رشا عوض إن الد اعداء جماعات الإسلام السياسي على اختلافها، هم من يتصدون لمهمة تجريد   "مشاريعها السياسية البشرية "  التي  تطلق عليها مسميات مثل  "الشريعة الاسلامية"، أو "المشروع الإسلامي" أو "شرع الله"،

 

من المشروعية “السماوية” وإعادتها إلى منطق مشروعيات الأرض، وكشف طبيعتها الأرضية، ومن ثم إظهار حقيقتها: برامج سياسية تعبر عن أفكار ومصالح وانحيازات أصحابها، وتجعل من الدين غطاء لتغليف تلك المصالح والانحيازات لضمان تسويقها وبيعها على نطاق واسع ومن ثم تحصيل الارباح الدنيوية من وراء ذلك ممثلة في السلطة والثروة!   فجماعات الإسلام السياسي ترغب في تحصين مشاريعها من اي تفحص نقدي، ومن أية تساؤلات حول كيفية تحويل تلك الشعارات الهلامية من قبيل “الحاكمية لله” و”الاسلام هو الحل” ، إلى فعل ملموس في الواقع الملموس، لأنها شعارات مرفوعة في الساحة السياسية ، وهي ساحة مرتبطة عضويا بإدارة معاش البشر مما يفرض على من يتصدى للعمل فيها ان يكون جاهزا ببرامج ذات قابلية للتطبيق العملي!   فالنقد والتساؤل والنقاش الموضوعي  يسلب جماعات الإسلام السياسي تلك  “الماركة التجارية” التي يسيطرون بها على “سوق المواسير السياسي” ! ماركة “هذا من عند الله ومن خالفه كافر” !

 وما لم تنجح حركات التنوير  الفكري والتوعية السياسية في تجريد جماعات الإسلام السياسي من هذه “الماركة التجارية” بخطاب متماسك وعمل منهجي، سوف تظل هذه الجماعات تعيد إنتاج نفسها وتعيد إنتاج أزماتها وسوف تجد من يلتف حولها ويمنحها المشروعية على أساس ديني! بصرف النظر عن نجاحها او فشلها!  

فلو أخذنا ما يسمى ب”المشروع الحضاري” في سودان الإنقاذ نموذجا ، وهو مشروع لا جدال في فشله الذريع وسقوطه المدوي بأي معيار سياسي او اقتصادي أو أخلاقي، فهو مشروع قسم الوطن وأشعل الحرب فيما تبقى منه ، وأنتج دولة متورطة في الإبادات الجماعية على أسس عنصرية، وفي تجارة المخدرات، وفي الاتجار بالبشر، وفي التعذيب والفساد الذي يتربع السودان على عرشه عالميا! وكل هذه الجرائم من تخطيط وتنفيذ “أصلاء المشروع” لا “وكلائه”! ولكن رغم ذلك كله ما زال هناك من يقول ان الإشكالية في التطبيق الخاطئ للإسلام، او العيب في الأفراد الذين تصدوا للقيادة ففتنتهم السلطة وانحرفت بهم شهوة المال كما يردد عرَاب المشروع الدكتور حسن الترابي! خطورة هذه التفسيرات للفشل الكارثي الماثل انها تحمل في طياتها بذرة فشل كارثي آخر في المستقبل! أي “مشروع حضاري” آخر بأي مسمى آخر، ليتولى مهمة التطبيق الصحيح ويأتي بأناس أطهار قادرين على الصمود أمام فتنة المال والسلطان! ولن نخرج من هذه الدوامة إلا عندما تحدث نقلة نوعية على مستوى الفكر والوعي تجعل “الجماهير المسلمة” تتجاوز وبشكل حاسم فكرة أن صحة إسلامها رهينة للاعتقاد في فكرة”الدولة الإسلامية” وتطبيق”الشريعة الإسلامية” ولن تتجاوز هذه الفكرة إلا إذا تم تفكيك هذه المصطلحات وإثبات حقيقة أنها مصطلحات سياسية آيدولوجية، تخص تيار “الإسلام السياسي”، وهذا التيار نفسه عاجز تماما عن “تعريف” هذه المصطلحات وتحديد ما يقصده بها على وجه الدقة، بل يستخدمها فقط للتجييش العاطفي وللتحريض ضد الخصوم السياسيين.

لا يستطيع اهل الاسلام السياسي ان يشرحوا لنا ما هي “الشريعة الاسلامية” التي سيطبقونها علينا في واقعنا المعاصر؟ هل هي قطع يد السارق وجلد شارب الخمر والزاني المحصن ورجم الزاني غير المحصن قطع الايدي والارجل من خلاف او القتل والصلب لمن افسد في الارض؟ هل هي قتال اهل الكتاب والمشركين حتى يسلموا او يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون؟ اي قتال ثلاثة ارباع البشر الموجودين معنا في الكوكب الارضي! وما هي خارطة الطريق الممكنة عمليا لتطبيق ذلك في السودان مثلا؟ وماذا يقصدون تحديدا بالدولة الإسلامية؟ نحن في عالم وحدة تكوينه هي الدولة القطرية او الدولة الوطنية كيف يمكن تحويل هذه الدولة الى دولة إسلامية؟ ماذا نفعل فيها بالضبط لكي تكتسب هذه الصفة؟ ولو صدقنا الزعم بان الإسلام ينطوي على نظام سياسي، فكيف يجيب أهل الاسلام السياسي علي قضية جزئية بسيطة ولكنها جوهرية  في أي نظام سياسي وهي قضية “كيفية تولي السلطة وكيفية تداولها” هل نعود الى “فلتة” سقيفة بني ساعدة؟ ام إلى وصية ابي بكر بالخلافة لعمر بن الخطاب ؟ ام الى مرجعية عمر الذي حصر اختيار خليفته في ستة أشخاص؟ ام الى مرجعية عثمان بن عفان الذي لم يغادر السلطة الا مقتولا وعندما ثار عليه المسلمون وطالبوه بالتنحي قال لهم “كيف تريدونني ان أخلع رداء ألبسنيه ربي” ؟ ام نعود الى معركة الجمل ومعركة صفين حيث المجالدة على السلطة بالسيوف؟كل هذه الاختلافات في قضية جزئية كقضية تولي السلطة وتداولها حدثت في العقود الاولى من التاريخ الاسلامي وهي وحدها كافية للتدليل على عدم وجود نظام سياسي في الاسلام او شكل محدد للدولة، وكافية لاستنتاج ان اي نظام سياسي واية دولة أقامها المسلمون على طول تاريخهم  هي نتاج تفاعلهم الإنساني مع معطيات عصرهم وملابسات واقعهم التاريخي، ولأن أي نقاش في التفاصيل على هذا النحو، واي تقليب في صفحات التاريخ الإسلامي حتى تلك الصفحات المعيارية مثل فترة “الخلفاء الراشدين” يكشف أكذوبة الادعاء بوجود شيء اسمه “الدولة الاسلامية” أو”الشريعة الإسلامية” أو “النظام السياسي الإسلامي” فإن  اهل الإسلام السياسي يتضجرون من أي حوار يوظف المعرفة بالدين والتاريخ الاسلامي في معارضة مشاريعهم وإثبات زيفها! لأنهم يريدون رفع لافتات “الدولة الإسلامية” و”الشريعة الإسلامية” و”الحكم الإسلامي” وكأنما هي مسلّمات أولية لا يجوز مطلقا التشكيك فيها او تعريضها لاية عملية تفنيد او فحص! حتى يتربحون سياسيا من وراء تلك الشعارات الجوفاء ويريحون أنفسهم من عناء الاجتهاد في توليد الافكار وصياغة البرامج التي تخاطب الواقع وتحل اشكالياته.

ولذلك نجد كثيرا من الإسلامويين ولا سيما السلفيين يصادرون مشروعية الكلام في الدين من المختلفين معهم ابتداء تحت ذريعة ان ليس من حق شخص غير متخصص ان يتحدث في أمور الدين!  والغريب في الامر انهم يهدرون نظرية التخصص هذه تماما عندما يتحدث مشائخهم ويصدرون الفتاوى في قضايا النظام المصرفي، والعولمة، والاستنساخ، وقضايا الجندر وحقوق الإنسان والديمقراطية! يتحدثون في كل شيء ثم يكثرون من التهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الامور لكل من جادلهم في اجتهاداتهم  الدينية، ومهما كان مطلعا وقارئا فإنهم يجتهدون في تصويره كمتطفل على الدين ومرتكب لجريمة تستوجب الاستتابة المغلظة لتجاوزه الحدود، وقد لمست ذلك مرارا وتكرارا كلما تناولت قضية ذات صلة بالفكر الاسلامي، وخصوصا قضية الحكم بالاعدام والجلد على السيدة مريم يحيى او ابرار عبد الهادي(لا يهم) بسبب اتهامها بالردة والزنا، حيث انهالت علي المواعظ تارة والتوبيخ والتخويف تارة اخرى ، ليس من قبل الراسخين في الفكر او المتبحرين في المعارف الإسلامية وانما من المبتدئين في مدرسة الاسلام السياسي الممتلئين بالحماس لفكرة صماء  ولا يحتملون المساس بها يريدونها هكذا: معطى أولي غير قابل للنقاش! والهدف من ذلك هو  ادخال الاسلام الى “أرض” مسورة بالاسلاك الشائكة وامامها لافتة تقول “هذه منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب والتصوير”! أرض يملكها اهل الاسلام السياسي وهم وحدهم المخول لهم الحديث عنها!

ولا سبيل لتجاوز الإسلام السياسي إلا  بتسور تلك الأسلاك الشائكة  مهما كلف ذلك من ثمن، ولا بد من تحرير هذه الأرض من قبضة من يريدون احتكار الحديث باسم الاسلام لأن تلك الارض يجب ان تكون مملوكة لجميع المسلمين والمسلمات على حد سواء!

لا بد من تحرير تلك الأرض وتنظيفها من الألغام واستصلاحها لزراعة الرحمة والتسامح والمحبة وقيم العدل والمساواة والحرية! بديلا للقسوة والتعصب والكراهية والعدوانية ومنطق السيطرة والإخضاع! ففي اي مشروع للنهوض بالمجتمعات المسلمة لا بد ان يكون في القلب من مشروع التغيير مشروعا ل”تغيير العقول” وهذا لا يقل اهمية عن التغيير السياسي او الاقتصادي او المؤسساتي !

ولكي يتحقق ذلك يجب ان يكون جزءا من الثقافة السياسية لمن يسعون لتوطين الدولة العلمانية والديمقراطية وحقوق الانسان في عوالمنا إجادة عقد المصالحات بين المتدينين وهذه القيم والافكار، ولن يتم ذلك إلا بتأسيس التعددية في فهم الإسلام، التعددية التي تجعل بالامكان اجتراح توجه إسلامي ديمقراطي ومتمدن ينطلق من منهج جديد في التعامل مع النصوص المؤسسة للاسلام، بعيدا عن التلفيق واهدار السياقات التاريخية. مهما كان هذا المشروع صعبا ومرهقا ومكلفا فلا بد من انجازه لان بدونه لا مستقبل للديمقراطية الحقيقية.