ياسر عرمان والطائرة تهبط نحو مدرج المطار قالت المضيفة إننا فى طريقنا للهبوط فى مطار أوليفرتامبو مطار جوهانسبيرج الدولي والرجاء من السادة المسافرين ربط الأحزمة،

وعندها لم يكن بالإمكان إلا وإن تنحدر دمعة لم أستطع مقاومتها حينما تذكرت أن أوليفر تامبو الذي خرج سراً من جنوب إفريقيا ومطارداً من أجهزة أمنها، وإرهابياً فى نظر السلطات ها هو اليوم يطلق إسمه على أكبر مطار للخروج والدخول إلى جنوب إفريقيا، إن الحياة تبتسم لاوليفر تامبو وللثوريين إن هم على سراطٍ مستقيم.

لا حظت إنه فى المناسبات العامة التى حضرتها فى جنوب إفريقيا يقابل الجمهور وأعضاء المؤتمر الوطني الإفريقي إسم أوليفر تامبو بإنفعال شديد وحبٍ لا يخُفى، وحينما يتم ترديد الأغاني الثورية عن أوليفر تامبو تُردد بعاطفةٍ جياشة، و مانديلا يتحدث بنفس العاطفة عن اوليفر تامبو، والذي رجع إلى جنوب إفريقيا من السويد وإحترق العمر وهو مصاب بشلل نصفي، لم يصمد ذلك القلب الذى أحب جنوب افريقيا حتى نهاية المشوار ومجدهُ صديق مسيرتهُ الطويلة نيلسون مانديلا فى مناسبات عديدة وتحدث عنه دائما بإحترامٍ فائق، وخطاب مانديلا أمام جنازة اوليفر تامبو قطعة فائقة الروعة وعميقة المعانى مشحونة بعواطف تبقى أبد الدهر، ويعد من أجمل خطابات مانديلا، وياله من خطاب كل فقرة فيه جوهرة صعب الإختيار منه وهو يتحدث عن قلب وعقل وصوت وحياة اوليفر تامبو، وحينما يقول (نحن نقول إنه قد غادر الحياة ولكن هل بإمكاننا أن نسمح له بان يغادرها ونحن أحياء) (إن اوليفر يعيش لا لأنه يتنفس ويحى لا لان الدم يجرى فى عروقه ، لا يعيش لانه يفعل الاشياء التى نقوم بها جميعا كاناس عاديين ، اوليفر يعيش لانه أسلم حياته كلها من أجل الناس العاديين، اوليفر يعيش لان حياته نفسها تحمل الحب والافكار والامل والتطلعات والرؤية) ياله من حديث أتى من عقل وقلب مانديلا وياله من قلب وعقل متفرد حينما يواصل حديثه (إننى اقول إن اوليفر تامبو لم يمت مطلقاً لأن القيم التى ضحى بحياته من أجلها لن تمت ابداً، و اقول إن اوليفر لم يمت لان مُثل الحرية وكرامة الإنسان وان لايعني لون الإنسان اى شئ فى تقييم الفرد هذه المُثل لا يمكن ان تموت ).

 وقالت ويني مانديلا لمجلة افريقيا الجديدة إن اوليفر تامبو هو الذى كان خلف فكرة ترسيخ مانديلا كرمز للنضال الجنوب افريقي، وقد قمت بتوجيه سؤال إلى بعض قيادات وكوادر المؤتمر الوطنى الافريقي الذين امضوا معى والرفاق رمضان حسن وصابر ابوسعدية أمسية لا تنسى حتى فجر اليوم التالي فى بروتوريا ، ونحن نتحدث عن مستقبل جنوب افريقيا وعن مستقبل افريقيا ، وعن مكامن القوة والضعف عند حركات التحرر الوطنى ، وقد إتفقوا جميعاً إن اوليفر شخص إستثنائى ويمتلك شخصية مفعمة بالإستقامة والزهد، ونزر نفسه بالكامل لقضايا النضال  وللمؤتمر الوطنى الافريقى حتى داهمه الشلل .

  وحينما دعانا الرئيس تابو امبيكى لزيارته فى منزله ، مالك عقار وشخصي ، وامبيكى هو من زامل اوليفر تامبو عن قرب سنوات طويلة فى المنفى منذ بداية الستينيات وحتى نهاية نظام الابرتايد، وقبل الدخول فى المناقشة حول قضايا السودان قلت للرئيس امبيكي هل يمكن ان تعطينى إجابة على سؤال حول اوليفر تامبو قبل ان ندخل فى مناقشة قضايا السودان  فإبتسم وقال ما هو سؤالك فقلت لماذا ينفعل الجمهور فى جنوب افريقيا حينما ياتى ذكر اوليفر تامبو وحينما تردد الاغانى التى تمجد حياته ونضاله؟ فقال إذا اردت الحقيقة فإنه بعد محاكمة(روفانا) وإعتقال قيادة المؤتمر الوطنى الافريقى والقيادة السرية بعدها التى أوكلت لها مهام القيادة فإن المؤتمر الوطنى الافريقى لما يقارب عشرة سنوات قد كاد  ان يختفي ولكن اوليفر تامبو بعملٍ صبور و إلتزام وإخلاص قل مثيله أعاد المؤتمر الوطنى الافريقي للحياة مجدداً و بقوة .

    نسج اوليفر تامبو من المنفى خيوط العمل السري واعاد الحيوية فى اوساط منظمات النساء والشباب والنقابات وقال امبيكى متذكراً سنوات المنفى إننا كنا نذهب للاماكن العامة واماكن السهر، ولم نشاهد الرفيق اوليفر تامبو مطلقاً فى تلك الاماكن، ياله من إنسان !، ومعلوم فى سيرته إن اوليفر تامبو بعد خروجه بتوجيه من حزب المؤتمر الوطني الافريقي للمنفى، وبعدها  رحل الرئيس والزعيم البيرت لاتولي وكان اوليفر هو نائب الرئيس ورفض رغم إصرار زملائه فى الخارج أن يطلق عليه رئيس حزب المؤتمر الوطنى الافريقى لان زملائه من قادة المؤتمر الوطنى الافريقى كانوا فى السجون ولم يأخذ رايهم، وعلى الرغم من انه كان نائب الرئيس المنتخب، وعرف عن اوليفر تامبو قدرته الفائقة على ردم هوة التناقضات والإختلافات وكان شخصاً هادئاً وحاسماً، وقال مانديلا يجب ان تكون حذراً فى ان تدخل فى مناظرة تريد ان تكسبها مع اوليفر تامبو فهو لايدخل فى مناظرة إلا إذا تاكد انه سيكسبها .

  قالت نعومي هاريس فى لمحة ذكية لجريدة التلغراف البريطانية، وقد شعرت بتحدي كبير وهى تقوم باداء  دور ويني مانديلا وقد أدته بتفوق، قالت إنها كانت مترددة لان وينى مانديلا هى سبعة نساء مختلفات فى إمرأة واحدة، فهي تمتلك شخصية ذكية والإنطباعات حولها تتراوح بين القديسة والديماجوجية، والمحاربة وداعية العنف، والصعوبة هى فى كيفية الوصول إلى شخصية متناسقة من كل ذلك كما هو الحال عند وينى مانديلا، قالت إنها قبل اداء الدور جلست إلى ويني التى قالت لها بأنها تثق بها وهى تشرح لها خلفية الحياة التى عاشتها ، وحينما سألت وينى عن رأيها بعد ظهور الفيلم قالت لها إنها تعتقد إن الفيلم ودورها قد نال رضاها، وقالت إن وينى مانديلا إن لم ترضى عن الفيلم لعبرت عن رأيها فهى إمرأة لا تعرف الصمت فى التعبير عن الأراء التى تؤمن بها، وقالت لها ويني شاهدت الفيلم وبكيت حينما شاهدت اللحظات عن الفترة التى أمضيتها فى السجن ولن أجرؤ على مشاهدته مرة أخُرى.

 

  إن السودان يحتاج إلى منظمة ديمقراطية عريضة تضم كل القوى الإجتماعية الجديدة وقوى الهامش وقوى الإستنارة والمثقفين الثوريين، تضع فى صدارة برنامجها تحقيق دولة المواطنة بلا تمييز التى تصون حقوق الإنسان وتحقق العدالة الإجتماعية وتلتزم بسيادة حكم القانون والتداول السلمي للسلطة وتعطي اولوية لتحرير النساء وأولوية لقضايا الشباب و إتاحة الفرصة لهذه الفئات فى لعب دور قيادي حاسم فى إتخاذ القرارات. وتنظر بعينين إحداهما على قضايا القوميات والمهمشين بما فى ذلك النوع، وعين أخرى على قضايا العدالة الإجتماعية والحكم الديمقراطى الرشيد ، وعلى هذه المنظمة ان تقبل على نحو راسخ التداول السلمى للسلطة وترد الإعتبار للشخصية السودانية ولتاريخ السودان وتعترف بشكل مخلص بالتنوع والتعدد التاريخى والمعاصر للسودان، إن الإستمرار فى الإنتقاص من تاريخ السودان سوف ينتقص من جغرافيته كما عبرت عن ذلك فى مناسبات سابقة وكما حدث بالفعل في حالة جنوب السودان.

   إن بناء منظمة وطنية ديمقراطية لا ياتي من المجهول أو من سماء زرقاء صافية بل من حصيلة تحالف أو إندماج طوعي بين المنظمات الديمقراطية الموجودة، وعبر بناء مظلة ديمقراطية تنضج تحالفاتها فى نار النضال من أجل التغيير المشتعلة، ورغبة الشعب فى العبور إلى ضفةِ أُخرى تحافظ على وحدة السودان على أسس جديدة وتتطلع إلى (إتحاد سودانى) بين دولتى السودان مع إحتفاظ كل دولة بإستقلالها، فالاتحاد الاوربي الذى جمع بلدان اوربا بعد حروبٍ وإختلافات تجربة تستحق النظر فمن كان يظن إن المانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية سيكونان أقرب حليفين في أوروبا اليوم، وهنالك تجارب اخرى يمكن ان نستلهم منها الدروس، إن القوى الديمقراطية التى تستخدم وسائل نضالية مختلفة وتاتى من خلفيات متباينة تحتاج إلى العمل المشترك وفق برنامج ديمقراطى لا يعمل على إقصاء الآخرين بل عليها ان تسعى لتحقيق الإجماع الوطني بين مختلف الوان الطيف السياسي لبناء دولة تسع الجميع ، وتبنى ما خربه النظام الشمولي.

   إنما يحدث فى بلادنا اليوم من كارثة كبيرة شملت إنفصال الجنوب وممارسة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب هى كارثة يمكن تحويلها إلى منفعة، وكما قال الإمام محمد احمد المهدي (إن المزايا فى طئ البلايا) وهى عبارة من ثورى ذو عين تبصر خلف البلايا وترى الخروج منها بمزايا، إن الامل الوحيد لشعبنا الذى يعوضه ما حل به من إنفصال وإبادة جماعية ونهب وفساد وتخريب المؤسسات التى بناها من عرقه ودمه  وفى مقدمتها التخريب الذى طال كل شئ وعلى رأسها مؤسسات التعليم والصحة، إن العزاء الوحيد لشعبنا هو أن نتمكن من إقامة نظام جديد مغاير كلياً لما حدث طوال ربع قرن بل منذ الاستقلال وهذا لن ياتى إلا بوجود منظمة وطنية ديمقراطية تمارس الديمقراطية فى داخلها قبل ان تتوجه إلى الشعب، ولن نتمكن من ذلك إلا بمراجعة تجاربنا بشكل نقدى ولا يعنى ان نهدم كل ما لدينا بل ان ننطلق من ميزاته واجود ما عندنا وإحداث قطيعة مع كل الممارسات التى اوصلتنا إلى ما نحن فيه من عثر ومشقة، وقد دلت تجاربنا إن اى منظمة ديمقراطية فى المركز لا تلامس قضايا وهموم واسئلة الهامش المُلحة لن تتمكن من إحداث التغيير وتظل قوى من قوى الضغط فى افضل الاحوال، وأي منظمة من الهامش لا تستطيع ان تلتحم بالقوى الديمقراطية فى المركز وتقبل بالنضال والعمل المشترك لن تستطيع ان تحقق الحلم فى بناء مجتمع جديد وعقد إجتماعى جديد وسيتم إلحاقها بالمركز القديم او ان تتجه صوب الإنفصال الذى سيطرح عليها الاسئلة القديمة الجديدة التى تهربت من الإجابة عليها فى النضال من اجل تغيير المركز، ولذا فإن قضية التغيير الجذرى مرتبطة بشكل لافكاك منه بقضية وحدة القوى الديمقراطية والحركات الإجتماعية الجديدة على اساس برنامج ديمقراطى لا تعرف مفردات الإقصاء وعدم الإعتراف بالاخرين و تبديل الضحايا بضحايا آخرين، لا تعرف هذه المفردات سبيلاً إلى هذا البرنامج ، وهو البرنامج الوحيد القادر على بناء كتلة تاريخية جديدة، وفى ذلك إن دراسة تجربة المؤتمر الوطني الإفريقي ذات فائدة، و حري بنا ان ندرس تلك التجربة لا لتقليدها بشكل أعمى بل من اجل اخذ الدروس والعبر .

  كان الزمان هو الأربعينيات من القرن الماضي وجيل جديد يطرق أبواب المؤتمر الوطنى الافريقى، أوليفر تامبو ووالتر سوسولو واحمد كاثرادا، و فى الفيلم يعملان على تجنيد مانديلا ويبدو إن مانديلا الشاب يطرح عليهم أفكاراً فطيرة بإن التغيير ياتي عن طريق التعليم الذى سيوصل السُود إلى مصاف البيض، ويطرحان عليه ببرود إن التنظيم وبناء كتلة تاريخية جماهيرية فى مقابل الاباراتيد هو الإجابة، ويعرضان عليه دخول المؤتمر الوطني الافريقي ذلك الحزب الذى نشاء فى عام 1912م، وبقى عبر الزمن يصعد ويهبط ثم يصعد مرة أخرى، كُتب على يد ذلك الجيل نهاية نظام الاباراتيد، و تمكنت تلك المجموعة من الصيد الثمين ودخل مانديلا المعارك الجماهيرية وإنضم إلى حزب المؤتمر الوطني الافريقي، تحاصره زوجته الأولى وأمهُ، وقد هجرته زوجته لاحقاً ويعبر مانديلا من ورطة الإلتزامات الشخصية إلى نيران الإلتزامات العامة، و لايتراجع أبداً و ينجذب فى جذبة العمل العام كما ينجذب الدرويش أوهكذا عبر سعد زغلول زعيم ثورة 1919م فى مصر فى حديثه عن العمل العام ونيران إلتزاماته، أخذت هذه الجذبة خيرة فتية ذلك الزمان، رُسل المحبة والمصالحة والعدالة الإجتماعية من شبابهم إلى شيخوختهم، ومن لهذا العالم الفسيح الجميل مرة أخرى بأناس مثل أوليفر تامبو وموسيس كوتاني ومانديلا وسوسولو وإسماعيل وفاطمة مير وويني وكاثرادا وكرست هاني و جو أسلوفو……الخ، مرةً أخرى حينما يكون الإنسان إنساناً ويذهب فى مراقى الجمال بأشرعة تصل به إلى شواطئ الإخلاص الإنسانى فإنه حتماً سيلتقى فى تلك الشواطئ باوليفر تامبو وزملائه الذين أبحرت مراكبهم ووصلت إلى تلك الشطأن الدافئة ذات المياه العذبة.

   الحياة دائماً تمد أشرعة الرضا لويني مانديلا حينما فشل النظام العنصري فى تدمير مانديلا، وأراد ان يحطمه عبر تحطيم ويني، ولكنها كانت عصية على التحطيم وإستطاعت ان تخرج من كل المأزق التى واجهتها حتى المآزق التى إتخذت فيها مواقف غير منسجمة مع خط المؤتمر الوطني الافريقي وقادته الكبار، وتعرضت إلى مضايقات سياسية و إجتماعية عديدة وسندها القوى فى الخروج صلتها الوثيقة بالفقراء، وقد هبوا دائماً لمساندتها حينما تم نفيها الى مقاطعة الأورنج فى ريف جنوب إفريقيا البعيد .

   إتصل بها اوليفر تامبو من المنفى كانت اول محادثة تأتيها من خارج جنوب افريقا فى وقت كانت فيه الإتصالات صعبة ونادرة لا سيما فى الريف، كانت خائفة عبرت عن مخاوفها لاوليفر تامبو بعد أن تعرفت على صوته، وسألته كيف أتصرف (بابا)؟ قال لها حينما تكونين خائفة لا تتصرفي بدافع من الخوف ستخطئ التصرف لا تفعلى أى شئ فى ذلك الوقت فإن الحياة ستأتيك بالحلول والإجابات الصحيحة وإستخدمت ذلك طوال حياتها.

  جاءت ويني من دنيا البراءة والريف كانت صفحة خالية من أي كتابة سياسية فى بداية حياتها، تزوجها مانديلا و دفع بها إلى العمل الجماهيري وكانت إمرأة رائعة الجمال، و سرعان ما غيبت السجون مانديلا و إلتقطت الراية من بعده وصادمت الاباراتييد و إنكسر نظام الفصل العنصر ولم تنكسر ويني مانديلا، بعد فسحة قصيرة من الزواج دخل مانديلا السجن وهى فى العشرينيات من عمرها، أراد النظام ان ينتقم من مانديلا فى شخصها بعد ان اخذت السجون الاغلبية الساحقة من قادة المؤتمر الوطنى الافريقي، وذهب الأخرون الى المنفى، وإلى العمل المسلح والعمل السري، أصبحت وينى مانديلا أحد الناطقين الرسميين بإسم المؤتمر الوطنى الافريقي، و أحد عناوينه الثابتة وحتى اليوم لا ينظر الجمهور إلى اخطائها بقدر ما ينظر إلى  ماضيها الشجاع فى أزمنة الحصار، وقد لعبت نساء جنوب إفريقيا دوراً حاسماً فى إعادة حزب المؤتمر الوطني الافريقي إلى الخارطة الوطنية من جديد، ألبرتينا سوسولو وفاطمة مير وويني و الأخريات .

  أرسل لها قادة المؤتمر الوطنى الافريقى رسالة للتوجه نحو المنفى بعد أن راءوا إن الضغوط تتكاثف حولها وضربت مضاربها بطريقة لا تحتمل، وذهبت ببناتها إلى سبع مدارس كلما إكتشفت المدرسة إنهن بنات نلسون وويني يقومون بفصلهن بلا تردد وبتوجيه مباشر من نظام الفصل العنصري، قامت بتغيير وثائق بناتها وكلما يتم إكتشاف ذلك تبعد البنات من المدارس، جاء الصديق القديم جو جوزيف برسالة من قيادة الحزب ورفضت تعليمات الحزب وقالت له إن مكانها الطبيعى الوحيد هو داخل السجن العريض مع سود جنوب افريقيا ولن تذهب إلى المنفى، تم إعتقالها وعذبت وتورم جسدها من التعذيب وقالت إن جسدى أصبح مثل البالون، ومن تجارب السجون والنفى الداخلى تغيرت إلى الابد من الفتاة الريفية البريئة الخائفة إلى محاربة مصادمة لا تعرف التراجع و تبصق على وجوه معذبيها، وتصادمت لاحقا مع مانديلا نفسه وتوجهاته نحو المصالحة، وحينما رأى مانديلا فرصة للسلام والمصالحة والمساومة التاريخية رأت فيها ويني فرصة لإقتلاع نظام الأباراتيد فهى إبنة غضب الشوارع التى لا تهدأ وتقودها كل معركةٍ شرسة إلى معركة أشرس منها.

قَبل البيض إعطاء الحقوق السياسية للسود مقابل الحفاظ على وضعهم الإقتصادي، وصيغة تعفيهم عن المحاسبة المادية على جرائمهم، ورأت ويني إن تلك اللحظة بعينها هى لحظة تسليح الجماهير للقضاء على نظام الأباراتيد، وعكس الفيلم تلك اللحظات والتناقضات والمفارقات العاطفية والإنسانية والسياسية بين ويني ومانديلا، وبينها ومناضلين كبار، وقد فرقت بينها وبين مانديلا فى بعض المواقف مسافات عاطفية وسياسية وإجتماعية هى حصيلة المسافة التى كانت تفصل بين جدران السجن السميكة وتناقضات الحياة المربكة ومطالبها الإنسانية خارج السجن، دفع عنف النظام العنصري بويني مانديلا نحو المواقف القاطعة بينما كان عنف وقهر جزيرة روبن قد دفع بمانديلا و زملائه إلى تأمل عميق فلسفي وسياسي فى طبيعة الظلم والسجن الذي يقبع فيه السجين و لا يستثني السجان. أجبر نظام الفصل العنصري ويني لترك بناتها للذهاب للدراسة فى سويزلاند، وكانوا يقومون بإعتقالها بشكل مدروس قبيل لحظات من مجيئ بناتها للإجازة حتى يدمروا حياتهم والا يلتقوا مطلقاً بأي من والديهم وعزلهم عن بعضهم البعض وأحياناً تم ذلك بنفى والدتهم إلى الريف، ولكنها حولت الريف الذى تواجدت فيه إلى قلعة من قلاع حزب المؤتمر الوطنى الافريقي ، كان مانديلا فى سجنه الطويل يرى إن جنوب افريقيا الجديدة تقع فى مسافة مابين أشواق السود ومخاوف البيض، بينما رأت ويني إنه فى لحظة صحوة الجماهير وتراجع نظام الفصل العنصرى هى ليست لحظة للمساومة بل فرصة للتحرك بشكل اكثر جذريةً وتسليح الجماهير، وتصادمت مع قادة المؤتمر الوطني الافريقى الذين يقودهم مانديلا وكان السؤال الذى مايزال مطروحاً عند حركات تحرر كثيرة فى العالم الحرب أم التفاوض، و إختار مانديلا التفاوض ولا يزال البعض يطرح طرحاً مغايراً حتى اليوم حتى بعد ان حسمت هذه القضية، وجوليوس معلما أحد زعماء الشباب المنشقين عن المؤتمر الوطنى الافريقى لا زال يطرح اسئلة مماثلة، وعلى الرغم من طريقته الديماجوجية التى تعتمد الإثارة، ولكن سؤال الحرية السياسية دون الحرية الإقتصادية والتوزيع العادل للثروة والأرض  مازال سؤالاً محورياً فى الحوارات داخل و خارج أسوار المؤتمر الوطني الافريقي، وفى زمبابوي المجاورة، وقد أُضيف إلى ويني قضايا متعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان وحدث تباعد عاطفى بينها وبين مانديلا وحفرت السنوات آثارها. ففى الفيلم يبدو سوسولو الموزون بميزان الذهب يشجع مانديلا بغضب للإنفصال عن ويني وهو ما فعله مانديلا لاحقاً، ومع ذلك تبقى رحلة ويني ومانديلا ساحرة مثلما بدأت وذات إيحاءات حول تعقيدات العلاقات الزوجية لاُناس ومناضلين صمدوا فى تحمل ظلمات جزيرة روبن، وقهر نظام الفصل العنصري وتعقدت حياتهم الإجتماعية ، وهو قرار لا بد إنه كان صعباً للطرفين.

    وقد دخلت وينى مانديلا فى تقاطعات كثيرة بعد ذلك وخرجت منها مثلما تخرج الشعرة من العجين لان تلك الشعرة تحظى بحب الجماهير والفقراء، وبالرغم إتهام البعض لها بالديماجوجية. 

   وفى الذكرى المئوية لحزب المؤتمر الوطنى الافريقي فى يناير 2012م فى بلومفامتين  المكان الذى شهد ولادة حزب المؤتمر الوطني الافريقي فى تلك الكنيسة الصغيرة المتواضعة، وقد قُدمت دعوة لقيادة الحركة الشعبية فى السودان من حزب المؤتمر الوطني الافريقي، وذهبنا والرفيق مالك عقار رئيس الحركة لتلك المناسبة.

 

  وفى العشاء الرئاسي كنت أجلس بالمصادفة فى المقعد المُجاور لويني مانديلا، وقام مقدم الحفل الحصيف والمناضل المعروف سيرل رامافوزا الذى إنتخب مؤخراً نائباً لرئيس جنوب افريقيا بإعطاء فرصة لإحدى المناضلات لتتحدث نيابة عن النساء ولم تعطى ويني الفرصة، ولم تتم تحيتها بالشكل الذي تراهُ مناسباً لتضحياتها كانت غاضبة ومع إحدى صديقاتها التي هي أكثر غضباً منها وكانت تتحدث بصوت عالى فقلت لها.