إن مناهضة حكم الاعدام الصادر ضد السيدة مريم يحيى من محكمة سودانية، بسبب الردة، يجب ان يكون واجبا يتصدر أجندة كل القوى الحية في المجتمع السوداني، من نشطاء حقوقيين ومثقفين ومفكرين وسياسيين وقادة دينيين،

فلا يليق بالمجتمع السوداني التخاذل عن هذا الواجب والركون إلى أن الحكومة سوف تتدخل في خاتمة المطاف لصالح إيقاف تنفيذ الحكم تحت أية ذريعة  لتتفادى الغضبة الدولية، لأن هذا المسلك معناه ان “ضمير” الشعب السوداني إما نائم أو مستقيل عن القيام بواجبه، أو ان هذا “الضمير العام” إما متصالح تماما مع مصادرة حق الحياة من الإنسان بسبب معتقده الديني، وإما انه استمرأ حالة الموات واللامبالاة تجاه كل قضية إنسانية تستوجب تسجيل موقف إنساني وأخلاقي، ابتداء من إزهاق أرواح الآلاف في مناطق الحروب في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق، وتهجيرهم من أراضيهم وحرمانهم من وصول الاغاثات، مرورا بانتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والنهب المنظم للمال العام وتدمير اجهزة الخدمة المدنية والعسكرية بالفساد والمحسوبية، وصولا الى القضية التي بين أيدينا الآن، قضية الحكم على سيدة متزوجة بالجلد مائة جلدة باعتبار انها زانية لان زوجها مسيحي! ثم الإعدام باعتبارها ارتدت عن الإسلام واعتنقت المسيحية!

إن هذا الحكم الكارثي يجب ان يكون دافعا قويا لتنظيم حملة قوية ضد المادة 126 من القانون الجنائي(مادة الردة)، باعتبارها مادة تتعارض مع حق أساسي من حقوق الإنسان، هو حرية الضمير والمعتقد، ووجودها في القانون السوداني يتعارض مع الدستور، كما يتعارض مع اتفاقيات دولية صادق عليها السودان منذ عام 1986 م كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وهذه الحملة يجب ان تبدأ وان يتواصل العمل فيها بجدية بصرف النظر عن مآلات الحكم الصادر ضد السيدة مريم يحيى، لأن الصمت على وجود مادة كهذه في القانون يعني تهديد دائم لحرية الضمير وحرية الفكر والاعتقاد، وهي مادة من الممكن ان تستخدم لتصفية الخصومات السياسية والفكرية.

من جانب آخر، لا بد ان يثبت المجتمع السوداني للعالم انه مجتمع متسامح ورافض للإرهاب الديني وان فيه أصوات عقلانية معتدلة قادرة على التأثير والفعل، لأن المشهد الحالي بكل أسف تتعالى فيه أصوات المتطرفين الذين يتلمظون لإراقة دم هذه السيدة البريئة ظانين – وبعض الظن إثم- ان بمثل هذا الفعل القبيح يكون الانتصار للدين، أما أصوات الفكر الإسلامي المعتدل، وأصوات قوى الوعي والاستنارة فما زالت خافتة! لم ترتفع بالقدر الذي يغسل العار الذي تسبب فيه هذا الحكم! فلا يمكن ان يأتي الرفض والاحتجاج على هذا الحكم من وراء البحار! والشعب السوداني غائب عن المشهد بشكل شبه تام!