د.ناهد محمد الحسن أوّل مرّة التقيت فيها بعالم عبّاس كان في ذكرى استشهاد الأستاذ محمود محمد طه بمركز عبدالكريم ميرغني الثقافي. استمعت اليه يومها وهو يقرأ السطور الأخيرة من دفتر الحلاج الثاني

. ومن يومها صرت أسيرة للرؤى الحادّة والمواقف الصلبة والرومانسية الموجعة في شعر عالم. وكثيرا ما خصّني بدواوينه الوليدة وزينها بإهداءاته الكريمة. وكنت اتعاطاها دون أن أتجرّأ في التعليق أو الكتابة عنها. ولم يكن أوراق سريّة من وقائع حرب البسوس الديوان الأخير لعالم استثناءا لهذا التقليد. غير أنّني ما عدّت احتمل التحديق في هذا الديوان دون مشاركة الآمه.  ففي هذا الديوان لا وجود للحب والحبيبات. ولا صلوات عالم المعتادة (هنالك حيث أكون ازائك):(سأسكب شمسك في قدحي/أتأمل رَغْوَ صفائِكْ/حتى إذا انبجس النور بين الحبيبات/أشعل بهْوَ سمائكْ/واضطرب الودْقُ/واحتدمَ العشقُ/ وانعتقَ السُكْرُ في خمر مائكْ،/سيمطر سقُفُ بهائك/ مَنَّ السكينةِ،/ سلوى الطمأْنينة البِكْرِ،/ تنشطرَ الكأسُ نصفين،/ يَلْصِفُ بلُّورُها من ضيائك). ولا للأشواق العذبة والمحبة الصافية للوطن  كما غنّى في (سوميت بنات درجيل): (فإذا جاء المغيب/ ذبت كالشمس على صدر النهود/ وصبغت الرمل ورساً كردفانيا معصفر/ وضممت ُ التل أكثر/ وتمطيت ُ كتمساح على رمل الجزائر

وتغطيت بأدغال الجنوب/ وتوسدت ذرى نخل الشمال/ ثم أرخيت على {دار فور } أهدابى ونمت .

كانت الصحراء ملقاة على كتفى شالا/محكم الوشى منمنم/ من نسيج { العشر } الغٌبر وأشجار { الهشاب }

ثم نهر النيل فى صدرى وشاح/وعلى الشرق ، كما فى الغرب يمتد جناح/أيها الليل الصباح/ أأنا أحلم ؟ أم ان الرياح/ أسكنت من عصفها المجنون ، فأرتد السكون/ هاجعا وسنان ، أم ان الحفيف/ كجناح رف مسحورا فأغفيت وأغفت { سندريلا/ /فى مهادٍ عاطر الضؤ شفيف/أم دعاشات الخريف/أسكرت روحى فهمتُ

وتغشّت خمرة التذكار اعصابى فنمت/ ياعذارى موطنى النائى تعالين إليا/ بالزغاريد وإيقاع الدلاليك وبالرقص المغامر/ بدخان الصندل المحروق فى نار المجامر/إننى الآن كأشقى ما أكون). كانت أشواق عالم وقتها للوطن الكبير والصغير. لدرجيل وللجميلات والطقوس الساحرة التي تجتذب الحنين. واليوم يكتب عالم للوطن المسلوب صلاة جريحة تقطر بالأسى والمرارة. لكنها رسالة رقيقة وحادّة وعميقة في آن. وجهتها لبقيّة من ضمير وروح حي  عند بعض الذين سلبوا هذا الوطن نبض روحه. علّها تصادف تلك اللحظة البارقة التي أعقبت مجيء غراب قابيل ليواري سوءة هابيل . حيث كتب عالم (بعض ما قاله القتيل في رثاء القاتل): (ما بين دم يتقطّر /من كفيك، وينطق باسمك/ يأخذني الإشفاق عليك، وها أنت وحيدا ، تتلظّى في وحشة اثمك). بهذه الطريقة الموجعة يكتب عالم رثاءه للنظام الحاكم بنبل نادر الحدوث لرجل علّمته الرؤى العميقة أن يشفق على البشر من شرورهم الدفينة وأطماعهم القاتلة. وإن كانت موجّهة لإيذائه وفنائه. يقول عالم: ( أجل مازلت أخي/ وعسى ولعل/ تطيق فكاكا من هذا الذل!). من قصّة قابيل وهابيل وظلم الإنسان لأخيه الإنسان تسرّب عالم عبّاس عبر التاريخ العربي ليكشف لنا ويرينا طعنات الغدر الموجعة حين تأتي من الإخوة ومن أبناء العمومة. وبدأ يتنقل بين هابيل ويستدعي ميثيلوجيا حرب البسوس ليفهمنا شيئا عن مرارات الجرح. وأظنّه ركّز على الحكايات التي تحكي جبروت الأقارب والإخوة ليعبّر عن ظلم من نوع خاص. ظلم ذوي القربى الأشد وطأة على النفس. فإذا بسطت يدك لتدافع عن نفسك فإنما أنت تقطع رحما او تفجع أختا أو أمّا. كما تقول سعادة عبد الرحمن( التجي من بعيد/ قسمتنا نتلقاها/ وحارّة الشينة من اللّيك كان سوّاها/ لا بتقدر تصل حدّا تلزموا ياها/ لا بداوي الزمن جرحك ولا بتنساها). وهذا ما عبّر عنه عالم ببراعة موجعة. كما مضى عالم في سرده لوقائع ما بعد حرب البسوس موضّحا الأسلحة التي استخدمت فيها. وكيف ان المجرمين وظفوا الدّين في معاركهم ليظفروا بالوطن. ( انا اخترعناه، هذا الذي همت في حبه عاكفا/ وإنا صنعناه من حلينا ومن هوانا/ وإنا ابتدعناه فهو لنا دونكم/ قلت مهلا (إذن قد كفرتم)/ فقالوا: نحن الذين نكفر لا انت نحن لدينا الكتاب وام الكتاب/ نصوص القداسة / صغنا عباراتها سورا/ وضربنا عليها الحجاب/ واحتكمنا لآياتها كي نسود عليكم/ فنجعلكم تحت أقدامنا/ ثم نحن إحتكرنا تفاصيلها/فنفسر كيف نشاء/فإن ماتناقض الآن بعض الذي لا نريد/وما قد أردنا/ نسخنا/ وصغنا الذي نشتهي من جديد/ وإنا لننقص في متنه ما نشاء وإنا نزيد). ثم كما يقول عالم ( غير أني طفقت أجادلهم بالتي هي أحسن حتى أساءوا). وتغيرت لغة  عالم من المواجهة اللطيفة الى سرد الوقائع المؤذية ليوضح الخط الرفيع بين الغفران والنسيان. مركزا على أهمية العدالة الإنتقالية ( ليس بوسع أحد /يعيد السهام التي انطلقت/بعد نبض القسي/ وان اخطأت قصدها  أو أصابت/ وهل من أحد يستعيد الحياة لمن قد قتلتم؟!) الى ان يقول (غفرنا وقد نغفر الآن/ اما لننسى فهذا محال). ويمضي في عرض قضيته الى ان يختم بأبيات الحارث بن عباد ..عجزها دون صدرها. وهي القصيدة الشهيرة في الشعر العربي(قربا مربط النعامة مني):( قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لَقِحَت حَربُ وائِلٍ عَن حِيالِ/قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … لَيـسَ قَولي يرادُ لَكِن فعالي/قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … جَـدَّ نَوحُ النِساءِ بِالإِعوالِ/قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي … شابَ رَأسي وَأَنكَرَتني القَوالي). وقربا مربط النعامة هي نداء الحراك الذي اطلقه الحارث بن عباد قبل ان يهب على بني تغلب ويقتل الزير سالم وينهي الحرب كما تقول الحكايات. وهي ما أراه اضمار عالم للحراك الثوري الفاعل. فالحارث بن عباد اعتزل الحرب التي عرفت بالبسوس بين ابناء العمومة حتى اضطر ان يدخلها بعد ان شاخ وكبر بسبب مقتل ابنه على يد الزير سالم. وقد كان الحارث ارسل ابنه للزير بديلا عن كليب ليقتله ويحقن دم العرب. فقتله الزير وهو يقول( بشعس نعل كليب). واستدعاء موقف الحارث في ختام القصيدة كأنه اشارة . فالانسان لا يستطيع الحياد واعتزال الحروب حين تدور بين الأهل وابناء العمومة لأنك ستصطلي بها عاجلا او آجلا. كما ان الظلم والتجبر سيمتد ليبتلع الذين يقفون على الحياد. ومن اوراق البسوس  الى الخرطوم من مدائن صالح. وكأن عالم يلوم الخرطوم على صمتها. ويلمس ذلك الجرح القديم. حيث تتقطع وصال الوطن دون ان ترتعش الخرطوم لذلك. ثم على طريقة كليلة ودمنة لإبن المقفع يحكي قصة الثعلب العجوز والذئب. مستخدما امثولة الحيوانات ليحكي قصة اكبر مؤامرة عرفها السودان في تاريخه الحديث. خاتما قصيدته (واذا الذئب ومن شايعه نحو اليسار /واذا الثعلب والغاوون عن ذات اليمين). ومن استعراض واقع السودان والجذور العطنة اختتم عالم ديوانه بسفر القيامة. التي وقع لحنها على هامش واقع السودان الآيل للسقوط اصلا( يا رياح الفواجع هبي/ فقد هدّنا الانتظار/ عذاب التوقع أقسى علينا/ وقنبلة الانشطار/ متى الإنفجار).

رغم هذه الرحلة الشاقة والجارحة التي قادنا عبرها عالم بدراية وعمق. الا إن عالم  لم يفقد إيمانه بالوطن الواحد ولا بالدم الواحد. لم تحوله المرارات الخاصة ولا العامة ولم تغبش رؤاه. كان ينظر الى أزمات الوطن ككل. والى عطب الانسانية كنقيصة عامة. رغم انه وطأ ازمات الهامش وغاص الى جذر العنصرية المتعفن. الا أنه خرج برؤية ناضجة وحل ناجع ووحيد لشفاء هذا البلد بعد ان شخّص أزماته الدينية والعرقية والتنموية والإجتماعية. ثورة وقيامة على كل شيء ..( وتسأل من هؤلاء ومن أين جاءوا/ سراعا اليك؟ لا عليك!)..لقد كان عالم مدركا لحقيقة هذا السؤال الشهير الذي أطلقه مستنكر الراحل الطيب صالح. فجاءت إجابته المفجعة قريبة جدا من تحليلات حسن موسى عن نسب الغول..ادرك عالم وحلل في قصيدته عيوبنا وعيوب النظام الحاكم في اقتدار موجع..لكنه اختار بشجاعته الشعرية ان يكون جزءا من الحل…

محطة أخيرة:

(وتركنا دار الكلمات المنطوقة والمهموسة/والكلمات القاصرة المعنى/ والرقطاء اللون/وتكلمنا بالصمت المفصح/ والصمت الثرثار/ والصمت الوهاج، الصمت الجوهر/ ذاك الصمت النار/ وضممتك فى صدرى/ حتى خلتك أنت أنا/ وأنا حين تلاشيت بصدرك أنت /آه،/ كنا انقى من ملكين اثنين/ واصفى من نور/ يتسلل وهناً من مصباح/ فى مشكاة ، عند جدار من بلور) يوم أهلت سيدة اللوعة (عالم عباس)