تحليل سياسي في يوم الأحد 19 مايو 2014م فوجئ سكان الخرطوم بأرتال من السيارات رباعيّة الدفع، معمّرة بالسلاح (مدافع الدوشكا والأسلحة الأتوماتيكية) تجتاح الشوراع والطرقات وعليها شباب كانوا قد خبروا أمرهم في انتفاضة سبتمبر، .

 من عام 2013م ألا وهم الجنجويد. ثم صدرت صحف الخرطوم في اليوم التالي وهي تعلنها واضحة بأن تلك هي قوات الدعم السريع (وهو الاسم الرسمي لمليشيات الجنجويد التي تتبع لقائدها محمد حمدان حميدتي الذي أسبغت عليه الدولة رتبة العميد وهو الذي لم يحالفه الحظ لنيل الشهادة الابتدائية). لاحقاً اتضح أن ثلاثة ألوية من قوات الجنجويد (6 آلاف جندي) قد تم نشرها في العاصمة لحمايتها (جريدة الصحافة، 22/5/2014). فقد صرح مدير الأمن، الفريق محمد عطا المولى عباس، بأن انتشار هذه القوات قد جاء بأوامر منه لحماية الخرطوم (جريدة التغيير، 19/5/2014م).

أثار نشر هذه القوات العديد من الأسئلة أولها حول طبيعة هذه القوات وخلفيتها كونها قد نشأت أصلاً من مليشيات ذات خلفية إثنية بعينها (المجموعات العربية الضالعة في جرائم دارفور والمعروفة باسم الجنجويد بالإضافة إلى قبائل استقدمتها الحكومة من الدول المجاورة لدارفور)، خاصةً ما كان قد صدر منها من انتهاكات صارخة وفوضى ضاربة لا تعترف بالقانون ولا تعرف له حرمة وذلك في شمال كردفان وعاصمتها الأبيض، ونجوعها وخاصةٍ قرية أبو زبد عشية انسحاب قوات الجبهة الثورية منها حيث عاثت فيها خراباً مليشيات الجنجويد المسماة بقوات الدعم السريع واستباحتها لأكثر من يومين. كما ثارت العديد من الأسئلة بخصوص تبعية قوات بهذا الحجم وبهذه الطبيعة غير المنظمة لجهاز الأمن والمخابرات. ثم لماذا تقوم قوات غير نظامية تتبع لجهاز الأمن بحماية العاصمة بينما هناك جيش؟ فما هو دور الجيش إذا كان قد أصبح عاجزاً عن حماية العاصمة؟ فهل هذا اعتراف بانكماش دور الجيش في حماية السودان للدرجة التي أصبح معها عاجزاً عن حماية العاصمة نفسها؟ ثم كيف يستقيم هذا والبلاد يقودها ضباط من الجيش أحكموا قبضتهم على البلاد عبر انقلاب عسكري؟

في هذا يرى المراقبون أنه بقدر ما تعرضت القوات المسلحة للهوان والذل على يد الأنظمة العسكرية، لم يبلغ بها الهوان ما بلغته على يد نظام الإنقاذ. فقد بلغ الهوان بالقوات المسلحة درجة غير مسبوقة عندما انبرى القائد الميداني لقوات الدعم السريع (العميد محمد حمدان حميدتي) للدفاع عن الجيش بقوله: “البتكلم في القوات المسلحة ينقطع لسانو” (جريدة التغيير، 22/5/2014م). فقد ذهب كثيرون إلى أنه قال هذا في سبيل تعمية الرأي العام وصرفه عن سابق تصريحاته (انظر ذلك في موقع يو تيوب: https://www.youtube.com/watch?v=mb3iQGMyoVU) “… زي ما قلت ليكم البلد دي بلفا عندنا نحن أسياد الربط والحل ما في ود مرة يفك لسانو فوقنا؛ مش قاعدين في الضل ونحن فازعين الحرّاية. أيّ واحد يعمل مجمجة ياهدي النقعة والذخيرة توري وشها … أرموا قدام بس”. وأضاف “نقول اقبضوا الصادق يقبضوا الصادق، فكوا الصادق يفكوا الصادق. زول ما بكاتل ما عندو رأي!”. وأشار إلى غياب الجيش واعتماد الحكومة عليه قائلاً: “. نحن الحكومة ويوم الحكومة تسوى ليها جيش بعد داك تكلمنا!. وقد شبه بعض المراقبين هذا بأنّ نظام الإنقاذ قد حط من قدر وشأن وقدرات القوات المسلحة لدرجة أنها أصبحت تحتاج هي نفسها للحماية. وزادت على هذا بأن أوكلت مسألة حماية القوات المسلحة لنفس المليشيات التي عبرها تم إضعاف القوات المسلحة عتاداً ومنهجاً وسلوكاً.

 ذهب الظن أولاً إلى أن نشر هذه المليشيات قد جاء تحسباً لأية مظاهرات. إلا أن هذا الرأي لم يعد مقنعاً بعد ملاحظة توالي الندوات السياسية من مختلف القوى السياسية في العاصمة والأقاليم دون أن تتكبد الشرطة أو قوات الأمن مشقة مراقبتها تحسباً لاندلاع أي مظاهرات. فقد لوحظ أن هذه المظاهرات، بعكس ما كان يحدث في الماضي، تنعقد في الأمسيات دون أي رقابة من الشرطة أو من الأمن، الأمر الذي يشي بأن الدولة لا تتخوف البتة من هذه القوى السياسية. والحال كهذا، يتواصل السؤال حول الجهة التي تخشى منها الدولة لدرجة استقدام هذه القوات إلى قلب العاصمة بينما هناك جيش مهمته حماية البلاد.

إزاء هذا الواقع المتردي بخصوص أمن البلاد وتجاوز القوات المسلحة ونقل سياسات القمع الممنهجة والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان بما في ذلك الجرائم الموجهة ضد الإنسانية بدليل استقدام نفس القوات المتهمة بقيامها بهذه الجرائم، تصدت القوى السياسية في ندواتها لهذا الأمر دون أن تجرؤ في البداية على أن تسمي هذه القوات باسمها التي اشتهرت به، ألا وهو مليشيات الجنجويد. فقد دأبت جميعها في البداية على أن تتعامل معها عبر الاسم الرسمي ألا وهو قوات الدعم السريع. ومع ذلك فقد قامت جميعها بفضح سجل هذه القوات المفتضحة أصلاً، فضلاً عن خلفيتها التي يعرفها عامة الناس في السودان بل في العالم أجمع. إلا أن الاستثناء في هذا جاء على يد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة الذي وصف هذه القوات بأنها مليشيات جنجويد وأنها مسئولة عن جرائم دارفور من حرق للقرى واغتصاب وتشريد إلخ. بل زاد على ذلك بأن قال بأن من بينها فصائل كاملة غير سودانية. على هذا قام جهاز الأمن بتوجيه بلاغ ضد الصادق المهدي (جريدة السوداني، 13/5/2014م). وبالفعل مثل الصادق المهدي “… أمام نيابة أمن الدولة …، بشأن البلاغ الموجه ضده من قبل جهاز الأمن والمخابرات بإشانة سمعة قوات الدعم السريع التابعة للجهاز. وبحسب أمر تكليف الحضور الصادر عن نيابة أمن الدولة، الذي تحصلت [جريدة] السوداني على نسخة منه، فإن التهم الموجهة ضد المهدي، تحت المواد 66، 62، 69، و159 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991” وهي مجموعة تهم أعلاها الخيانة العظمى. وقد تساءل وقتها الناس: أين الخيانة العظمى؟ في تجييش الأجانب وضرب الشعب بهم أم في فضح الخيانة نفسها؟

على خلفية هذا البلاغ تم اعتقال الصادق المهدي فيما بعد، وهو أمر مخالف للدستور والقانون. فتوجيه التهمة لا يستدعي الاعتقال، بل التحضير للمحاكمة وفق الإجراءات العادية. أثار اعتقال الصادق المهدي بدوره العديد من الأسئلة. إذ ليس للنظام الحاكم من صديق بين صفوف المعارضة غير الصادق المهدي الذي ظل يردد دوماً أنه لا يوافق على التغيير العسكري للنظام أو حتى التغيير عبر الثورة الشعبية، مفضلاً الحوار مع النظام ومؤكداً جدوى هذا الحوار. فقبل اعتقال الصادق المهدي بأيام جاء في الصحف (جريدة السوداني، 5/5/2014م) أن حزب الأمة القومي يقترح “… تشكيل آلية للحوار الوطني، من 20 شخصاً، ممثلين لكل طرف بمعدل 10 أشخاص للمؤتمر الوطني والأحزاب المشاركة في الحكومة، بجانب 10 آخرين لأحزاب المعارضة”. فلماذا يقوم النظام باعتقال شخص بهذه الأهمية في ظل العزلة الضاربة حوله من جميع القوى السياسية الفاعلة؟ ثم ما هو الجديد فيما قاله الصادق المهدي بخصوص مليشيات الجنجويد؟ أولا يعرف القاصي والداني بحقيقة أمرها؟

أصبح في حكم المؤكد لدى العديد من المراقبين أنه كان هناك تحرك مدني وسياسي مدعوم بغطاء عسكري من بعض الجيوب الإنقاذية المتصارعة على السلطة بغية استعادة مواقعها. فهناك مجموعة الرئيس وبكري وعبد الرحيم محمد حسين؛ ثم هناك مجموعة علي عثمان محمد طه وعوض الجاز وعدد غير مقدر من الموالين سياسياً ومدنياً وعسكرياً؛ ثم هناك مجموعة نافع علي نافع التي تعتمد أساساً على قوات الأمن ويقف على قيادتها عدد غير مقدر من ضباط جهاز الأمن المعلنين والسريين من المنتسبين أصلاً لحركة الإسلاميين بمختلف مسمياتها. وقد استفادت المجموعة المتحركة من تنامي التذمر داخل الجيش وكراهيتهم المتنامية لوزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين (كونه غير عسكري بل مجرد فني صيانة) في سبيل تسخير الجيش للقيام بحركتهم التصحيحية (أو التصفوية). من جانبها، دفعت كراهية الجيش لعبد الرحيم محمد حسين وتذمرهم المتنامي لتزايد شكوك مجموعة الرئيس عمر البشير للدرجة التي أصبح معها الجيش غير مؤتمن للحفاظ على النظام. وغني عن القول إن مجموعة نافع على نافع الأمنية لم تكن في يوم من الأيام تحمل وداً أو احتراماً للجيش. وهذا، في نظر المراقبين، هو السبب الحقيقي وراء نشر قوات الدعم السريع.

في سبيل نفي هذا التحرك، صدر تصريح من جهاز الأمن والمخبارات (وليس من الجيش) ينفي فيه أي محاولة انقلابية ومؤكداً أن ما يقال مجرد شائعات (جريدة السوداني، 19/5/2014م). فقد جاء على لسان مدير الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات محمد حامد تبيدي “… أن العاصمة مؤمنة تماماً، ولا صحة للشائعات حول إفشال محاولة انقلابية أو تعرض الخرطوم لما يهدد أمنها واستقرارها، وأكد أن التنسيق محكم بين القوات النظامية في تحركاتها وإدارتها لمهامها وواجباتها الوطنية”. الملاحظة الأولى في هذا أن التصريح يتعلق بالقوات المسلحة لكنه جاء على لسان ضابط في جهاز الأمن. الملاحظة الثانية أن تأمين العاصمة قد تم فعلاً بنشر مليشيات الجنجويد وهو أمر يأتي على حساب الجيش بلا شك. حدث هذا في الوقت الذي جرت فيه استدعاءات واعتقالات لبعض منسوبي القوات المسلحة ممن لا يزالون في الخدمة أو أحيلوا للمعاش، وبعضهم كان قد اتُهم في محاولات انقلابية سابقة.

كما يتفق المراقبون على أن اعتقال الصادق المهدي، ولو كانت له علاقة مباشرة بمسألة قوات الدعم السريع، إلا أنه ليس لما قاله بحق هذه القوات. فالدفع بحجة إساءة قوات الدعم السريع إنما جاء بغرض التعمية وتغطية الأسباب الحقيقية وراء اعتقال الصادق المهدي. فالسبب الرئيسي هو اتصال المجموعة المتحركة بالصادق المهدي بغية تجيير حزبه لما سيأتي من تغيير. إزاء هذا، حاول الصادق المهدي أن يمسك بالعصا من النصف، وهو ما أثار عليه أولاً غضب النظام بحكم الحلف غير المعلن بين الصادق المهدي من جهة والنظام الحاكم من جهة أخرى. وهو الحلف الذي اضطرّ الصادق المهدي في سبيل المحافظة عليه، دون أن يعلن ذلك صراحةً، أن يقيل الأمين العام لحزبه، مخالفاً بذلك اللوائح المنظمة للحزب. وقد جاء قراره ذلك من باب تطمين النظام الحاكم كون الأمين العام السابق كان من الرافضين بشدة لأي تسوية مع نظام الإنقاذ. من جهة أخرى أراد الصادق المهدي أن يطمئن المجموعة التي تقف وراء التحرك السياسي المدني العسكري عبر مهاجمة قوات الدعم السريع، أي مهاجمة القوات التي من شأنها أن تقوم بقمع التحرك العسكري الذي من المتوقع أن يتم عبر الجيش، أي أن قوات الدعم السريع قد نُشرت لقمع الجيش. ولكن بعد اعتقاله كشف الصادق المهدي عن موقفه الحقيقي بكلام مباشر، إذ ما الفائدة من التلميح والتعريض بعد أن اعتقل؟ فقد أطلق الصادق المهدي من معتقله تحذيرات غير مسبوقة وهو الرجل الذي كان حتى وقت قريب يراهن على الحوار مع نظام الإنقاذ ومؤيداً للرئيس البشير وللدخول مع نظامه في حلف، رافضاً تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية. جاء في الأخبار (جريدة التغيير، 19/5/2014م) أن الصادق المهدي قد حذر في منشور أرسله من معتقله بسجن كوبر من “الانقلاب العسكري أو الانتفاضة”.

بخصوص المجموعة التي تقف وراء ذلك التحرك، تُشير الدلائل على أن مجموعة علي عثمان محمد طه هي صاحبة تلك المبادرة التصحيحية (أو التصفوية). من بين الدلائل على ذلك حشد الأجهزة الأمنية وجميع قواتها المؤتمرة بأمرها من مليشيات الجنجويد (التي نُشرت مؤخراً) وقوات الدفاع الشعبي (التي استنفرت مؤخراً ووضعت تحت أهبة الاستعداد)، مع تهميش واضح للجيش كونه مأتى الحذر. ويعني هذا أن مجموعة الرئيس البشير قد اتحدت في هذه المرحلة على الأقل مع مجموعة نافع علي نافع. من البينات الأخرى سعي علي عثمان محمد طه للاتصال بباقي القوى السياسية في محاولة لإجراء حوار من شأنه أن يطمئن تلك القوى بنوايا الرجل وعزمه على الانفتاح الديموقراطي في حال نجاح حركته التصحيحية. فقد التقى علي عثمان محمد طه بالأمين العام لهيئة تحالف قوى الإجماع الوطني، فاروق أبو عيسى بمنزل الأخير برغم ملازمة الأخير لفراش المرض (جريدة الصّحافة، 27/3/2014م)، حيث قام “… فاروق أبو عيسى بتنوير هيئة تحالف قوى الإجماع الوطني بما جرى بينه وبين علي عثمان …” وبخاصّةٍ “… شروط المعارضة للحوار، المتمثلة في إيقاف الحرب وإطلاق الحريات العامة وإطلاق سراح المعتقلين، وتشكيل حكومة قومية انتقالية، وقيام مؤتمر دستوري لتحقيق البديل الديمقراطي”. وقد أبدى علي عثمان موافقته المبدئية على جميع هذه الشروط وزاد عليها بأن أبدى استعداد النّظام (في الواقع كان يعبر عن استعداده الشخصي) على تأجيل الانتخابات المزمع إجراؤها العام المقبل وأنها ليست بقرة مقدسة. إلا أن صحف اليوم التالي (28/3/2014م) حملت لنا نفياً قاطعاً من صقور المؤتمر الوطني. وقد كانت المفاجأة في ذلك النفي التحرك القوي لمجموعة نافع علي نافع داخل أروقة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في محاولاتها المستمرة لفضح نوايا ومؤامرات علي عثمان محمد طه (بحد زعمها). وبالفعل نجحت تلك المحاولات وتنصل النظام من جميع الاتزامات المبدئية التي أبداها علي عثمان لفاروق أبو عيسى. ليس ذلك فحسب، بل دُفع علي عثمان محمد طه دفعاً للتراجع عما قاله بتصحيح ما ورد، محملاً الصحف تحريف ما قاله.

لقد تورط النظام، أولاً، بنشره لمليشيات الجنجويد داخل العاصمة لحمايتها بينما هناك جيش ينبغي أن يكون مسئولاً عن هذه الحماية، ليس للعاصمة فحسب، بل لكل الوطن. وثانياً تورط أكثر عندما جعل من الحديث حول طبيعة هذه المليشيات خطاً أحمر بتجاوزه يصبح المرء تحت طائلة قانون جهاز الأمن وما يتبع من تهم تصل حد الخيانة العظمى. وسبب الورطة الأولى التي أدخل النظام نفسه فيها أنه لا الجيش (أكان منسوبوه لا يزالون في الخدمة أم في المعاش) يمكن أن يسكت على مهانة بهذه الدرجة المفضوحة التي لا ترعى إلاّ ولا ذمةَ للجيش من ضباط قاموا بانقلابهم عبر نفس الجيش. فالتذمر سوف يتصاعد ولن يقف عن حد. أما سبب الورطة الثانية فتكمن في أن القيادات السياسية والمدنية لن تقف عن حد بعينه في سبيل تأليب الشعب والجيش على حدٍ سواء ضد نشر قوات الجنجويد داخل العاصمة. فقد سبق وأن رأى الشعب ما يمكن أن تفعله هذه القوات المتفلتة التي لا تعرف معنى النظام كما لم تخضع له في تاريخها كونها ليست فقط غير نظامية بل لأنها ضد النظام. جاء في الأنباء الواردة من منطقة النهود بشمالي غرب كردفان إلقاء القبض على إبراهيم الشيخ عبد الرحمن، رئيس حزب المؤتمر السوداني، الذي تحدث في سياق ندوة جماهيرية يوم 7/6/2014م فتناول مسألة انتشار قوات الدعم السريع، مشيراً إلى أنها مجرد مليشيات قبلية وأنها لم تخضع لأي نظام عسكري وأنه لا يجوز أن تكون لجهاز الأمن قوة عسكرية تحت ظل الجيش، وأن هذه المليشيات هي المسئولة عن ارتكاب جرائم دارفور … إلخ. في الساعات الأولى من صباح يوم 8/6/2014م حوصر منزل إبراهيم الشيخ عبد الرحمن من قبل قوات تلبس زي الجيش والشرطة بينما قال عنها المراقبون إنها كان تتبع في الواقع لنفس مليشيات الجنجويد (أي قوات الدعم السريع). وقد اقتحمت تلك القوات منزل إبراهيم الشيخ عبد الرحمن وعندما لم تجده قامت بمحاصرة الحي إلى أن قام بتسليم نفسه طواعيةً، ولا يزال رهن الاعتقال بقسم الشرطة بمدينة النهود. وقد وجهت له نفس التهم التي وجهت من قبله للصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، وعلى رأسها تهمة الخيانة العظمى.

بجانب جلب المشاكل والمتاعب لنفسه مجاناً، كما درج على ذلك نظام الإنقاذ طيلة سنواته، من المتوقع أن تقوم مجموعة علي عثمان من جانب ثمّ مجموعة نافع علي نافع من جانب آخر، بتحركات لا تعرف التوقف في سبيل استعادة مواقعها. هذا بجانب مجموعات أخرى غير معروفة وغير معلنة من قبل أناس كانوا متنفذين طيلة سنوات نظام الإنقاذ إلا أنهم قد فقدوا مواقعهم وبالتالي يعملون بكل همة كيما يسترجعوا نفوذهم. فالتاريخ يحكي باستمرار عن صعوبة القبول بالتنحي عن مواقع السلطة بالذات عند من اعتادوا على السلطة لسنوات طويلة. فالصراع بين جيوب القوى والنفوذ داخل نظام الإنقاذ المتهاوي قد بدأت فصوله التي غالباً ما ستنتهي نهايات دموية. وهذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.