خالد فضل الجنجويد ارتبطوا في الذهن بعمليات السلب والنهب والتفلت , لذلك يحاول البعض ربط قوات الدعم السريع بها للتقليل من شأنها والحط من دورها .

هكذا أجاب الجنرال الأمني العباس قائد قوات الجنجويد التي اعيد تعريفها رسميا ب (الدعم السريع )في لقاء تلفزيوني بثته قناة الخرطوم الفضائية مطلع الاسبوع الماضي عندما سأله محاوره عن علاقة قواته بالجنجويد .

ثم استطرد القائد الجنجويدي في شرح مهام قواته وتكوينها حيث قال إنها قوات خاصة تتبع لجهاز الأمن كونتها الدولة مؤخرا للقيام بمهام خاصة تتعلق بدحر التمرد والخروج على القانون وتهديد النظام الدستوري وتقويض الامن , وعندما سئل عن تكوينها ؟ أجاب بأنها تتكون من حوالي 1500عنصر من منسوبي القوات المسلحة بالاضافة الى مجموعات أخرى تم انتقائها بعناية معظمهم من ابناء دارفور مع بعض العناصر من الشمال ومن الوسط وكردفان . ثم مضى يبرر قائلا إن مسألة استعانة الحكومة بمثل هذه القوات متعارف عليها فالولايات المتحدة الامريكية عندما فشلت في ضبط الأمن في العراق استعانت ب (قوات العشائر ) لمحاربة ما تسميه الارهاب , وفي عهد الحكومة الديمقراطية برئاسة السيد الصادق المهدي تم تكوين قوات السلام في منطقة بحر العرب وقد لعبت تلك القوات دورا مهما في دحر التمرد وتثبيت الأمن وقتها وتم تحويلها لقوات الدفاع الشعبي قطاع بحر العرب لاحقا , ولكن عندما حققت تلك القوات انتصارات ساحقة على التمرد تحركت بعض الدوائر المعادية للبلاد ونذكر هنا كتابات بلدو وعشاري واتهاماتهما لتلك القوات (كان المذيع يسبق ضيفه في ايراد اسمي د. بلدو ود.عشاري , ربما امعانا في تأكيد ثقافته العالية أو تأكيدا لإستحسانه لفكرة تكوين مليشيات عشائرية لحماية السلطة ووصم أي تدقيق وبحث وتوثيق لما تمارسه تلك المليشيات بأنه عمالة وخيانة , فنحن في الواقع نعيش في عهد الجنجدة بامتياز , وبعض الاعلاميين جنجويد مسلح بوسائط اعلام سريعة الانتشار ولا أدل على ذلك من قول قائد فيلق الجنجويد الاعلامي اسحق أحمد فضل الله بأنه يكذب ويتحرى الكذب لأنه يحرس بوابة الاسلام في السودان ). أما قائدها الميداني حميدتي فقد كان أقل تشذيبا للحديث وهو يحاور الصحفية أميرة الجعلي التي تعمل لصالح صحيفة اليوم التالي , إذ أن تكوين قواته بحسب افاداته يضم بصورة أساسية منتسبي بعض القبائل العربية في دارفور , ومن ذلك اشارته لتركز التمرد في مجموعات سماها (الفور والزغاوة والمساليت ) ولكنه أشار الى وجود بعض منسوبي التنجر والتامة ضمن قواته , ومن إفاداته اللافتة قوله أن قواته متخصصة في ملاحقة قوات حركة العدل والمساواة , وأنه لا يعلم شيئا عن نشر كتائب من مليشياته حول الخرطوم لتأمينها , وأن بشرى الصادق المهدي الضابط في جهاز الأمن هو الذي تولى تدريب هذه القوات .(لعله بذلك يرد على الامام الصادق المهدي المحبوس على خلفية انتقاده لهذه المليشيات) وقوله تك لغنامية المك ( يمثلها هنا جهاز الأمن ). أما أخطر ما قاله حميدتي في ذلك الحوار الصحفي , فهو اشارته الى افراغ جبال النوبة من المواطنين إذ قال (إنهم لم يجدوا مواطنين في جبال النوبة إنما وجدوا المتمردين فقط فهل قتلنا للمتمردين عمل بطال ). هنا نلحظ أن حميدتي من دون أن يدرك لخطورة قوله يعبر عن الحقيقة التي تتداولها وسائط الاعلام العالمية والتقارير الدولية وبيانات الجبهة الثورية عن مخطط التهجير وافراغ جبال النوبة من مواطنيها ومن ثم اعادة تشكيل ديمغرافي وفق ما يشتهي تنظيم الاسلاميين المهيمن , وبنظرة عنصرية محضة منحازة لصالح الهيمنة والنفوذ العربي في السودان , وقبل سنوات طرح عبدالرحيم حمدي فكرة تركيز التنمية والخدمات في نطاق جغرافي واثني وصفه بالمتجانس على شكل مثلث رأسه في دنقلا وقاعدته الابيض سنار , عرف اعلاميا ب (مثلث حمدي) الآن يكشف القائد الجنجويدي حميدتي عن الخطوات العملية لتنفيذ فكرة ذلك المثلث مع ربط ذلك كله بتصريحات الرئيس البشير المشهورة ابان الحملة الانتخابية لمرشحه أحمد هرون ( زميله المطلوب كذلك للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بالابادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب في اقليم دارفور)عندما قال البشير في المجلد حاضرة قبيلة المسيرية ذات الاصول العربية : تاني اتفاقية مافي وان ولعت بنخلي الجلابية ونلبس الكاكي ونطلع الجبال والكراكير بالبندقية والدبابة والحصان . هاهو حميدتي القادم من نيالا يؤكد طلوعه الجبال بالبندقية ولم يجد مواطنا بل وجد تمردا , إنه يعزز ذات الادعاء الاعلامي وحملات غسيل المخ والكذب المكشوف بأن مواطني جبال النوبة كلهم متمردين , لأننا بقراءة ما قاله حميدتي بأنه لم يجد الا المتمردين وبما تفعله الطائرات من قصف شبه يومي لمناطق المدنيين بما في ذلك قصف مستشفى الرحمة , يتأكد لكل ذي بصر ولو ضئيل أن النظام ومليشياته يمارسون عملية تصنيف ضد بعض أبناء الوطن ووصفهم بأنهم غير مواطنين بل هم متمردون وكأنما التمرد على التنظيم الاسلامي المستبد يسقط حقوق المواطنة!!!!

وغدا عندما تطال الاتهامات الموثقة حميدتي والعباس وقوادهم وقواتهم بارتكاب الجرائم وانتهاكات حقوق الانسان سنرى المسيرات والزوبعة الاعلامية الفارغة عن الاستهداف وسنسمع لغة ما بنسلم ولا كديسة وتحت الجزمة . بينما المتهم يقول بنفسه وطوعه وعلى صفحات صحف الخرطوم وتحت رقابة جهاز الأمن المسبقة على الصحف ( أنه لم يجد مواطنين بل متمردين قتلهم )بمعنى أن الضحايا الذين يسقطون في مناطق العمليات يستحقون القتل , وقد سمعت احد القادمين من مناطق جنوب كردفان يقول ان الانصار هناك ينتظرون تقديم امامهم الصادق المهدي للمحكمة حتى يركبوا ويحضروا للخرطوم يحملون عشرات الادلة على فظائع وانتهاكات موثقة لمليشيات الجنجويد في مناطقهم . وليس بعيدا عن عقلية الجنجويد لعل المشاهدين للفضائية السودانية في يوم اقتحام قوات حركة العدل والمساواة لمدينة ام درمان (مارس 2008م) قد تابعوا حديث أحد الضباط الذين استنطقتهم القناة وهو في قمة الحماسة يقول ( لقد دحرنا الخونة وطاردناهم وقتلنا الاسرى في الشوارع ). ثم يعود حميدتي للقول بأنهم لم يجدوا مواطنين انما متمردين !

  لقد ابتدأ عهد التمكين والفساد الاسلامي في السودان منذ ربع القرن ببرامج عسكرة أوجه الحياة السودانية فتحولت ساحات الجامعات ومكاتبها من اماكن للوعي والاستنارة والتعليم الى بؤر للارهاب والتشوين والتسليح وصار الزي المدرسي لتلاميذ المدارس الى بزات عسكرية , وتم تجييش الطلاب والشباب والنساء وحتى الاطفال والشيوخ من اساتذة الجامعات الى عطالى الفرقان والقرى , ولم يشفع كل ذلك فلم يقطع ارضا ولم يبق ظهرا فانهار الوطن باكمله سياسة واقتصادا واخلاقا وارضا وبشرا فما المرجو من الجنجدة الراهنة غير النعيق فوق ركام الوطن ؟