خالد فضل التستر خلف العبارات المكررة لن يفيد , ثمة أسئلة جوهرية يجب أن تطرح للنقاش الجاد حول موضوعة الدين الاسلامي والقضايا الانسانية المعاصرة ,

بل النقاش حول وضعية الاسلام نفسه وما إذا كان معتقد روحي يلبي حاجات معتنقه ويوفر له الطمأنينة والشعوربالقرب من الله سبحانه وتعالى أم هو مجرد طقوس شكلانية وممارسات آلية من يؤديها نظر اليه بالرضا ومن لم يؤدها نال السخط والتقريع وربما التجريم والقتل علما بأن معيار القياس والتقويم للإيمان من عدمه (ولحسن الحظ ) ليس مما هو متاح لأي بشر آخر بالغا ما بلغ من مراتب العلو أو السمو أو ادعى ذلك.

  ومنذ انتقال النبي محمد (ص) الى رحاب ربه , انقطع الوحي السماوي كما هو معلوم لكل مسلم وبقي الإرث الذي خلفه النبي بين يدي نظر وتأمل وعقل كل مسلم لأن القرآن نفسه حض أكثر ما حض على إعمال العقل باستخدام الترادف اللغوي من عقل وعلم ونظر إلخ , وهنا تكمن مسألة صدقية الصلاحية الأزلية من عدمها , فالوقوف خلف النصوص بعقلية القرن السابع الميلادي تعني انهاء الصلاحية بانقضاء الوقت والظرف التاريخي المحدد وبالتالي تصبح مسألة السرمدية والمواكبة الى يوم القيامة مضمضة شفاه لا تغني عن الواقع شيئا . ومحاولات تصوير الاسلام كمنطقة عسكرية (ممنوع الاقتراب والتصوير ) هي من اعمال العاجزين عن الحجة الفقراء الى المنطق السوي المتلبسين بلبوس الدين على خواء فكري وروحي كما أشارت الاستاذة رشا عوض في مقال لها نشرته صحيفتنا هذه قبل ايام وهي في زعمها محقة فيما أرى .

  ثمة مسألة أخرى تستحق التوقف هي مسألة الخروج على الاسلام , لماذا يرتفع الصوت عاليا وتثار هذه المسألة وتضمن في قوانين بعض الدول التي تسيطر عليها حكومات تزعم أنها اسلامية , بينما لا تجد هذه المسألة أي صدى في الدول التي تحكمها سلطات لا تزعم مزاعم رصيفاتها الاسلامية وبقياس أداء وسجلات النوعين من الحكومات نجد في الغالب أن تلك التي تزعم باسلاميتها تعد من أكبر وأكثر الانظمة السياسية المنتهكة لحقوق الانسان الوالغة في الاستبداد والفساد بينما الأخري أقل انتهاكا لحقوق الانسان وإن كانت طبيعتها استبدادية مثل السلطات التي تحظر مثلا النشاط السياسي والصحافة الحرة ولكنها تتيح قدرا واسعا من الحريات الاقتصادية والاجتماعية ولا تتدخل في خصوصيات الناس الثقافية أو العقائدية , أما في المجتمعات الديموقراطية فإن هذه المسألة لا تثار اساسا باعتبار أن الاعتقاد الديني من الحقوق الراسخة لكل انسان , ولعل الناس يلاحظون أن كثيرا من المسيحيين وغيرهم من اصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى يعلنون انضمامهم للاسلام دون أن يطالهم أي قانون حكومي يحاسبهم على خياراتهم الدينية , بل في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية عندما تبلغ نسبة أتباع أي ديانة _بالطبع منها الاسلام _ رقما مئويا محددا من مجموع السكان يصبح لزاما على الحكومة أن تخصص لهذه الجماعة من مواطنيها دعما ماليا من الخزانة الفدرالية لمساعدتها في تسيير الأنشطة المتعلقة بأداء شعائرها ( المساجد وطباعة المصاحف إلخ كما في حالة الاسلام ). من الواضح كذلك أن طبيعة النظام السياسي هي التي تحدد إثارة مثل هذه القضايا المتعلقة بالاعتقادات الروحانية للناس فكلما كان النظام خاويا فكريا عاجزا عن تقديم الحلول الموضوعية للقضايا الملحة والضرورية لمن يحكمه من شعب لجأ الى الخيارات العقابية والتجريمية للشعب , وعندنا في السودان نتوقف عند حادثتي إغتيال الاستاذ محمود محمد طه , ومحاكمة السيدة مريم يحيى أو (أبرار )وكلاهما حكم عليه بالخروج على معتقد الاسلام. قتل الأول بالفعل ودفن في قبر مجهول غرب أم درمان كما أفاد الجنرال فيصل مدني مختار ,العضو السابق  بمجلس انقلاب البشير في افادات موثقة, الاستاذ محمود قتل على يدي سلطة المرحوم جعفر نميري في أخريات أيامها عندما ادعت (الاسلامية ) وساندتها جماعة الترابي الاسلامية , ثم هاهي السيدة مريم تحاكم بذات التهمة (الردة ) تحت سيطرة حكومة البشير (السلطة التى جاء بها الترابي قائد الجماعة السياسية التي تزعم الاسلامية )فلماذا يتم الاهتمام بمسألة محاكمة عقائد الناس تحت زعم الحكم الاسلامي ؟ الا يثير ذلك الأمر التساؤل ! فعندما كان النميري يحكم السودان بدون مزاعم اسلامية كان الاستاذ محمود موجودا يدعو الى ما يراه صحيح الاسلام سلميا عن طريق الحجة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة والتربية الروحية الرفيعة وهي المناهج التي ظل عليها حتى لحظة اغتياله وهو مبتسم  فما الذي جد على الاسلام في العام 1985م ؟ ما جد هو التخلي عن الاسلام كمعتقد خاص بمعتنقيه وتحوله الى سيف ارهاب بيد السلطات التي عجزت آنذاك عن الوفاء بمطلوبات المسؤولية الوظيفية للحكومة من تأمين الغذاء والكساء والأمن والخدمات واشاعة العدل وحكم القانون وغيرها من مسؤوليات الحكومات فانصرفت على سبيل (التعويض) عن فشلها للتفتيش في عقائد الناس وهو الأمر الذي ينطبق بصورة أسوأ تحت ظل حكومة البشير الاسلامية الراهنة, فانبرى قضاتها لاصدار الحكم بقتل السيدة مريم بزعم ردتها عن الاسلام .

  نسب للمرحوم يس عمر الامام القيادي الراحل في جماعة الاسلام السياسي قوله أنه لا يستطيع أن يدعو الناس للانضمام لجماعته ولا حتى أحفاده إثر ما رآه وعايشه من صنوف الممارسات التي تمت وما تزال تتم تحت الزعم باسلامية الحكم , وما كان للشيخ المرحوم يس أن يقول مثل هذا القول عندما كان السودان محكوما بغير الحكومة الاسلامية , فهل ارتد الشيخ يس عن الاسلام عندما رأى الحكومة التي تزعمه وهي تباشر مهام الحكم ؟أم ارتد عن اسلام السلطة؟ وكيف يصبح الاسلام متسقا كعقيدة روحية وممارسة حياتية بما فيها ممارسة السلطة ؟مالم يتم فهم عصري ومواكب وحديث للاسلام ونصوصه وهنا كما أشرنا سلفا تكمن فكرة الازلية للاسلام . أذكر أن إحدى السيدات قد خكت لنا واقعة حدثت لها عندما كانت طفلة , فهي من أسرة مناضلة وشريفة , كانت تدرس بإحدى المدارس التي تضم طلابا مسلمين ومسيحيين , حدث أن أقتادهم جهاز الأمن للتحقيق هي ووالدتها وشقيقتها الأكبر على خلفية مواقف والدهم المناهضة للاستبداد , حدث ذلك في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم وفورة الحكم الاسلامي على أشدها , سألها المحقق عن اسمها فأجابته بذكر اسم أحد شخصيات مسلسل كرتون كانت تعرضة القناة الفضائية السودانية وقتها وعن اسم اختها فذكرت له شخصية أخرى في المسلسل وعن أمها وأبيها فاجابته بمثل سابق اجاباتها فسألها عن اسمه هو فذكرت له اسم الكلب الذي كان ضمن شخصيات ذلك المسلسل , هنا ثارت ثائرته وهاج وماج وشتم والديها بأنهما كشيوعيين لم يحسنوا تربية أطفالهم فلما استعاذت السيدة الأم وذكرت له أن هذه تربية تلفزيونكم , صاح فيها لا تذكري اسم الله هنا (هنا في نحن وانتم فقط الله مافي) , خرجوا بعد ذلك من التحقيق والطفلة خرج معها السؤال عن الدولة الاسلامية التي تزعم تطبيقها للاسلام وحارسها ينفي وجود الله داخل مكاتب التحقيق وصالات التعذيب !!! وعندما ذهبت للمدرسة من غدها لم تذهب لدرس التربية الاسلامية المعتاد في جدول الحصص وقررت حضور درس التربية المسيحية مع زميلاتها المسيحيات عسى تجد (الله ) الذي غيبه حارس دولة الاسلام عن مكان التعذيب ! لاحظت ادارة المدرسة هذا التصرف من تلك الطالبة فذهبوا الى منزلها لمقابلة والدها بهدوء عن سر هذا التحول , تفهم الوالد(يرحمه الله) ما حدث وقلب الأب وحنكة التربوي وعدهم بمعالجة الأمر بهدوء ثم بدأ مع طفلته موضحا لها أن ما شاهدته وسمعته لا يصدر عن انسان مسلم بحق فهل ترى في أبيها ما يشين قالت لا، قال لها (أنا مسلم ) فهل ذاك الوحش الضاري مسلم ؟؟ فهمت الطفلة أن الزعم بالاسلام ليس كافيا ومن يومها وعت مسألة الدولة الاسلامية , فهل خرجت تلك الطفلة يومها على الاسلام أم خرجت على اسلام السلطة ؟ وهكذا نجد أن الاسلام متى ما وضعه المسلمون على واقع الممارسة وفشلوا في الارتقاء بفهمهم وفكرهم الى مستوى عصرهم قدموا أسوأ النماذج عن دينهم وشجعوا على الخروج عليه , فكيف يجوز وضع مادة عقابية قاتلة في قوانين الدولة تجوز القتل لمن لم يرتكب أي جريمة ضد آخر شخصا أو شيئا ؟ وهل الحكام أو القضاة وسطاء بين الانسان وربه ؟ هنا يجدر التوقف والنظر والتدبر والتفكر وما اليها من مفردات كررها الله سبحانه وتعالى في قرآنه كثيرا .