابد الجابري، في أحد كتبه، التي تنعي عقل العرب، وأن مشكلاتهم ثابتة، من العصر العباسي، ولعصر الثورات الشعبية، الغاضبة، العاتبة اليوم، على تركة الماضي، وبؤس الغد الموعود، ولكنها تحلم، ككل ثورة عاطفية كبيرة، تنشد الثورة الفكرية، التي تحدد لها خطوها، وتجسد حلمها العاطفي العظيم بالتغيير، وقد أحدثت الثورة العاطفية، دورها، والتي ملت من تهميشها، ودفن مواهبها، التي تحس بها تمور في قلبها العظيم، وآن للثورة الفكرية أن يشرق فجرها، وتلقح ما صنعته الثورة العاطفية، حين دفنت أصنام التحجر، وطلاب السلطة،، حتى يستعلن نور الفكر والحرية، في أرضنا، وفي العالم أجمع..

       كل يوم، يتسكع الفتى في طرق بغداد، زاهدا، متفكرا، كأنه في سنة أولى دين، وهو الواعظ المشهور، حافظ الفقة، بمذاهبه الأربع، على ظهر قلب،  المشار إليه في كل دور بغداد، ومجالسها، الشيخ أبي حامد، حكيت عنه مئات الحكايات، عن تغير دربه، من فقه ودرس، لسلوك وزهد، وقد عثر، وهو في درب التأمل، والفناء، على نفسه، وتصالح معها، ورأى ثروة لا تضارع، بين شغاف قلبه، جعلته مثل بشر الحافي، حين مر به السلطان، فقيل له أين أنت من هذا؟ فقال كلمته الشهيرة، البليغة، الشاعرية (نحن في لدة، لو عرفها الملوك، لجالدونا عليها)، فقد كان الفتى يحوم طرق بغداد، مستفسرا، يجلس حينا مع القرامطة، ثم يحج للمعتزلة، ثم يقرأ فلسفة اليونان المترجمة، وكل يوم يرجع بيته موجع البطن، مرهق الفكر، يبحث منقذ من الضلال الصادق الذي اعترى قلبه، وعقله، بل وجسمه مرضا وحمى، وسهر.

       كنت أتعجب من صدقه، وهو المشهور في بغداد، وقد بلغ من الشهرة مقصدا، ومبلغا،  حكى عن أزمته الروحية، والنفسية، بصدق نادر، شجاع، ولا رسو في اعترفاته، يطاله، أسمعه يهمس لك، بصدق، وحزن (ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال.. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر)، يبوح لك بحميمية هي أصل الدين (أين نحن منها اليوم؟ كل يدعى وصلا بليلى، وليلى لا تقر لهم بداك)، فأمر الدين كله، قائم على أنجاب أخوة ساحرة، طيبة،، في كل بني آدم، الأب آدم، والأم حواء (وأن كان في اصلهم شئ يفاخرون به، فالطين والماء)..

        أين هو ممن استكانوا في سرادقات العزاء، وأروقة الأزهر، والجامعات الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي، ونسوا الدين، في تعليم الدين للشباب والأمة،  وصاروا رجال دين، بلا دين، بل بلغ بهم النفاق، أن يزينون للحكم، وبآي من القرآن، فعله، وقسوته، وهم يرفلون في كساوي الشرف الدينية، المزينة بالذهب والفضة، لسانهم أحلى من العسل، وقلوبهم أنتن من الجيف، وفي موائد الحكام، يتصدرون المجلس، وينحنون بأدب له، لا لله الواحد القهار!!..

تعجبت من الفتى، وهو يمضي بجرأة في نقد ذاتي، في نقد نفسه، وطريقة عيشة، حتى أنكره قلبه، فأصابه مرض، وهزال (ما أصدقه)، من سهره، وعزلته، وضلاله، وصار تلميذا، جاهلا، في قارة نفسه، وعمق روحه، بعد أن كان مُعلما، بل معلما، (لا يفتى،  وأبي  حامد في بغداد)، ولكنه الصدق مع النفس، من أولي العزم، فالدين ليس فقه، بل أغوار نفسية، ووجود يسبر، وطاقات عظيمة، فكرية وعاطفية، تعاش  في جوارح خليفة الأرض، الإنسان، وهو سلوك صارم، لفتق سر الرضى، من جوارحه، كي يحس برضى عظيم، وسكينة كبيرة، تغشى خواطره وسعيه بين الناس، فالعابد، المجود، أنى كان، يشعر بحياة البرعم، قبل النمل، قبل الحيوان، قبل الإنسان، فهل شمس القلب وقمر العقل، تحجب عن رؤية معالم الكون وسره؟، وفيها فراسة المؤمن، الناظر بنور الله؟ وهل أشعة أكس، البسيطة، والتي بمقدورها ان تخترق الجسم، وتصور العظم، تشبه “فراسة المؤمن الحق”، وهو يتفرس الكون أجمعه، بنور قوي، يتسلل لأدق أغوار النفس، ويطلق الحبيس من القوى، بل يضئ لها دروب الخروج لها، من طوايا النفس، كي تصبح وقائعا وسلوكا عجيبا، مرضيا، لمن رأى، وسمع،  في كل الأديان، حتى أن تلاميد بوذا قالوا عنه: ( كان يمشي بسلام، ويحيي بسلام، وكانت في عينيه أمومة عظمية، تسلب لب كل من يسلم عليه، ويصافحه، وكانت خطواته، حيث يسير، لا تتعجل الخطوة المقبلة، ولا تفر من الماضية، كأنه يرى الكون للمرة الأولى، وكأنه يعرفه كأخ وصديق، أي الكون)، فحين تشرق أنوار اليقين في الجسم البشري، يسمو لجسم إنساني، حتى عرقه يصبح عطرا، وفهمه يشمل الكون، وعاطفته تحس بكل برعم، وغيمه عابرة (أنحن أحياء؟ مقارنة بتلكم الأجسام، التي تشعر، وتحس، وتفكر بعمق؟ أين جسدنا (شبيه النخلة/التنينة الحمقاء، مفصلة ظلها على جسدها)، مقارنة بجسم  (لا يشاك أحدكم الشوكة حتى أشعر بألمها في قدمي)، أشعر بأنا يجب أن نقمز مهاز الفكر، كي تحج خيوله الغراء، لأفاق جديدة من الفكر والإلهام، كي يخصب العقل المسلم الحياة، برمتها.

       تلكم قضية الغزالي، الحرية والجمال الإنساني، وكأنه صنو ديستفوفسكي حين قال (الجمال سينقذ العالم)، جمال الفكر، فكتابة الشهير، الصغير،  قول صدق، في وجه أعتى الجبابرة، من رسل التحجر، والجمود، وهو في الختام، تحقيق جنة للجسد، بسعة الجوارج، ورضى القلب، وصفاء الحواس، كان يبحث عنه نفسه، وعثر عليها، بعيدا عن حياة القطيع، والعمران البشري، فكان فردا، في لبوس مجمتع، وكأن مؤثرا، ونافعا، وخلق حوار خلاق، مع الفكر الفلسفة، في تهافت الفلاسفة، وصنوه تهافت التهافت، لأبن رشد، ولم يكن بينهم عنف، بل نقد، ونقد النقد، ونقد نقد النقد، فما احيلاه، وللحق أجمل مافيه هو أعتراف شخصي فريد، لشخص مثلك، وهنا تكمن (الإحساس بالفردية)، بالأنا، التي غيبت تماما، في غناء القطيع الكادب، فليتنا، نلم شظايا الروح المبعثرة، كل على حداه، ونعترف لأنفسنا (أن لم يكن للجميع)، مثل الغزالي، وشجاعته (بأننا أكثر ضمورا، وفتورا، وتبلدا)، عسى أن يستيقظ المارد فينا، ونحيا وفق ما تمليه علينا الدوافع الخيرة، النبيلة فينا، وليس محاكاة لما كان، بل نجسد ما سيكون، فملاك الموت، ليس للأرواح فقط، بل للأفكار والأعراف، كي تلد الحياة أجنة أخرى، من رحمها، أجنة أخرى، وتفسح لها سبل العيش،  ما طاب من نفوس، متنوعة، ملونة، كجناح فراش، في فكرها، وشعورها، وطيبتها، وجمالها .

ليتكم، ترشفوا، مسرات الكتاب الصغير، الكبير، الممتع، وهو يعتبر من رواد السيرة الفكرية في العالم أجمع، فما أمتع قراءة كتاب، لرجل يحوم عقله الكبير، في بضائع كثر، مزجاة، عرضت في سوق الفكر، كي يختار ما يلزمه، ويشبهه، ويعينه، ويحقق حلمه العظيم

       للحق لم اشعر بمعنى الآية، وما أكثر معانيها، الآية الكريمة (ووجدك ضالا، فهدى)، إلا من خلال تلكم الكتيب، وكأن الجاد في ضلاله، المثابر على التقصي، يهدئ، لأن عقله يطلب اليقين من أبوابه، ويطرقها بحرفة، ويطيل المكوث قربها، (أطرق يفتح لكم)، فيأتيه اليقين من باب القدس، لأنه لمن صدق، وليس لمن سبق، ولو سبقك بألف عام، وعام…

       كان صديقنا معا، (القراءة صداقة مع الأحياء والأموات)، ابي حامد، والذي ظلت حياته تشغل الناس، بل شاهدت الشعوب الاسلامية، مسلسلة الشهير، قبيل شهور، فصار شخصية شعبية، يعرف الناس، قلقه، وجلوسه في أركان المسجد الأموي، مختفيا في شخص دوريش مجهول، فليتنا نلحق بتلكم الشعبية له، ونطلع على أمثولته الرائعة، في حرية التفكير..

       أعيد قراته، كل مرة، وأشعر بأني أسمع  أغنية فكرية، تغنت قبل ألف عام، وعام، عن كتاب صغير، كبير، معا، صنو رسالة حي بين يقظان، وأبن فضلان العجيب، كلهما توأم فكر، وبحث وتقصي أصيل، وعتيق، جعلى الفتى ينتقل من الشيخ ابي حامد، إلى حجة الإسلام، حيث سار بالعقل للقلب، ومن القلب للعقل، جامعة الحكمة والدين والأدب والعلم، في بوتقه صغيرة، تسمى مجازا، كتيب (المنقذ من الضلال)!!… 

 

عبدالغني كرم الله