نبيل أديب " من المؤلم أن يجد شخصاً قضى عمره في خدمة الناس،أنه من المتعين عليه أن يفقد راحة باله لأن شخصاً ما قرر أن يحاكمه في صحيفة،

ولكن للأسف لايوجد علاج لذلك الشر، فحريتنا تعتمد على حرية الصحافة، و لايمكن لنا أن نحد من حرية الصحافة دون أن نفقد حريتنا تماماً”. جيفرسون

العلاقة بين حرية الصحافة والحق في المحاكمة العادلة علاقة وثيقة، فمن جهة توفر حرية الصحافة للرأي العام، المعلومات الكافية عن الطريقة التي تدار بها العدالة، وعن خضوع الأجهزة العدلية المختلفة للقانون، وتطبيقها له، وهي مسألة تخدم المحاكمة العادلة. بالإضافة لأن أحد الأركان الهامة للمحاكمة العادلة علنيتها لأنه من الصعب أن تُهضم الحقوق في المحاكمات التي تتم أمام أعين الرأي العام وأيضاً ليطمئن الناس على حكم القانون في بلادهم.

من الجهة الثانية فإن النشر المتفلت قد يؤثر على سير العدالة، حين تتم محاكمة الناس على أعمدة الصحف وهذا أمر يقود في منتهاه الى عدالة الغوغاء. وبالتالي فإن على الصحافة أن تلتزم في حدود التعليق المنصف حتى لاتؤثر سلباً على المحاكمة العادلة، ولكننا لا نعيش في عالم مثالي ، لذلك فإن أخطاء الصحافة قد تدعو أحياناً للتدخل في النشر الصحفي بالنسبة للمحاكمات أو التحقيقات. ونبادر هنا فنقول الأصل أن تتم معالجة أخطاء الصحافة بالمحاسبة اللاحقة للنشر، والإستثناء هو أن تصدر أوامر بحظر النشر، ومن خصائص الإستثناء أن لايتم التوسع فيه. بالنسبة لأن حظر النشر هو قيد على حرية الصحافة، وقد يكون فيه إهدار للحق في المحاكمة العادلة، عندما يمنع عن الرأي العام معلومات لمتعلقة بطريقة إدارة العدالة. لذلك فحظر النشر لايجوز إلا بموجب قانون، وهذا القانون يجب أن يكون قانوناً لا ينتقص من حرية الصحافة ولا يصادرها إلتزاماً بالحق الدستوري في حرية الصحافة، ولكن يجوز له فقط أن ينظم تلك الحرية بما يحافظ على الحريات والحقوق الأخرى .  

سلطة النيابة في حظر النشر

حملت أنباء الأسبوع الماضي حظراً للنشر أصدره وكيل أول النيابة عوض بله عمر بمنع النشر في قضية وكيل وزارة العدل ضد صحيفة الصيحة. وتلاه بيوم وبعض يوم أمر من رئيس نيابة أمن الدولة، كبير المستشارين ياسر أحمد محمد، بحظر النشر والتناول الإعلامي في البلاغ الجنائي المتهم فيه الصادق المهدي. لا بد لي من أن أعترف بأنني لم أتوصل من تلقاء نفسي للمادة التي إستند عليها وكيل أول النيابة ليحظر النشر في قضية وكيل وزارة العدل ضد صحيفة الصيحة، حتى جاء أمر كبير المستشارين ياسر أحمد محمد الذي أوضح فيه انه يستند على المادة 26/ 1/ ج/هـ/ من قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م، فأيقنت بأنه لا سلطة للنيابة العمومية في أن تحظر النشر.  الفقرة ج من المادة 26/ 1 تمنع التأثير أو الإضرار بسير العدالة عند نقل وقائع جلسات المحاكم أو التحريات أو التحقيقات التي تجريها الشرطة أو النيابة. في حين أن الفقرة (هـ)  تمنع الصحفي  من أن يعلق على التحريات أو التحقيقات أو المحاكمات إلا بعد الفصل فيها بصفة نهائية. الفقرتان شُرعتا لمنع التأثير على مجرى التحقيق أو المحاكمة فما الذي تخشاه النيابة؟ الواضح أن الوقائع المتعلقة بالدعوتين يصعب إن لم يكن يستحيل التأثير على مجريات التحري والتحقيق فيهما، سواء أكان ذلك بالنشر الصحفي أم بغيره. وذلك لأن الوقائع المكونة للإتهام في الدعوتين ، تتعلق بمادة منشورة في الصحافة وهي مسألة، بدون قدرات خارقة، لايمكن تغيير أو إخفاء البينات المتعلقة بالواقعة محل الإتهام فيهما. إذاً فالتحريات في الجريمتين ليست من النوع الذي يعتمد على شهادة شهود يمكن التأثير عليهم، أو مستندات يمكن إخفاؤها. كذلك فإن التأثير على نتيجة التحقيق غير واردة، فالذي أصدر أمر الحظر هو نفسه الذي سيأخذ القرار الذي يحدد نتيجة التحقيق، وهو رجل مهني سيقرر في المسألة بإحترافية، ولن يؤثر في قراره ما هو منشور في الصحف. على أي حال، لو كان هذا ما يخشاه فليمتنع هو عن قراءة الصحف، كما يفعل المحلفون في الدول التي تأخذ بنظامهم، بدلاً من أن يمنع تدفق المعلومات للرأي العام عن طريق الصحافة .

سلطات النيابة في إتخاذ الإجراءات الوقائية

وأول ما يلاحظ هنا هو أن السيد / الوكيل لم يقصر الحظر على نقل وقائع التحقيق، ولا على التعليق على التحريات، أو التحقيقات، وإنما جاء الحظر عاما في القضيتين، وهذا لا يتناسب مع الحدود الواردة في المادتين، مما يجعل الأمرين خارج نطاق المادتين. من الناحية الأخرى فإن المادتين هما مادتان عقابيتان يعاقبان على الإتيان بأفعال معينة، ولكنهما لا يمنحان النيابة سلطة التدخل قبل وقوع تلك الأفعال. لذلك فإرتكاب الصحفي لأي من الأفعال المشار إليها في المادة موجب لتدخل السيد وكيل النيابة لإتخاذ الإجراءات القانونية الخاصة بفتح الدعوى، والتحري، وتوجيه التهمة، وما إلى ذلك. ولكن ما الذي يدعوه للتدخل الآن، ولم يحدث شيئً من ذلك بعد، هل تم ذلك بموجب سلطاته في إتخاذ الإجراءات الوقائية؟ لايبدو ذلك كذلك، فتلك الإجراءات هي إجراءات مقرررة بالنسبة للجرائم التي تخل بالسلام العام والطمأنينة العامة، وهي جرائم محددة في القانون الجنائي وليس من بينها المخالفات الواردة في المادة 26 صحافة. أضف لذلك أن الإجراءات الوقائية تتخذها النيابة في مواجهة شخص محدد، اذا قُدم تقريراً لوكالة النيابة، أو المحكمة، بأن ذلك الشخص يحتمل أن يرتكب ما يخل بالسلام العام، أو الطمأنينة العامة، وذلك بعد أن تستجوب ذلك الشخص، وأن تجري أي تحريات تراها لازمة. كذلك فلها أن تأمر أي تجمهر غير مشروع أو أي تجمهر يحتمل أن يرتكب جريمة الشغب أو جريمة الاخلال بالسلام العام، أن يتفرق. ولم تبقى بعد ذلك من سلطات النيابة في إتخاذ الإجراءات الوقائية، إلا المادة (130) السيئة السيرة، والتي لابد أن السادة وكلاء النيابة قد تعلموا بطريق شاق عدم إنطباقها على الصحف. إذاً فلا يبدو لنا أن أياً من الأوامر التي صدرت من النيابة لحظر النشر في مواضيع معينة لها سند من القانون ولعله من المربك أن يتزامن ذلك مع خطاب السيد/ وزير الإعلام ذا النبرة المتعالية، وإعلان السادة في هيئة الإتصالات عن أنهم بصدد القضاء على وسيطين من وسائط التواصل الإجتماعي .

حظر النشر وحماية المتهم

مما يزيد الأمر إرباكاً أن البرلمان كان قد سبق له وناقش البلاغ المفتوح ضد السيد/ الإمام الصادق المهدي، وقد تناوله الأعضاء بتعليقات صارخة، و إتهموه بالخيانة العظمى وتلاهم مسؤولون في الحزب الحاكم، فهاجموا السيد/ الإمام بألفاظ  قاسية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فعُقد مؤتمر صحفي للجهة الشاكية لم تألو جهداً في الهجوم على المتهم. ولكن ذلك كله لم يقابل بأي أمر من السيد/ وكيل النيابة، ربما لأنه يعتبر نفسه معنياً فقط بالصحفيين دون غيرهم من عباد الله، مع أنه يعلم أكثر منا أن التعرض للدعاوي فى مرحلة ما قبل المحاكمة، له أسس وقواعد لا تسرى فقط على الصحفيين وبقية الإعلاميين، بل تسري قبل ذلك على الرسميين، وفي مقدمتهم أعضاء الجهزة العدلية، وبالأخص أعضاء النيابة والشرطة، فحدود حرية النشر في الإجراءات قيد النظر تقف عند المساس بحق المتهمين فى المحاكمة العادلة، وهى حدود قصد بها حماية المتهمين وليس الإتهام، وتأثير المادة المنشورة على المحاكمة العادلة أظهر، إذا كانت صادرة من جهات رسمية، لأن القارئ يفترض أنهم في موقع يمكنهم من معرفة ما تم، ولذلك فإن أكثر المواد المنشورة إضراراً بحق المتهم في المحاكمة العادلة هي تلك الصادرة من جهات رسمية. صحيح أن وكيل النيابة ما كان له أن يأمر أيضاً بمنع نشر هذه التعليقات، لأنه أصلاً لا يملك سلطة منع نشرها، ولكن كان في إمكانه أن يستدعي من أدلوا بها، ويسمع أقوالهم توطئة لأخذ إجراءات في مواجتهم تحت المادة (115) من القانون الجنائي.

إفتراض البراءة والتصريحات المنفلتة

تنص المادة (34) من الدستور على أن (المتهم برئ حتى تثبت إدانته وفقاً للقانون)، والإفتراض ببراءة الشخص حتى تثبت إدانته، يُلزم الرسميين والأجهزة العدلية، عند تناولهم موضوع دعاوي قيد التحقيق، أن يمتنعوا عن إدانة المتهم والمشتبه فيه. في دعوى Allenet de Ribonet ضد فرنسا، حين ذُكر في مؤتمر صحفي لوزير الداخلية الفرنسي، حول تطورات التحري في  جريمة قتل ،  إسم أحد المقبوض عليهم، كأحد المحرضين على الجريمة قررت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أن إفتراض البراءة يمكن أن ينتهك بواسطة القضاء، كما ويمكن أن ينتهك بواسطة الأشخاص الرسميين في الدولة. وأنه إذا كان من واجب السلطات العامة أن تُخطر الجمهور بتطور التحقيق في الجرائم، إيفاءً بحق الجمهور في تلقي المعلومات، فإنه عليها أن تفعل ذلك متوخية كل الحيطة، وحسن التصرف الذي يقتضيه المحافظة على حق المتهمين في إفتراض البراءة.

وفي دعوى ديمتري جريدن ضد حكومة روسيا الفيدرالية، صرح مدير الشرطة للتلفزيون بأن المتهم هو القاتل بالفعل، وأكد المدعى العام في تصريحات أخرى أنه متأكد من أن المتهم مذنب. ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأوربية أن مفهومها لإفتراض البراءاة يقتضي أن يمتنع المسئولون عن الإدلاء بأي تصريحات من شأنها أن تؤثر على نتيجة المحاكمة. إذاً فإن تدخل النيابة يجب أن يكون لمنع المسؤولين من إنتهاك حق المتهم في البراءة، وذلك بإتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة كل من يدلي بتصريحات من شأنها التأثير على العدالة. ولكن ما هي المعايير التي تحافظ على حق المتهم في المحاكمة العادلة وعلى حق المجتمع في تلقي المعلومات، في نفس الوقت مع الإبقاء على منافذ النقاش الحر. لعل قضية تجمع صحافيي نبرا سكا ضد القاضي ستيوارت Nebraska Press Assoc. v. Stuart, 427 U.S. 539 (1976),  تشرح بشكل واضح الإعتبارات المختلفة التي يجب على القاضي أن يوفيها حقها قبل إصدار القرار.

تجمع صحافيي نبرا سكا ضد القاضي ستيوارت

 

تتلخص وقائع الدعوى فى أنه عقب وقوع جريمة بشعة فى بلدة صغيرة، طلب المدعى العام في البلدة، و محامى المتهم، من قاضي محكمة المدينة ان يصدر أمراً يحدد فيه المسائل التى لايجوز نشرها، أو إذاعتها للجمهور، لأن الجو السائد كان ينذر بنشر مكثف لأخبار متحيزة ضد المتهم ، مما يؤثر على قناعة المحلفين، وبالتالى سيؤثر سلباً على إمكانية إجراء محاكمة عادلة. وقد إستجاب القاضى للطلب.

قدمت عدد من الصحف ووكالات الأنباء والصحفيين إلى المحكمة الجزئية طلباً بإلغاء أمر الحظر. سمعت المحكمة الطلب، وأمرت بأن يظل الحظر قائماًحتى إختيار المحلفين.

تقدم تجمع الصحفيين بطعن للمحكمة العليا في نبراسكا ضد ذلك القرار، فقامت بتعديل الأمر بحيث إقتصر المنع على نشر محتوى الإعتراف الذى أدلى به المتهم للشرطة، أو أى تصريح يكون المتهم قد أدلى به لأى شخص عدا مندوبى الصحف، عن تورط المتهم في الجريمة، وأى وقائع أخرى من شأنها إثبات تورط المتهم في الجريمة . وهذا الأمر أيضاً ينتهى مفعوله بإختيار المحلفين والذين تم إختيارهم بالفعل في يناير 1976 ،وقد تقدم تجمع الصحافيين بطعن ضد حكم المحكمة العليا في  نبراسكا إلى المحكمة العليا الإتحادية .

 نقلت المحكمة عن جيفرسون قوله أعلاه، وذهبت المحكمة إلى ذكر عدد من الدعاوى التى قررت فيها إعادة المحاكمة عندما تبين لها أن موجة النشر المعادى للمتهم كانت من الضخامة بحيث أهدرت حقه في المحاكمة العادلة، ولكنها أكدت أن ذلك لا يعنى قبول الحظرالمسبق للنشر، دون تمحيص، و وذكَّرت بما قالته في دعوى وثائق البنتاجون من “أى نظام للحظر المسبق للنشر يأتى لهذه المحكمة مثقلاً بإفتراض عدم دستوريته ” وذكرت أن موقف المحكمة العليا الثابت في هذا الصدد، هو أن الحظر المسبق للتعبير والنشر، هو أكثرأشكال الإخلال بحق التعبير وحرية الصحافة خطورةً، وأقلها قبولاً من جانب المحكمة .

ودور الصحافة في إصلاح العدالة الجنائية لايجب تجاهله، فالصحافة لا تنشر فقط وقائع المحاكمات ،ولكنها توفر الحماية ضد إجهاض العدالة، بإخضاعها للشرطة والنيابة والإجراءات القضائية للرقابة والنقد العلنى، وذلك يوفر المحاكمة العادلة للمتهم وقالت “إن ما نعلمه من التجارب التعيسة للأمم الأخرى التى سمحت للحكومات أن تتدخل في مسألة ما تنشره الصحافة ما يجعلنا نشعر بالإرتياب من أى محاولة للحكومة لأن تضع نفسها في محل من يتولى تحرير صحافة هذه الأمة “

وقد رأت المحكمة العليا أن القاضى كان محقاً حين توصل لأن النشر المتوقع عن هذه الجريمة البشعة، قبل إختيار المحلفيين من شأنه أن يمثل خطراً على حق المتهم في المحاكمة العادلة. ولكنها رأت أن المحكمة لم تبحث الوسائل البديلة لأمر الحظر، والتى يمكن أن توفر للمتهم المحاكمة العادلة، مثل نقل المحاكمة لموقع أقل تعرضاً للحملة الصحفية، والإختيار المدقق للمحلفين، وغيرها من الوسائل التى تضمن حياد المحلفين. ولما كان الحظر المسبق للنشر لايكون مقبولاً، حتى ولو كان مؤقتا، مالم يكن هو الوسيلة الوحيدة لمنع التأثير على المحلفين، فإن المحكمة تكون قد أخطأت حين لم تتعرض لتلك الوسائل البديلة قبل القفز إلى حظر النشر، مع خطورة الحظر لما فيه من تجميد لحق التعبير. وقد لاحظت المحكمة أيضاً أن ظروف الدعوى لا تشير إلى أن حظر النشركان سيؤدى الغرض منه ،لأن الجريمة قد لفتت نظر وسائل الإعلام القومية وليس المحلية فقط، والقاضى الذى أصدر الأمر ليس له ولاية على تلك الوسائط التى تصدر خارج الولاية، مما يجعل الحظر عديم الجدوى لعدم سريانه على الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون التى تصدر أو تبث من خارج الولاية ، مع أن ماتنشره قد يؤثر على المحلفين.

إذا نظرنا إلى التدابير التي أخذت المحكمة العليا الأمريكية على المحاكم الأدنى عدم القيام بها، قبل إصدار الأمر بحظر النشر، رغم أن الأمر الصادر كانت المحاكم الأدنى قد رسمت له حدود ضيقة، وقاطعة، وقارناه بالسهولة، والعمومية، وإفتقاد التسبيب التي صدرت بها أوامر النيابة بحظر النشر، وهي أوامر مشروعيتها أصلاً مشكوك فيها، وإذا كانت لمادة 39 (2) من الدستور نصت على أن “تكفل الدولة حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي” وإذا سألنا أنفسنا على ضوء ذلك كله” هل أوفت الدولة بذلك الإستحقاق الدستوري للصحافة ؟ ماذا تكون الإجابة.