رواية (آلام ظهر حادة)، حينما يبدع كرم الله إبراهيم جعفر مكرم         "أنا زوج حذاء رجالي ، مقاس 42 ."

انطلاقا من هذه الأنا المتكلمة، وعلى مدار 17 فصل معنون، موزعة في (133 صفحة)، بلغة حصيفة، ناقش عبدالغني كرم الله، جملة من الأفكار الشائكة، وطرح – بواسطة هوية حذاء – العديد من الأسئلة الرمزية التي تجبر القارئ على التأويل وإعادة التأمل في مشاكل الحياة، وإيجاد الحلول!!

        ولما كان الحذاء، وهذا على الدوام ، هو الرفيق الملازم للإنسان ، تماما كالظل، على اختلاف أجناس البشر وأنواعهم، وتعدد هوياتهم وأعراقهم، وأيضا في كل أعمارهم … نجد أن كرم الله، قد استخدم هذه الخاصية المرنة ، للغوص داخل عمق المجتمع ، وللتنقل واثق “الخطى”، يطرق الأبواب، مستترا وراء الحذاء.

        الرواية تحكي قصة زوج حذاء ، منذ الولادة وحتى الهرم ، قام الراوي بمنحه كل متطلبات السرد ، فملّكه الخطاب ، وبنى له شخصية كاملة ، بمقومات البطل، فجعل للحذاء لسانا يتكلم ويشكي ، وذاكرة يستند عليها ويراجع بكان وكنت ، وجسد له ظهر من جلد البقر.. وبطن من البلاستيك.. وشعر ممشط هو السيور. وكذلك حواس ، كالبصر الذي فتش عبره في معاني وتصرفات الأنسانية. وكالإحساس بالألم الناتج عن هذه التصرفات.. وأيضا خلق كرم الله ، للحذاء ، رحم ومولد وطفولة ونضوج وأم وأب وجد وإخوة ، كما صنع له هوية فردية ينتمي إليها -جنس الأحذية.. ونوعية -لكل ماهو معمول من الجلد.. وجمعية -لأمه البقرة الأصل.. وصادم لنا ، في كثير من جنبات الرواية، بين هذه الهويات المعقدة ، وهو ما قد يكون اسقاطات لكيفية التعامل مع مشكلة تعدد الهوية في المجتمع !

        ليس هذا وحسب، فحذاء كرم الله -إن جاز التعبير- مشبع بالأحاسيس والمشاعر ، من حب وعشق ، شوق وتوق ، حنين وغيرة ، عزة وكرامة ، وتضحية وأماني.. فهو يفطن لجمال الأحذية النسائية ذات الكعب ، ويمني نفسه في كثير الأحاين بالطيران والتحليق ، ويصاب بالحزن والتعب واﻹجهاد. ويتندر ، وينكفئ على قفاه من الضحك..! ونجده تارة داخل معمعة يواجه اعداءه بصرامة ، من الشوك والحجارة والأقدام.. وأخرى نجده مع أصدقاءه ، الشجر والأطفال يعلم ويروي… ومرة نجده يمرض أو يصاب بالدوار وأخرى يسكر وينتشي وثالثة يحلم بلا منام (فالأحذية هنا لا تقفو ولكنها تشارك الأحلام) ، بل وأبعد من ذلك ، حين وضح عبدالغني أن للأحذية إجتماعات – وقت صلاة الجمعة ، وفي الأماكن المحتشدة –  لمناقشة الحريات والمطالبة بالحقوق.!

        هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، استخدام لغة الحوارات الضمنية ، و انعكاسات الأقوال ، مما منح للحذاء التفاعل التام مع الأخر والمحيط ، وتجنب إدارة حوار مباشر إلا في ما يتطلب. وأجاد تخير الأسماء للأماكن.. كما والف مجموعة من الأمثال المحورة ، بما يعكس مدى تطور تفكير الحذاء واكتسابه الحكمة بالتدرج ، فيقول:

        “تموت الأسود في الغابات جوعا ، وحذاء العمدة تمتطيه الحسان”
        و”الحذاء كالريح إذا سكن مات”
        و”الاحذية ع اشكالها تلبس”
        و”تجري جري الوحوش -ويهترئ الحذاء- وغير رزقك ما بتحوش”
        و”لا حك جلدك -من ألم الشوك والدباييس- مثل ظفرك”
        و”حذاء بلا أرجل يوازي جسدا بلا روح”
        وغيرها الكثير.!

        وانعكس ذلك على الأفكار المطروحة : من حتمية القدر والتعامل معه ، وجدلية الغاية والوسيلة ، والهوية بين الأصل والتعددية… وكذلك في ارتفاع حس الحذاء الناقد ، بما جرت عليه العادة وليس من منطق ، كأن يكون للأطفال حديثي الولادة أحذية بمقاسهم ، ويتسائل ساخرا ، الحذاء عنا ، لما هم يولدون حفاة بلا حوافر مادام أنهم يحتاجون للحماية؟!

        كل هذا، أهل الحذاء لمحاولة الفهم، وبطريقة التهكم ، للغز الإنسانية الكبير ، والتعرف على همومه باختلافها ، فالحذاء منذ البدء حين وجد نفسه حبيس قفص زجاجي مغلق، في واجهة معرض، متمنعا بسعر مرتفع ، ظل يراقب الناس وتصرفاتهم من بعيد… ولما انتهت عزلته مع سيدة دفعت ثمن شراء حذاء رجالي كعربون محبة لعشيقها، نجده انطلق مع مالكه الأول، يجوب عالم الرفاهية وجنون الحب ، ويتعلم من تصرفات الناس وانطباعاتهم. وكذا لما انقلب الحال رأسا على عقب ، وتمت سرقته بالخطأ من قبل لص، وتحول بعد ذلك لملكية (جابر)، فأذاقه الأخير إزلال الفقر والبهدلة ، وتحول من حذاء المهمات الواحدة ، إلى حذاء متنوع الاستخدام ومتعدد الراكبين، ومن أحد هذه المشاهد المؤلمة الغير معتاده عليه، والتي شق فيها إلى نصفين أو كاد، بسبب قيادة جابر لدراجة هوائية خربة ، استشف العنوان!

        ومع جابر وزوجته فاطمة وأولادهما والبنت الصغيرة عائشة ، تنفتح عوالم جديدة أمام الحذاء ، ويخطو طرقات وبرك وطين آسن ما كان ليخطوها قبلا ، ويتعجب من أن لجابر عدة حيوات ، وأنه -أي الحذاء- حينما يذهب معه إلى الخمارة كان يسكر كما يسكر الإنسان ، ويترنح بترنحه…! ومع سمرة فاطمة يعي الحذاء ماهية الجمال… وبرفقة “عشة” الطفلة ، التي تفهم وتتخاطب بلغة الأشياء ، يشرح لنا الكثير من المعاني والقيم لفهم حياتنا !

        لكننا حينما ندرك أن الحذاء الكبير هو جسد الإنسان نفسه ، والذي ترتديه أقدام الظروف والهموم ، المرض والنزوات والروح والأحلام، وتسير به في الطرقات الوعرة كمجرد وسيلة لغاية، وأننا على تعدد هوياتنا ، مازال لنا ذات الأصل ، كما هو الحال “للحذاء وأخته كرة الجلد”.. وإن تعاونا، وأدركنا جميعا فروقات الأخر، وقدراته المغايرة عنا، وحاجاتنا المتبادلة الملحة ، فإننا سنسجل بالتأكيد هدفا.. وربما ، ولما لا،  قد نقترب من حل لغز الانسانية!