محمّد جلال أحمد هاشم* عبرة المسير لإثني عشر السّنين ليست حركة الإخوان المسلمين سوى حركة طهرانيّة Puritanical، تشتغل بالشّعارات والمرامي السّامية دون أن تولي طرائق التّوصيل أدنى اهتمام.

في هذا الصّدد، نلاحظ أنّ التّرابي لا يتوجّه بالنّقاش لأيّ جهة بخلاف أتباعه. فهو لا يناقش هنا الشّعب، ولا يناقش المفكّرين والمثقّفين، وبالتّالي هو لا يقف أمام التّاريخ مقدّماً مناقشاته. فهو هنا يعوّل فقط على أتباعه المنوّمين بغاشية التّديّن الطّهرانيّة الغافلة. يمكن استشفاف هذا في قوله: (ص 21) «الحمد لله ما زالت للدّين في السّودان بقيّة غالبة في المجتمع حيّة حافظة لعهدها مستقيمة للإسلام رغم بلاءات الجبروت المنقلب على الذين أسسوا له صروح السلطة». فهو هنا يتحدّث عن هؤلاء الأتباع، قاصراً عليهم فقط صفة من لا يزال للدّين بقيّة فيهم من بين جميع السّودانيّين. كما يذكّر أهل السّلطان من تلاميذه الذين انقلبوا عليه بفضله الشّخصيّ في تمكينهم من الحكم. وفي الحقيقة ينضح كتاب التّرابي في جميع فقراته بالمرارة التي يعتملها الرّجل إزاء تلاميذه الذين تنكّروا له ونسوا فضله في تمكينهم من اللوصول إلى سدّة الحكم.

يتّصف أسلوب التّرابي بالرّوغان وعدم الصّدع مباشرةً بما يعنيه. وما يدعوه إلى هذا اللفّ والدّوران أنّه يريد أن ينقل رسالة خاصّة لمريديه عبر وسيلة عامّة هي الكتاب. وهو إذ يفعل ذلك إنّما لحشدهم لمعركة أخرى في سبيل أن يستعيد موقعه السّلطوي. ويستعين في هذا بأسلوب في اللغة غاية في التّقعّر والتّحايل الخطابي. ولهذا يحتشد نقاشه بدرجة عالية من الغرور والاستخفاف cynicism بمقدّرات الشّعوب، أي بالتّاريخ. ثمّ ينتقل بعد هذا إلى حديث الشّعارات التي أمكنته من الوصول إلى السّلطة دون أن تمكّنه من النّجاح في إدارة أوضاع البلاد، أو تحقيق السّلام، دع عنك الرّفاهيّة (ص 10): «لقد كان همّ الحركة الإسلاميّة الأوّل أيّام ميلادها وغربتها التّوبة بحياة السّودان عموماً وبالسّياسة خصوصاً إلى أصول الدّين بعد أن مرق كسائر الأمّة عهداً طويلاً عن إسلام السّلطان والمال العام لله وشرعه».

 

 العجز عن تقديم اعتذار للشّعب السّوداني

أوّل ما نلحظه في كتاب التّرابي رفضه الاعتذار للشّعب السّوداني عمّا ألحقه بالشّعب وبالبلاد من ضرر بليغ. فقد كان وقتها ليس فقط مؤمناً بمشروع الإنقاذ وبالانقلاب، مؤمّلاً في أن يسترجع مكانته السّلطويّة إمّا بأن يرعوي تلامذته الذين انقلبوا عليه أو بقلب الأمر عليهم عبر باقي أتباعه الباقين على العهد. فهو يقول (ص 5):

«فالحمد لله لم يقع علينا هذا العهد فتنة مضلّة مشلّة بل أخذت تتجلى فيه البيّنة تقويماً للمسير ‏السّابق وتخطيطاً للسّبيل الأحكم والأرشد للمراحل القادمة. ونذكر في ماضي تاريخ الحركة ‏كيف تعاقبت مثل هذه المقامات والمراحل حريّة مسير يتلوها ضيق أسر، وكيف كنّا أكثر ‏استعانةً بالصّبر أيّام الشّرّ والضّيق المكروه لنقعد فننظر وندرس ما أدّى بنا إليه فندبّر خطةّ ‏الإعداد الحكيم لمرحلة كسب كثير نرجوه للخالفة ــــ كنّا عندئذٍ أكثر منّا اغتناماً لدورة الحرّيّة و‏الخير للتّهيّؤ لما هو قادم بعدها.»

ولنلاحظ أنّه يستخدم هنا جملة «هذا العهد فتنة مضلّة» في وصف نجاته من موبقات عهد الإنقاذ. إلاّ أنّه هنا في الواقع لا يتكلّم عن نظام الإنقاذ بعموم، بل عن انقلاب تلامذته ضدّه. ثمّ هو في غروره هذا يُنحي باللائمة على الشّعب السّوداني الذي خالف مشارع الدّين والمحجّة السّالكة إلى الله؛ وهذه هي رسالة حركة الإخوان المسلمين في أن يُعيدوا الشّعب إلى الطّريق القويم (ص 11): «لقد بدا الآن أنّ مجتمع السّودان ما هو إلاّ من سائر المسلمين الذين تطاولت جهالتهم وغفلتهم عن أصول الدّين الهادية وفقه أحكامه الضّابطة في شئون السّلطان وغاب عن واقعهم نظام الحكم الإسلامي خسفته نظم عرفيّة من الجاهليّة أو مفروضة من الكفّار أو مبتدعة من هوى الحكام».

ولننظر في هذه الرّومانسيّة المغرقة التي لا تعرف إلى الواقع من سبيل أللهمّ إلاّ أن يكون الأمر استمتاعاً بمباهج الحياة الدّنيا ممّا تتيحه ثقافات الغرب الكافرة (ص 24): «الحمد لله أن قد تبين لنا اليوم أن المجتمع الذي نقوم فيه إذا ناظرنا بينه وبين مجتمعات الكفر في العالم قدر ما يبذل من طاقة كر وجهد وقايسنا إليهم مستوى ما يكسب من متاع وقوة في الدنيا أو إذا حاكمنا واقعه إلى مقتضى تكاليف الدين ودرجات مثله العليا – أن المجتمع يستدعي تغييراً كبيراً في النفوس ليقفز ناهضاً مبدلاً حياته تبديلاً.» ففي القرن الحادي والعشرين ينبري رجل درس في أرقى الجامعات بأوربّا ليقول بأنّ المجتمع يحتاج في سبيل إدارة شئونه بالقسط إلى إصلاح النّفوس، لا إلى مؤسّسات متوازنة القوى والسّلطات وتحكمها القوانين، لا الميول الأيديولوجيّة

موقف التّرابي من انقلاب الإنقاذ

كما أشرنا،  لا يحمل التّرابي، في كتابه، أيّ رأي إزاء نظام الإنقاذ خلا الإشادة به بدءأ بالانقلاب والممارسات اللاحقة، أي من حيث التّنظير ثمّ لاحقاً من حيث التّطبيق في السّنوات الأولى. فهو يُشيد بموضوع «التّوالي»، تلك البدعة التي أراد عبرها استبدال الدّيموقراطيّة بنظام شمولي يسمح بدرجة من الحرّيّة لقوى سياسيّة بعينها في ممارسة النّشاط السّياسي طالما كانت لا تهدّد النّظام. وهذا طبعاً ما عليه واقع الحال في الأنظمة الشّموليّة بالبلاد العربيّة مثل سوريا ومصر حسني مبارك. ونلاحظ هنا، بجانب الفقر الفكري المدقع عند التّرابي، استناده على تجارب شموليّة بلغت خريف العمر وآذنت شمسُها بالمغيب (ص 6):

«إن الأوضاع والسياسات السلطانية لثورة الإنقاذ طلعت أولاً انقلابية مبهمة ثم تكشفت بعد عام ونصف تعلن وجهة إسلامية سافرة ثم تطورت إصلاحاً متواليّاً إلى دستور وقانون مرسوم يصدّق مبادئها يكفل الحرّيّات الشّخصيّة والتعبيريّة والحزبية ويرتب انتخاب ولاة السّلطة بحرية وعدل ويهيئ دستورية نظام السلطان مناصب وأجهزة متضابطة متوازنة بلا حكر أو بغي في السلطة و يطوّر لامركزيّة التشريع والأمر العام لتعتدل بين شعوب الوطن قسمة السلطة والثروة.»

هنا يقدّم التّرابي اعترافاً مباشراً بالصّورة المبهمة لانقلاب الإنقاذ، وهي صورة قُصد منها التّعمية بغرض تأمين الانقلاب، ريثما يكشف عن وجهه الحقيقي. فالتّرابي يعترف هنا بتكتيك المخاتلة والغشّ، وهو غشّ في حقّ الشّعب، بجانب أنّه غشّ يفترض صدوره من ثوريّين. وقد فات على هؤلاء الثّوريّين الزّائفين أنّ الثّوريَّ الحقَّ لا يُنكر هويّته لأنّه يستمدّ من هويّته مصداقيّته الثّوريّة.

بما ينبغي الإشارة له في هذاا، حقيقة أنّ التّرابي يتكذّب هنا على واقعٍ معاش لا تزال حلقاتُه تجري بين أيدينا، وليس تاريخاً قد مضت عليه العقود والقرون. فمتى كانت هناك في سنوات الإنقاذ الأولى قوانين تكفل الحرّيّات الشّخصيّة والتّعبيريّة والحزبيّة؟ وأين كانت بيوت الأشباح؟ ومتى كان هناك نظام يرعى النّاس في معاشهم وسائر حقوقهم على الدّولة؟ فقد اتّصفت دولة الإنقاذ بصفة لم تشاركها فيها أيّ دولة أخرى خلاف الاستعمار المصري التّركي (1821م ــــ 1885م) عندما صارت تعتمد اعتماداً كاملاً على الاقتصاد الرّيعي، نافضةً يدها عن أيّ مسئوليّات تجاه المواطن. وفي الحقّ، يمكن أن تُحسب في هذا الصّدد العدد من الحسنات للنّظام الاستعماري المصري التّركي على عكس نظام الإنقاذ.

* مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي