ياسر عرمان  وقام مُقدم الحفل الحصيف و المناضل المعروف سيرل رامافوزا الذى انتُخب مؤخراً نائباً لرئيس جنوب افريقيا بإعطاء فرصة لإحدى المناضلات لتتحدث نيابة عن النساء، ولم تُعطى وينى الفرصة،

ولم تتم تحيتها بالشكل الذى تراهُ يتناسب مع تضحياتها، كانت غاضبة ومعها إحدى صديقاتها التى هى أكثر غضباً منها ، وكانت تتحدث بصوت عالى فقُلت لها (أنتِ لا تحتاجيين لمن يقدمك للحديث فسيرتك وأحاديثك فى كل العالم كما إنك رمزٌ للمحاربين من اجل الحرية على مستوى العالم) فإبتسمت وسألتنى من أنتَ ؟ ومن أى بلد ؟ ودخلنا فى حوار بعد نهاية البرنامج وأخذنا معها صوراً مشتركة، ثم ذهبت فى اليوم التالى إلى المطار فى طريق العودة إلى جوهانسبيرج فوجدتها فى المطار فواصلنا حديثنا مرةً أخرى ،  ودخلتُ الطائرة وكان مقعدى بالقرب منها و إبنتها وأحد أحفاد مانديلا ، وقد قدمتنى لهم وكانت سعيدة لان الناس يتابعون سيرتها، فسألتها أسئلة عديدة عن سنوات نظام الفصل العنصرى، وعن آرائها فى بعض القضايا ، وسألت بدورها عن الاوضاع فى السودان ولماذا إنفصل الجنوب، و عن الحركة الشعبية، و عن الحركة الديمقراطية فى السودان ، وإمتنانها لتضامن الشعب السودانى مع نضال شعب جنوب افريقيا .

   إن نعومى هاريس الجميلة ادت دوراً مميزاً لتلك المناضلة الجميلة شكلاً ومضموناً ، إن وينى مانديلا بلاشك هى إحدى اهم الشخصيات النسائية المحاربة فى القرن الماضىى .

    أحمد كاثرادا الهندى الجنوب افريقى سجين جزيرة روبن الذى لم يمنعهُ اصله الهندى والميزات النسبية التى حظى بها الهنود مقارنة بإخوتهم الافارقة السود من خوض المعارك  فى قلب نضالات السود والقوى الديمقراطية من مختلف الاعراق فى جنوب افريقيا ، وقد لعب هنود جنوب افريقيا وآسيوين آخرين وكثيراً منهم من المسلمين دوراً مركزياً فى المؤتمر الهندى والمؤتمر الوطنى الافريقى، و قد ساهمت فى تأسيسه الفترة التى امضاها المهاتما غاندى أثناء فترته القصيرة فى جنوب افريقيا، و الذى وصل إلى مدينة ديربان فى مايو 1893، وكانت رحلة جنوب افريقيا و الاحداث التى صاحبتها ذات أثر فى تشكيل رؤية المهاتما غاندى نفسهُ، ومنها قصة القطار الشهيرة إلى برتوريا وتعرفه على إشكاليات الفصل العنصرى، وإسهامه فى تاسيس المؤتمر الهندى فى جنوب افريقيا و لاحقا فى الهند ، ورجوعه إلى الهند فى عام 1901م، وقد خلف أثراً كبيراً فى جنوب افريقيا كما خلفت جنوب افريقيا اثرها الكبير ايضا عند المهاتما غاندى وقال عبارته الشهيرة (لقد ولدت فى الهند وصُنعت فى جنوب افريقيا) . وقد لعب الهنود الجنوب إفريقيين دوراً كبيراً فى قيادة المؤتمر الوطنى الافريقى ، وقيادة الحزب الشيوعى وفى رفد الإنسانية بنماذج قل ما أن تتكرر، وحفروا بصماتهم فى ضمير النضال الإنسانى العالمى ، و اسماء مثل كاثرادا وإسماعيل وفاطمة مير ويوسف دادو وعزيز و يوسف باهات و ماك مهراج وجى ناندو …. ألخ كل هؤلاء  إحتلوا مقدمة الصفحات فى نضال شعب جنوب افريقيا.

   فى مقدمته لمذكرات إسماعيل مير أذكر إن مانديلا قد قال إن إسماعيل مير كان صديقى وتعلمت منه أشياء كثيرة ومنه تعرفت على عظمة الهنود وثقافتهم وهو الذى طرح على و اوليفر و سوسولو ضرورة نضال الهنود والسود معاً لانهم يواجهون نفس الظروف مع إختلاف الوقائع ، وقد رفضت ذلك وظل يطرح ذلك دون كلل او ملل إلى أن تمكن من كسب اوليفر وسوسولو إلى جانبه  . ومن إسماعيل مير المحامى الشهير تعلم مانديلا إن ضيق الافق لا يخدم قضايا السود، و لايمكن حل قضايا السود إلا فى إطار بناء مجتمع جديد لكافة الاعراق. وقصة إسماعيل مير ومانديلا شديدة الإفصاح فى الحوار الذى يدور فى بلادنا بين القوى الديمقراطية والحركات الإجتماعية الجديدة فى الهامش والمركز ، وإن اى قصة ناجحة للتغيير فى السودان لايمكن ان تُبنى على اساس إثنى سواء بالاحتفاظ بالمركز القديم او محاولة بناء مركز إقصائى جديد ، ولايمكن تبديل الضحايا بضحايا آخرين ، كما لا يمكن كذلك الحفاظ على مركز السُلطة الحالى الذى قام على عدم الإعتراف “بحق الآخرين فى أن يكونوا آخرين”  حتى إنتهى إلى فصل الجنوب و حروب الإبادة . إن السودان  يحتاج إلى تعريف مشروعه الوطنى من جديد و التوصل إلى عقد إجتماعى وسياسى جديد . و لاتزال رؤية السودان  الجديد التى طرحها الدكتور جون قرنق دى مابيور وكان هو رائد التأهيل النظرى والعملى لها ، ولا تزال هى العملة الوحيدة الصالحة للتداول لبناء دول قابلة للحياة فى السودان و دولة جنوب السودان، و إنما يحدث الآن فى دولة جنوب السودان يؤكد مرة أخرى عدم إمكانية  الوصول إلى مشروع بناء وطنى قائم على الإعتراف بالاخر الإثنى والدينى والثقافى وعلى العدالة الإجتماعية و إحترام حقوق الإنسان والديمقراطية والمواطنة بلا تمييز،  إلا بالرجوع و زيارة رؤية الدكتور جون قرنق دى مابيور مرةً أُخرى .

   أول معارك مانديلا فى السجن إرتبطت باحمد كاثرادا، فاحمد كاثرادا كان يُعامل بطريقة مختلفة فهو من الهنود وهم طبقة أعلى من السود فى نظام الفصل العنصرى، وأُعطى بنطال طويل بينما أُعطى السود بناطيل قصيرة (أردية)، لان النظام لا يعترف بهم إلا كقاصريين ، و لايعاملون معاملة الكبار، ودخل مانديلا و زملائه فى معركة طويلة من اجل حقهم فى بنطال طويل ، وزيارات وإتصالات مع أُسرهم، و كسبها جميعاً عبر نضالٍ شاق إستغرق سنوات ، لعب فيها التضامن فى داخل و خارج جنوب افريقيا دوراً مهماً . كان أحمد كاثرادا صلباً ومستقيماً لم يتوانى مطلقاً من الوقوف بجانب زملائه رغم مماحكات نظام الفصل العنصرى ومحاولات عزله من زملائه السود .

   إلتقيت أحمد كاثرادا عُدة مرات وشدنى بتواضعه اللافت و كان الدمع حاضراً فى لقائى الاول معه ولقائه يعنى الكثير فهو صاحب مأثرة إنسانية  لا تبارى مع زملائه إسماعيل وفاطمة مير و يوسف دادو صاحب ” الجنازة المقاتلة”،  و ماك مهراج الذى أمضينا معه أُمسياتٍ رائعة فى مدينة برلين بالمانيا بصحبة الرفيق عبد العزيز آدم الحلو ، وتحدثنا طويلاً عن المؤتمر الوطنى الافريقى وعن المفاوضات التى كان أحد ابطالها وعن مانديلا وأصدقائه الآخرين الذين ساهموا فى مساعدة الكثيريين للخروج من ضيق أفق القضايا القومية والإثنية إلى رحابة الفضاء الإنسانى لبناء مجتمع جديد عابر للإثنيات والثقافات والاديان والحدود والجغرافيا . إننى ممتن ليوسف دادو و لجون بيفر ماركس و إن عالمنا سوف يفقد كثيراً من رونقه وجماله إن لم يتواجد فيه مثل هؤلاء .

   فى عام 1998 كلفنا الدكتور جون قرنق بالذهاب إلى ماليزيا بطلب من نيلسون مانديلا لمقابلة مهاتير محمد وكان الوفد يتكون من دكتور شول داو و فاقان اموم و دينق الور و دكتور برنابا بنجامين و شخصى كما كان لرجل الاعمال السودانى محمود عبدالرحيم دوراً فى تنسيق هذه الزيارة مع الماليزيين . و إلتقيت فى تلك الزيارة بالدبلوماسى الجنوب افريقى بيرنارد أحد الكوادر المتميزين فى حزب المؤتمر الوطنى الافريقى الذى إلتقيناهُ مع سفيرة جنوب أفريقيا والتى تم تعينها لاحقا كوزيرة للخارجية، حدثنى بيرنارد عن كريست هانى و أعطانى الكُتيب الرائع (كريست هانى الشمس التى غربت قبل الشروق)، وهو كتاب مؤثر عن إنطباعات زملائه حول سيرته العطرة، وقال لى بيرنارد إن المؤتمر الوطنى الافريقى بدون سيرته الطويلة التى تضم المناضلين من كافة الاعراق من سود وبيض وهنود وملونين لا يعنى شئ  ، ولأصبح مثله مثل بقية الاحزاب الاخرى التى قامت على أساس إثنى وعرقى، وإن ما يميز المؤتمر الوطنى الافريقى هو الوان الطيف، و محاولة بناء وحدة فى التنوع ، إن هذا ما يحتاجه السودان بالضبط ، ولذا فإننى مسحور بالمؤتمر الوطنى الافريقى منذ بداية الثمانينيات وكل ما تعمقت معرفتى به بدأ لى ولناظرى إن هنالك صلةٍ ما بين السودان وجنوب افريقيا، إن قضايا القوميات والتنوع فى بلادنا تحتاج لنظرة جديدة ولبناء منظمة ديمقراطية مانعة وجامعة وعاتية تجمع فى ضفافها كافة القوميات وتعبُر خلف الالوان واللغات و إختلاف الخلفيات الدينية والثقافية حتى تتصالح بلادنا مع نفسها و تقدم نموذجاً إيجابياً للمجتمع الإنسانى العالمى و لا زالت هذه المهمة تنتظر التنفيذ وهذا مصدر تقديرى العميق للدكتور جون قرنق الذى كُنت من المحظوظيين بالعمل معه على نحوٍ لصيق ، و لازال قرنق مبيور ورؤيته تشكل علاجاً صالحاً شمالاً و جنوباً مع أخذ المستجدات فى الحسبان .

    عند تحرير الخرطوم فى يناير 1885 كان القائد العام دنقلاوى من جزيرة لبب ونائبهُ من أقصى غرب السودان و القادة الآخرين عثمان دقنة من البجا فى الشرق و العبيد ود بدر من الجزيرة و عبدالرحمن النجومى من نهر النيل و ابو قرجة من الولاية الشمالية و حمدان ابو عنجة  والذاكى طمل …. الخ . كانوا يمثلون لوحة سودانية ترسم على خلفية ما يجرى الآن . و فى ثورة 1924كان على عبد اللطيف و عبيد حاج الامين و صالح عبد القادر و عبدالفضيل الماظ وسليمان محمد و فضل المولى وثابت عبدالرحيم وسيد فرح … الخ . ألا يمثلون شعب السودان كله! هل نمضى إلى الخلف ام نسير إلى الامام ؟ إن دولتنا تصغر واحزابنا كذلك ! .

والحركة الإسلامية السودانية التى قامت على افكار وطموحات و إدعاءت عريضة و اممية إسلامية، إنتهت  بتعريف أعضائها لأنفسهم بقبائلهم ومناطقهم، الإسلاميين الذين يتطلعون للعب دورٍ إيجابى فى مستقبل الحياة السياسية عليهم إحداث قطيعة بينة و توبة نصوحة مع تجربة الإنقاذ فكراً و ممارسةً و أولها الإقلاع فى الحال.

   فى اسمرا قرأ الدكتور جون قرنق دى مابيور تصريح صادر من الرئاسة فى جنوب افريقيا يقول بان الدكتور جون قرنق سيلتقى بدكتور حسن الترابى فى جنوب افريقيا، كان ذلك قبل المفاصلة بين الإسلاميين ، لم ينال ذلك رضى دكتور قرنق وطلب منى أن أُصدر بياناً بالنفى، و لأنى مُريد لمانديلا قلت للدكتور جون قرنق أليس من الافضل ان تخاطب مانديلا مباشرةً وتذهب لمناقشته فى جنوب افريقيا بدلاً من أن نرد عليه فى اجهزة الإعلام ؟ وكعادته فى تقبل الإقتراحات التى يراها مفيدة  و يقدمها له اى شخص يلتقى به لا سيما الذين يعملون معه ، قال لى معك حق يجب ان اذهب إليه رغم مشاغلى . كان دكتور قرنق يعلم محاولات النظام للتبضع فى سوق المبادرات كما كان يصفها ، وقال لى دعنا نذهب إلى جنوب افريقيا و كنت سعيداً لاننى ستتاح لى الفرصة للإلتقاء بمانديلا ، ولكن حينما أتى وقت الزيارة كان لدى الدكتور جون قرنق رسالة مهمة للواء محسن النعمان الرجل الثانى فى المخابرات المصرية وواحد من أذكى ضباطها وهو الذى طور علاقات عملٍ وإحترام بينه وبين الدكتور جون قرنق، وكان الآخير يشعر بإرتياح فى التعامل معه ، وذكر له إن لم يجد سبيل للوصول إليه فعليه الإستعانة بى فى ذلك ، وطلب منى أن اذهب للقاهرة لمقابلة محسن النعمان، وكان دكتور قرنق يعلم إن مصر لديها بعض المشاعر المختلطة تجاه بعض قضايا التجمع الوطنى الديمقراطى و صلاته الإقليمية والدولية، وحرص على وضع المصريين فى الصورة وتعزيز الثقة بينه وبينهم ، وكان ذو قدرة فائقة للتوفيق  بين كافة دول الجوار والإحتفاظ بعلاقات جيدة معها جميعاً فعل ذلك مع إثيوبيا وأرتريا ومع يوغندا وكينيا .

   إلتقيت بالدكتور جون قرنق دى مبيور بعد عودته من جنوب افريقيا وحكى لى إنه حينما قابل مانديلا الذى طلب منه فى بداية اللقاء مقابلة حسن الترابى، ورد عليه شارحا موقفه وإعتذر عن مقابلة الترابى ، ثم سأله مانديلا الترابى ليس هو الرئيس او نائب الرئيس فهل لديه سلطات فعلية ؟ فأجابه دكتور قرنق إنه الحاكم الفعلى ، ثم عرج دكتور قرنق لموضوعه المفضل بضرورة بناء سودان جديد موحد ودور التجمع الوطنى الديمقراطى و الذى يمثل أغلبية الشعب السودانى وقواه الفاعلة، وطلب منه ان يلتقى برئيس التجمع وقيادته ، فسأله مانديلا هل انت رئيس للتجمع ام نائب للرئيس ؟  واجاب دكتور قرنق بلا وقبل ان يواصل ليشرح إنه يتولى القيادة العسكرية للتجمع . قال مانديلا لقد فهمت إذاً هذه هى الطريقة السودانية  ، وضحك .

  إذا أردت ان تلتقى بأحد المتصوفة من غير المسلمين فى زمن الوجبات السريعة فعليك بوالتر سوسولو الذى يخشى الوغى ويعف عند المغنم  ، وقد لعب الدور الرئيسى فى تجنيد مانديلا لحزب المؤتمر الوطنى الافريقى وتنظيمات اخرى وقَبل بقيادته باريحية وطيب خاطر وساهم على نحو مباشر فى بناء صورته ووقف إلى جانبه فى كل المنعطفات الحاسمة و عَبر ما نديلا إنه يتحسس المواقف ويزنها بموقف سوسولو . ويكفى سوسولو ما قالته عنه المناضلة العظيمة وشريكة حياته البرتينا وقرأته نيابة عنها حفيدتها فى تشيعهِ، فقد قالت ( والتر ماذا سافعل بدونك كنت من اجلك انت اصحو كل صباح فمن اجلك انت قد عشت ، فقد أخذتك منى فى المرة الاولى شرور الماضى وكنت اعلم انك ستعود إليّ ، والان قد اخذتك أيدى المنية الباردة وقد خلفت اسى فى قلبى ) .

    فى جزيرة روبن ركز السجانين إستفزازاتهم على مانديلا رغم إنهم إستفزوا الجميع ، وفى إحدى المرات كان مانديلا يُريد ان يرُد بعنف ، ولكن سوسولو إقترب منه وقال له إنهم يريدونك ان تفقد اعصابك فلا تقع فى حبائلهم و تملك نفسك ومشاعرك فإن ذلك يزعجهم، تلك النصيحة الغالية قادت خطاهُ فى تلك الجزيرة حتى كسبوا جميع معاركهم مع السجانين وفرضوا إحترامهم كبشر وقادة فى وجه خصومهم فى الرحلة الطويلة من أجل الحرية . وقد بدى سوسولو فى الفيلم كما هو فى الواقع دائم الإتزان ويقيس الكلمات بدقة ، حكى لى عدد من اعضاء المؤتمر الوطنى الافريقى بحب عن سوسولو الذى يذهبون إليه غاضبين من أداء المؤتمر الوطنى الافريقى وبعض قادته ويستمع بعمق وبعد ان يُفرغ الشخص منهم شحنة غضبه يبدأ سوسولو رده إن كل ما قلته ذو قيمة  وبه نقاط مهمة وبعضها صحيح و أتفق معك فى كذا وكذا ولكن تجدنى أختلف معك فى كذا وكذا ايها الرفيق، إن تاريخ هذه المنظمة به كذا وكذا ويعدد لك تجارب عديدة للمؤتمر الوطنى الافريقى و يقترح عليك بعض الحلول ويزودك بشحنة جديدة و ببطاقة شحن تدفع بك إلى الامام . كان والتر سوسولو جزءاً اصيلاً من عالم مانديلا وحينما تقادمت السنوات و إنبهمت بعض الاحداث عن ذاكرة مانديلا بقى سوسولو حياً فى تلك الذاكرة الجبارة، كان مانديلا يقول إذا رحلت إلى العالم الآخر سوف انضم إلى احد فروع المؤتمر الوطنى الافريقى فى العالم الاخر وسالتقى مجدداً باوليفر تامبو و والترسوسولو أصدقاء رحلته الطويلة ، ورُب أخٍ و أختٍ لك لم تلدهما أُمك .

   ماديبا كما يحلو للجنوب افريقيين تسمية مانديلا بالإسم الافريقى الذى يربطه بالارض وبالناس و بعبق الثقافة وجذر الإنتماء، كان بالطبع هو الشخص الرئيسى فى الفيلم وكلما عبر الزمن وإبتعد من مانديلا الشاب إلى مانديلا الشيخ ، برع إدريس البا فى تغمص دوره لا سيما الصوت الذى يكاد يطابق صوت مانديلا، وتشعر بحميمية أكبر تجاه الشخص الذى امامك وكانه ماديبا و يالسنوات ماديبا! من سنوات مليئة بالتضحيات وبالقيم النبيلة والمُثل والاخلاق الرفيعة والاحلام الإنسانية عالية الكعب ووارفة الظلال . الحلم بعالمٍ جديد ينهى الظلم والحروب و قيام مجتمع إنسانى جديد يعوض ملايين النساء والرجال الذين سَرقت حياتهم تلك الاحلام دخلو جزيرة روبن شباباً وفارقُوها شيوخاً غير آسفين ، واكثر تمسكاً بمثلهم و كانهم دخلوا الجزيرة بالامس هؤلاء الناس قد مثلوا الضمير الإنسانى كله وقد قادهم ماديبا الذى دخل الجزيرة كالاسد قوى القبضات، وخرج منها بعد ان تراخى الجسد الفانى مع مرور السنوات ولكن العقل والفكر ظل بهياً، وكما دخلوا الجزيرة خرجوا منها أشد مضائةً وتصميماً وواسعى الأحلام والصدُور تركوا المرارات والأحقاد خلفهم وخرجوا أكثر إنسانية وتفهماً لماضي ومستقبل الإنسان ولجذور الإضطهاد، وتعاملوا مع اعدائهم كانهم اولياء حميمين دون إدعاءاتٍ وزيف بانهم رُسلٌ من السماء، بل قالوا دائماً إنهم بشر عاديين إرتكبوا أخطاء وتعلموا من ماضيهم وإن بإمكانهم العبور إلى مجتمعٍ جديد فى نفس السفينة التي تقل خصومهم، وطالبوا دوماً بالعدالة بديلاً للإنتقام، وقال ماديبا لمفاوضيه من البيض لا يوجد إنسان يولد بالكراهية ولكنه يتعلمها والحب هو الشئ الطبيعي الذى يولد مع الإنسان.

مانديلا الذي خرج من (كُونو) إحدى قرى الترانسكاي ثم طاف العالم ووصل صدى خطواته إلى كل الكرة الأرضية، عاد مرةً أُخرى بعدما يقارب القرن إلى قريته حيث ولد وشيعه العالم من حضر ومن لم يحضر تابعه عبر كل الوسائط، حتى أضحت قريته قرية كونية بفضله، حينما أنهى فترة رئاسته كان يحن إلى مسقط رأسه و لايريد أن يضايق الآخرين. قال إنه يحب أن يذهب الي قريته لأن فى قريته الناس يزورنه من دون مواعيد وسيلتقي بأبناء جيله وأطفال القرية مرة أخرى بعد إن أخذت رحيق عمره سنوات الجزيرة وقد عاد غير آسف وغير هياب على ما ضاع من سنوات عمره.

    وحينما زاره جورج بيزوس صديقه القديم وزميله فى المؤتمر الوطني الأفريقي والذي تعرف عليه على مدى 48 عاماً وهو من البيض، زاره فى أيامه الأخيرة بمنزله فى جوهانسبيرج وقد أتى لمتابعة العلاج، و على الرغم من أن أحداث كثيرة قد إختفت من ذاكرته رويداً رويدا قال لحراسه صائحاً.