ابوذر علي الأمين ياسين طرح المؤتمر الوطني وحكومته مبادرة للحوار شديدة التعميم، ثم تحولت المبادرة الى صراع حول شروط الحوار وليس قضاياه،

والى استقطاب بين الذين قبلوا الحوار بلا شروط وآخرين وضعوا شروطهم للمشاركة فيه. وكانت نتيجة ذلك أن الصراع انحصر بين القوى السياسية المعارضة حول شروط الحوار عند البعض، والتي هي قضايا الحوار عند الاخرين. مما وفر مناخا للحكومة وحزبها لتجلس على مقاعد المتفرجين على صراع المعارضة، وتوظف ذات مبادرتها للحوار لخدمة مصالحها المحدودة في البقاء والاستمرار بالسلطة، وتعميق الفُرقة بين القوى المعارضة التي لم تنجح يوماً في فرض أي من اجندتها على الحكومة أو في حشد الشعب دعماً لها. ثم انصرفت الحكومة وحزبها في الاعداد والاستعداد للإنتخابات بكل طاقتها.

الواضح أن (كل) المعارضة لا تملك خططا أو برامج بديلة تعينها حتى على حوار الحكومة، سوى العودة للبرامج الشعاراتية (اسقاط الحكومة) الذي ظلت عليه لأمد طويل بلا فعل أو حتى تأثير ولو محدود، ليكون مجرد تهديد للحكومة في حالة فشل الحوار باعلان عودتها لاسقاطها!. كما أن الأدوار التي تقوم بها تجاه الحركات المسلحة لم تتجاوز حدود المناورة القديمة قرباً من الحركات واستنصارا بها، أو بعداً عنها خوفاً من استبدال عسكر بعسكر. بل حتى فيما يلي الحوار هناك من يسعي بين الحركات بدفعها للمشاركة في الحوار، وآخرين يوظفونها لمعركة فرض (شروط)  الحوار!!. وكانما الأزمة هي شروط الحوار وليس قضاياه.

أما الحكومة وحزبها فبعد أن طرحت مبادرة الحوار، ونجحت في إلهاء المعارضة وتشتيتها، أخذت زمام المبادرة في وأد الحوار وقد أعدت بدائلها في استحقاق انتخابي له ميقات، أو عودة تجدد فيها روح الكبت ومصادرة الحريات وبقوة. كون الاحزاب وفرت لها بصراع شروط الحوار اثبات أنها لا تصلح لتكون البديل، وأنها أضعف من أن تُسقط الحكومة، لكنها قدمت خدمة اقناع الكثيرين داخل أروقة السلطة، واضعفت من عزم الكثيرين فيها عن المضي قدماً في الانفتاح والحوار وأن الديكتاتوية لا بديل لها ولكم هنا أن تتذكرو كلمات على عثمان ” الانقاذ قادرة على أن تتجدد وترد على الناس..” – راجع صحيفة الجريدة وآخر لحظة عدد 29 مايو الماضي. الواضح على كل حال أن الحكومة وحزبها كانوا وظلوا أكثر استعداداً لكل الاحتمالات وعلى ذات المنهج الذي اعتادوه منذ قدومهم للسلطة بالقوة، ويمكنهم الآن العودة له مجدداً والرد على الناس بذات الطريقة التي اعتادوها منهم.

لقد فرضت هبة سبتمبر تحديا كبيرا على الحكومة وعلى القوى الحزبية كلها، ذلك أن نجاحها كان سيعني نهاية الجميع من جهة، وفتح المجال واسعاً أمام الحركات المسلحة وقوى الهامش التي تمثل المعارضة الحقيقية ذات الوجود والأثر، والتي تحتاج قضاياها لحوار حقيقي وشامل. ذلك أن القوى الحزبية خاصة التقليدية منها والحديثة أو كل احزاب عقد الخمسينات نأت عن تلك الانتفاضة التي خاضها شباب هم أبعد ما يكونوا عن الاحزاب ولا يشعرون أنها تمثلهم، وإن كانوا يستعينون بها لحدود تُعينهم على تحريك جمودها وخمولها غير المفسر عندهم ليعودوا منها بخذلان كبير.

وأمام تصاعد مد الرفض الشبابي، وضغط الحركات المسلحة خرجت ومن الحكومة وحزبها مبادرة الحوار الوطني. لكن التعاطي معها من قبل القوى السياسية وافتعال معركة شروط الحوار يشي بأن هناك مخطط يُرجي منه أن يعيد السلطة لسادتها الذين ظلوا يتبادلونها منذ الاستقلال!!.وأن القوى السياسية الموافقة على الحوار والرافضة له على درجة من التماهي والقبول لهذا المخطط ولو من يحيث لا تَعمد. وأن الادوار موزعة لتعلب القوى السياسية دور معركة شروط الحوار، و بذل الجهد لتطويع حركات الهامش وقواه لمساره،  لإعادة هندسة سلطتها كما تعودت عليها غير آبه بالمتغيرات الكبيرة والمتراكمة منذ أكثر من خمسين عاماً وقد استفحلت وباتت مواجهتها أمرا لا مفر منه كونه يفرض أول ما يفرض تغييراً جوهريا لبنية السلطة وكامل مناخ التعاطي السياسي بالبلاد.

هذا يفسر ولحد كبير منهج الحكومة الذي يصعد العمليات العسكرية تجاه الحركات المسلحة من جهة، وشكل وطبيعة دعوته والمشاركات التي أطلق بها مبادرة الحوار. وكذلك تكتيكاته التي تدعو لحوار شامل مع القوى السياسية، مقابل منهج الحوار الثنائي تجاه الحركات و مطالب قوى الهامش. يدعم ذلك أن الحكومة وحزبها تقف الأن على أرضية ضمان 50%  كما برزت في لجنة 7/7، أو كما يجري الترتيب البديل في حالة فشل الحوار لإنتخابات 50% منها (نسبي) دون انتظار لا للحوار ولا حتى للذين قبلوا به أو الذين عارضوه. وعليه كيفما سارت أو انتهت مسيرة الحوار فإن الحكومة تضمن نسبتها، في وقت تتصارع فيه القوى السياسية والحركات المسلحة (المفترض مشاركتها في الحوار) على 50% أو سبع مقاعد في حالة المشاركة في الحوار.

منهج المحاصصة أكثر أصالة ورسوخا في الممارسة السياسية السودانية من الاسلام والعروبة والحقوق والحريات وهلم جرا. وكان واحداً من اقوى اسباب عدم استقرار فترات الديمقراطية بين القوى السياسية، وجاء آخر تفعيل له ضمن اتفاقية السلام الشامل، حيث حصنت الحكومة نفسها بالاغلبية الملطقة 52%، واعطت شريكها الحركة الشعبية 28%، لتترك هامش 20% لكل أطراف السودان وكل القوى الحزبية. وكان حرصها على السلطة بعد كل ذلك أكبر من المحافظة على وحدة السودان والآن سيتكرر ذات السيناريو، فالأمر لا يتعلق بالاسلام أو العروبة بل بالسلطة، ولن تكون وحدة ما تبقي من السودان أعز من السلطة على من اعتادوها منذ الاسقلال. لكل ذلك سيكون الحل هو معضلة الحوار وهو أقوى مفسر للمسار والتكتيكات الحالية.

كل ذلك يعزز أن المسعى الأهم لأطراف الحوار هو خوف فقدان السلطة. لذلك يدور صراع وهمي حول شروط الحوار وليس موضوعه الأهم – اعادة هيكلة السلطة لتمثل حقاً وصدقاً كل أهل السودان. وكل التكتيكات الحالية الغرض منها هو اجراء مساومة تبقي أهل السلطة مكانهم غض النظر عن من يمثلهم وتضمن لهم التناوب فيها، وفي ذات الوقت تُرضي الهامش وحركاته بشئ يوقف الحرب ويضمن الاستقرار لسلطتهم القادمة عبر الحوار. لذلك الاغلب أن المطروح ليس الحوار بل المساومة، كون الحل الذي يجب تلافية يفرض نفسه وبقوة. ولكن ما هو ذلكم الحل؟.

بكلمة واحدة هو (اتفاق السلام الشامل). كان يجب تطبيق اتفاقية السلام الشامل على كل السودان، وذلكم هو الشرط والروح للوحدة الجاذبة. ولكن أهل السلطة فضلوا سلطتهم على وحدة السودان، والآن يواجهون ذات الحل مرة أخرى، تماما كما واجهوا الحرب التي اعتقدوا انها انتهت مع اتفاقية السلام الشامل. فقد صار الجنوب نموذجا له وجود في الواقع وبقبول الحكومة بالمشاركة واقتسام السلطة والثروة وحتى بالانفصال. بل لم تنطلق الحركات المسلحة بدارفور إلا بعد أن أصبح أمامها نموذج لم تحصل عليه رغم اتفاقية السلام الشامل وحالها مثل حال الجنوب،كان يجب أن يكون لها اقليم وولايات وحكومة وربما جيش ونسبة من الثروة والمشاركة (القومية). والآن لن تقبل اقاليم السودان كلها بأقل من هذا الحل الذي له نموذج ماثل على الارض وبرضا الحكومة الكامل. ولما كان هذا الحل سيفرض اعادة هيكلة كاملة للدولة والسلطة، اصبح الآن هو المهدد الذي يجيب على مبادرة الحوار تلافيه لصالح القوى التي بالسلطة وتلك التي تمرغت فيها منذ الاستقلال وتلك التي ترجوها في المستقبل.

هذا الحل يمثل مشكلة كونه سيضرب جذور القوى الحزبية والعقدية التي ظهرت منذ الاستقلال، وستظهر قوى جديدة بالكامل، وهذا يمثل خطراً غير مرغوب فيه، ويستدعي نوعا من المساومة عنوانها المعلن اليوم هو (الحوار الوطني). فكل الذي يجري الآن هو تعمية عن موضوع الحوار وانشغال بمعركة شروطه وأطرافه التي غابت والتي انسحبت ولن ينتهي هذا المسلسل في القريب، كونه مطلوب بإلحاح وصولاً  لمساومة تبقى أهل السلطة وتُرضيهم، ليرضوا هم  بالأخرين في ملتهم.

ولكن مسار اتفاقية السلام الشامل يقدم نموذجا (كاملا) حتى في حالة فشل الحوار وهو الارجح، ستكون السلطة هي الأهم ولو انفصلت اقاليم السودان واحدة تلو الاخرى. كل الفرق سيكون هذه المرة برضى الحكومة في حالات، ورغماً عنها بل وبعيداً عنها في حالات. فأهل السلطة لا هم لهم غير السلطة والبقاء فيها مهما كانت أو جاءت التكلفة. وطريقتهم في التعاطي مع مبادرتهم للحوار تكشف كثيراً من ذلك وبالشواهد.

ويبقى أن كل ذلك يمكن تلافيه اذا انصرفت الحكومة لحوار جاد، وطرحت قضايا الحوار الحقيقة حتى نعرف اطرافه المفترضة وموافقها مما هو مطروح. وينار لنا طريق الحوار بوعد صادق وليس بالمخادعة وافتعال الازمات الوهمية.فالسودان اليوم احوج ما يكون لحوار يلم شمله من جديد، برضى وتوافق كل أهله، وليس بإرضاء الحكومة بإبقائها بالسلطة، وارضاء قوى سياسية نالت أكثر من نصيبها في السلطة والمعارضة منذ الاستقلال ولم تتغير أو تواكب المتغيرات من حولها، وتصر على القديم مزركشاً لخداع الاخرين بأنها من يمثلهم ويهتم لأمرهم.