عصام جبر الله منذ أعوام تٌستخدم مفردة "الفساد" في السودان كوصف للأنشطة و العمليات التى تحدث  في جهاز الدولة، من  قادته و من منسوبيه 

و لحد كبير أيضآ في الأنشطه الاقتصاديه في القطاع الخاص أو الخليط ذات الصلة بالدولة, نزعم أن معظم ما  حدث و يحدث لا ينطبق عليه تعريف الفساد , لا يعنى هذا انه لم يحدث فساد بل ان هذا نشاط  مختلف و ممارسة أخرى , نميل الى أنها تحمل أكثر صفات و سمات الجريمة المنظمة لكنها تختلف عنها في سمات أساسيه تجعل من الممكن القول أننا أمام طور أو حاله جديدة . نطرح في البدء بعض التعريفات الأكثر قبولا  لمصطلحي الفساد و الجريمة المنظمة و الفوارق بينهما و لاحقآ ننتقل لتناول الحالة السودانية على ضوء ما هو متاح من معارف و معلومات..

مهم هنا التأكيد أن هذه المؤسسات لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الصراع الاجتماعى و السياسي في المجتمع المعين و لا بمعزل عن الصراع حول الحقوق و الحريات السياسية و الاجتماعية و الثقافية فيه, فهى تعبير عن أزمات داخل هذه المجتمعات و أعراض لأوضاع الظلم الاجتماعى و الاقتصادى , عولمة الفساد و الجريمه المنظمة و ترسخ نفوذهما القطرى و الاقليمي و الدولى هو من ظلال عولمة رأس المال المالى و التدخلات العسكرية و الصراع حول الموارد و النفوذ و قهر حركات الاحتجاج الاجتماعى و السياسي و الحقوقي.

الفساد:

التعريف المباشر للفساد هو: اساءة استخدام المنصب العام للحصول على منافع شخصية

(Wikipedia , The World Bank, Transparency International )

تعريف  أكثر شمولآ للفساد هو تربح و استفادة المؤسسات أو المنظمات أو الشركات أو الأفراد بطريقة غير صحيحة من منصبها أو موقعها في النشاطات الجارية بما يتسبب في اضرار او خسائر للمال العام. و يشمل هذا إعطاء وتلقي الرشاوى والابتزاز والواسطة والمحسوبية، والاختلاس، والاحتيال، وتضارب المصالح، و التبرعات النقدية غير القانونية من و للأحزاب السياسية “.

(Swedish International Development Cooperation Agency SIDA) 

 

في ذات الاتجاه يضيف الدكتور صبرى محمد خليل

الفساد اصطلاحاً تعددت تعريفاته ، لكن هذه التعريفات تشترك فى وصفه  بانه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص ، حيث يعرفه معجم أوكسفورد الإنكليزي بانه (انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة  والمحاباة)،وتعرفه منظمة الشفافية العالمية بأنه (استغلال السلطة من اجل المنفعة الخاصة). اما البنك الدولي فيعرفه بأنه (اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول او طلب ابتزاز او رشوة لتسهيل عقد او اجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء او وسطاء لشركات او اعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات او اجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق ارباح خارج اطار القوانين المرعية. كما يمكن الفساد ان يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة من دون اللجوء الى الرشوة وذلك بتعيين الاقارب او سرقة اموال الدولة مباشرة ومن خلال هذه التعريفات يتبين لنا ان للفساد  صور واشكال متعددة منها الرشوة و المحسوبية المحاباة و الواسطة و سرقه المال العام والابتزاز و التقاعس عن اداء الواجب و عرقلة مصالح المواطنين

د.صبرى محمد خليل مفهوم الفساد: تعريفه واسبابه و وسائل مكافحته).

الجريمة المنظمة:

التوصيف العام للجريمة المنظمة هو  أنها مجموعة أو شبكة من البشر التي تركز أنشطتها  في المقام الأول على الأرباح التي يتم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة،  ترتكب هذه المجموعة و بطريقة منهجية  جرائم خطيرة ذات عواقب اقتصادية و  اجتماعية كبيرة.

يعرف هوارد أبادنيسكي(Abadinsky ,Howard)

الجريمة المنظمة بأنها مؤسسة غير أيديولوجية تتكون من عدد من أشخاص بينهم علاقه اجتماعية وثيقة، و يتم تنظيمها على شكل هرمي من ثلاثة مستويات على الأقل ، هدف المؤسسة تأمين الربح والسلطة من خلال الانخراط في أنشطة غير قانونية و قانونية.

قد يتم التعيين للمناصب والمواقع في التسلسل الهرمي على أساس التخصص الوظيفي أو  القرابة أو الصداقة، أو التعيين  وفقا للتخصص المهنى أو المهارات لمواقع في الهرمية لا يعتمد وجودها على الأفراد الذين يحتلونها في أي وقت معين فهم يمكن استبدالهم في اى لحظة,  ويسعى الأعضاء  لديمومة و استمرارية المؤسسة  و أن يسعوا جاهدين للحفاظ عليها  في سبيل تحقيق أهدافها. المؤسسة  تحارب المنافسة من خارجها أو داخلها و لا تسمح بها، وتسعى جاهدة لاحتكار و فرض سيطرتها على  صناعة/صناعات أو سوق /أسواق أو حدود جغرافيه المؤسسة على استعداد لاستخدام العنف و / أو الرشوة لتحقيق الغايات أو للحفاظ على الانضباط داخلها. عضوية المؤسسة عادة حصرية، على الرغم من أن غير الأعضاء يمكن أن تشارك في أنشطتها في حالات طارئة أو استثنائيه. للمؤسسة قواعد و قوانين واضحة، شفوية أو مكتوبة، والتي تنفذ كعقوبات و تشمل القتل.

على الرغم من عدم وجود تعريف شامل متفق عليه للجريمة المنظمة الا ان هناك سمات محددة يمكن استخدامها للتمييز بينها و بين أنماط اجرامية أخرى , هذه السمات هى:

1. ليس  لديها أهداف سياسية

2. هرمية البناء

3. لديها عضوية محدودة أو حصرية

4. يشكل ثقافة أو بيئه باطنيه فريدة من نوعها

5. تسعى لديمومة نفسها

6. على استعداد لاستخدام العنف غير القانوني

7. احتكارية

8. تحكمها قواعد وأنظمة واضحة مكتوبة و/أو شفهيه

يضيف البانيز جاى أس

(Albanese, Jay S.)

  أن المؤسسة تتم المحافظة على وجودها المستمر من خلال استخدام القوة والتهديد، و / ​​أو افساد مسئولى الدولة.

بلوك   و

(Block)

  الجريمة المنظمة هى  نظام اجتماعي  يتكون  من علاقات مصالح و عمل تربط بين مجرمين و سياسيين و مسؤولين عن إنفاذ القانون و رجال أعمال , الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الواقع هى اعتبار رجال القانون والسياسيين المتورطين في المؤامرات الإجرامية هم في الواقع مجرمون محترفون و في هذه الحالة يلعبون دورا مزدوجا.

(California Commission on Organized Crime)

الجريمة المنظمة هى أساليب العنف والترهيب والفساد والتي يمكن تنفيذها بنجاح في حالة عدم  إنفاذ القانون بشكل فعال  من قبل مجموعات اجرامية منظم ضد أية نشاط اقتصادى أو اجتماعى ينتج أرباحا كبيرة. الدافع الأساسي هو دائما احتكار بعض الأنشطة التي تنتج أرباحا كبيرة

 (Cressey)

والجريمة المنظمة، بحكم تعريفها، تحتل مكانة في النظام الاجتماعي، وهي “منظمة” تم تصميمها بعقلانية و وعى لتعظيم الأرباح عن طريق أداء الخدمات غير المشروعة وتوفير المنتجات الممنوعة قانونا التي يطلبها أعضاء المجتمع الأوسع الذي توجد فيه.

يؤكد كيرسي دونالد آر سمات الجريمة المنظمة مثل:(1) التنظيم الشمولي؛ (2) الحصانة والحماية من القانون من خلال تقديم المشورة المحترفه أو التخويف أو الفساد، أو كلها مجتمعة، من أجل ضمان استمرار أنشطتها؛ (3) الديمومة و الاستمرار؛ (4) التركيز على الأنشطة عاليه الربح سريعة العائد و منخفضة المخاطرة  ، و التى يسهل استغلال  الضعف الإنسانى في تنفيذها؛ (5) استخدام التخويف ضد أعضاء المنظمة و ضد  الضحايا، وغالبا ضد    أفراد الجمهور؛ (6) تواصل العمل و المحاولات لتخريب و افساد الحكومات الشرعيه و مؤسساتها؛ (7) الانضباط الصارم في التسلسل الهرمي للمنظومة.

 

 

 

 

زاويه أخرى للنظر في المسأله أثارها الباحث سميث دوايت

 Smith, Dwight C.

خاصه بأسباب بروز ظاهرة الجريمة المنظمة و علاقة ذلك بالسوق و الاقتصاد المشروع “كيف يجب التعامل مع مسألة تعريف الجريمة المنظمة؟ ببساطة شديدة: لا يجب البحث في الجريمة المنظمة نفسها. فهى كمفهوم مستجد، على الأقل في الاستعمال المعاصر، فإنها لا تمتلك منطقها الخاص بها، ولفهمها تحتاج إلى تفسيرات من خلال مجموعة متنوعة من زوايا النظر. السؤال ليس: “ما هي الجريمة المنظمة؟” بدلا من ذلك، فإن السؤال هو: “أية معارف و رؤى يمكن الحصول عليها من التاريخ، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس و حتى من الفلسفة واللاهوت، التي تسهل جهود فهم أسباب حدوث الظاهره التى نسميها الجريمة المنظمة، وما هى تلك القوى التى تؤدي  لحدوثها؟

عند النظر الي الجريمة المنظمة  بعيدآ عن الافتراضات التقليدية حول جرائم الطبقات الاجتماعيه الدنيا، سنجد أن الجريمة المنظمة أصبحت مجموعة فرعية من مشكلة اقتصادية أكثر انتشارا. أنها تمثل في الواقع امتدادا للسوق المشروعة في المناطق الممنوعه قانونيآ . قوة دفعها تنبع من نفس الدوافع و الاعتبارات الأساسية التي تحكم الأعمال في السوق المشروعة أى تحقيق المكسب و الأرباح. الاختلاف يكمن في أنماط السلوك التي ركزت على الإجرام عموما بدلا من روح المبادرة و الخلق تعكس ديناميات السوق غير المشروعة و ادخال  أنشطة السوق المشروعة في المناطق الممنوعه عادة في  السعي وراء الربح واستجابة للطلب غير المشروع الكامن

على الرغم من أن التعريفات التقليديه الشائعة للجريمة المنظمه لا تشمل جرائم من يعرفون ب “ذوي الياقات البيضاء” والإرهاب ضمن تعريفها للجريمة المنظمة، من المهم التأكيد أن أنشطتهم الإجرامية مماثلة للجريمة المنظمة التقليدية. إذا كان دافع الجريمة المنظمة، بمعناها الواسع، هي دوافع اقتصادية و ربحية ، فمن الصعب استبعاد أنشطة الشركات الكبري و الصغرى و البنوك الاجرامية  وجرائم ذوي الياقات البيضاء و جرائم التهرب الجماعى المنظم من دفع الضرائب من تعريف الجريمة المنظمة. ما قامت به البنوك الكبري قبل و أثناء الأزمة المالية الأخيرة هو نشاط منظم وواعى تنطبق عليه مواصفات الجريمة المنظمة.

 

الجريمة المنظمة و السياسة

نلاحظ هنا أن تزايد التوترات و الصراعات السياسية و الاجتماعيه أو ذات البعد العرقي  و الدينى أضافت ابعادا جديدة للنظرة للجريمة المنظمة التى كانت تقليديآ ليس لها أهداف ايديولوجيه و لم تكن تتدخل في السياسه الا في حدود ما يخدم هدفها الرئيسي و هو كسب المال و تعظيم الأرباح.

هذا النزوع و التوسع في تقاطع الجريمه المنظمه مع السياسه دفع لتوسيع تعريفها , في بحث حديث نسبيآ عن الظاهره و يشير لقدر من التغيير الذي حدث  لمؤسسة الجريمه المنظمه كنتاج للتغييرات التى حدثت في الواقع نفسه قدمت الباحثه كارولين Caroline

 

Chibelushi شيبيلوشي التعريف التالى:

نحدد الجريمة المنظمة بوصفها مجموعة (ذات تركيبه منظمه أو غير منظمه)  من شخصين أو أكثر، موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة منسقه بهدف ارتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة بدافع سياسى، دينى، عرقي، أو بهدف كسب المال. الجريمة المنظمة يمكن أن تشمل الإرهاب والاتجار بالمخدرات والاحتيال والسرقات، والأنشطة الاجراميه الأخرى  جماعية الطابع.

 

 

 

Swain, Tylor في ذات الوجهه كتب الباحث سوين تايلور 

تعريف الجريمة المنظمة – مجموعة من الأفراد أو منظمة الانخراط في النشاط الإجرامي لغرض  تحقيق مكاسب اقتصاديه أو  سياسية، أو إيديولوجية ملموسة كثير من الناس يرون الجريمة المنظمة باعتبارها مافيات سيئة السمعة في نيويورك أو لوس أنجلوس أو مدن ايطاليا و روسيا؛ هذا التعريف هو الصحيح ولكن تغفل جانبا كبيرا جدا من التعريف. والحقيقة هي أن الجريمة المنظمة موجودة في داخل كل بلدة ومدينة في أشكال العصابات و المنظمات و  الشركات الإجرامية ،جرائم  السايبر  ربما حتى الأيديولوجية والإرهاب.

ممكن أيضا للجريمه المنظمه اختراق الاقتصاد المشروع، أو في حالة المافيا، الاضطلاع بأدوار شبه حكومية. كيفما و أينما قامت بذلك يظل هدفها هو نفسه كسب المال بأكبر قدر. في بعض الأحيان يمكن أن  تسعى للوصول مباشرة للسلطه السياسيه.

 

في التاريخ الحديث للجريمه المنظمه و بعد رسوخ التعريف للمؤسسه نفسها ظلت علاقتها بالسياسه تدور في حدود مدى استفادتها من التدخل في السياسه لتحقيق اهدافها , بمعنى انها لم تتبنى أجنده سياسيه أو أيديولوجيه محدده , هذا لا يعنى أنها لم تنحاز في صراعات سياسيه أو لم ترتبط بأحزاب  و تيارات سياسيه في بعض البلدان, المثال الأكثر وضوحآ هو ايطاليا حيث للجريمه المنظمه ارث و تقاليد و تاريخ طويل, و هناك قول شائع في ايطاليا أنه  “لو كشف الدور الحقيقي للمافيا و الاستخبارات في الحياه العامه لأضطررنا لإعادة كتابة التاريخ الايطالى”. المافيا هى جزء أصيل من التاريخ و الحاضر الايطالى و جزء من مؤسسات الدوله  منذ تأسيسها في القرن التاسع عشر و بقيت نشطه تحت الحكم الملكى و الفاشيه  و حكومات ما بعد الحرب العالميه الثانيه , قطعت المحاكم و التحقيقات بارتباط مباشر لقوليو أندريوتى(رئيس وزراء لسبع مرات) و الآخر بيتونى كراسكى , لاحقآ تشير دلائل كثيره لارتباط بيرلسكونى أيضآ بالمافيا , تأسس جل الدعم السياسي للمافيا عبر توفير مناخ عام سلبي  خاصه من خلال الحزب الديمقراطى المسيحي و على اضعاف مؤسسات الدوله و اقعادها عن عملها كالبرلمان, القضاء, مكاتب النائب العام و سلطات التحقيق و المباحث و الشرطه و نجحت في ذلك لفترات طويله و أزمت الحياه العامه و الاقتصاد

 

النموذج الآخر الملفت لمحاولات اختراق الجريمه المنظمه  للحياه العامه و للسياسه هو بابلو اسكوبار زعيم كارتل ميدلين للمخدرات في كولمبيا , لا يتسع المجال هنا للتفصيل في المسيره المعقده لحياة اسكوبار و للواقع الكولمبي الذي صار في لحظه ما أحد أكثر البشر نفوذا و ثروه و يعتبره سكان اقليمه بطل روبن هودى و قديس.

 عن الانخراط المباشر لجماعات سياسيه في أنشطة الجريمه المنظمه لتمويل عملها  و تحقيق اهدافها السياسيه و الايديولوجيه ترد نماذج لمنظومات يساريه مثل الفارك  في كولومبيا ( يعتبر البعض هذا الاتهام جزء من الحرب النفسيه و الاعلاميه ضد الحركه),  أو حزب العمال الكردستانى , أو جزء من جماعات المجاهدين في أفغانستان , تتراوح الأنشطه المدعاه ما بين زراعة و تصنيع و تهريب المخدرات و غسيل الأموال. رغم أن الهدف النهائي هو تحقيق الأجنده السياسية و الايديولوجيه الا أن هذا لا يمنع أن يصبح تحقيق الأرباح و المكاسب الماليه و من ثم توسيع النفوذ الشخصي داخل و خارج المنظومه السياسيه هدف مستقل في ذاته للأفراد المنخرطين في هذا الجزء من عمل المنظومه السياسية