د .زهير السراج * بعد مصادرة عدد الأحد 8 يونيو، 2014 من المطبعة، استدعى جهاز الأمن الزميل إدريس الدومة رئيس تحرير صحيفة (الجريدة) ليتركه فى الإنتظار لمدة ساعتين قبل أن يخطره شفاهة بإيقافى عن الكتابة لأجل غير مسمى بدون إبداء اى أسباب كعادته!!

* كانت هذه هى المرة الخامسة فى غضون أقل من عامين التى يوقفنى فيها جهاز الأمن عن الكتابة لأسباب مجهولة لى ولغيرى حتى هذه اللحظة .. وفى إحدى المرات النادرة جدا أجاب ضابط الأمن بأن سبب إيقافى هو أن (كتاباتى هدّامة) .. ولم يوضح لمحدثه ماذا هدمت وكيف هدمت ومتى هدمت .. وهل الهدامة هى كتاباتى الناقدة أم سياسات وفساد الحكومة ..!!

* لا اريد الدخول فى تفاصيل حول تلك الايقافات المتكررة ولكننى فقط أشير الى أن الإيقاف الأخير يأتى، مثله مثل اعتقال الصادق المهدى ومحمد الشيخ وإيقاف صحيفة (الصيحة) واستدعاء عدد من الزملاء للمثول أمام جهاز الأمن .. إلخ، فى وقت تدّعى فيه الحكومة أنها أطلقت الحريات العامة وألغت الإجراءات الإستثنائية ضد الأحزاب والصحف وأنها مستعدة للحوار مع المعارضة للوصول الى تفاهم حول القضايا الأساسية ..إلخ، فأين هى الحريات وإلغاء الإجراءات الإستثنائية وما هو مصير الحوار الوطنى تحت ظل الممارسات القمعية لأجهزة النظام ضد الأحزاب والصحف والمواطنين؟!

* لا يمكن تفسير هذا التناقض إلا بشيئين .. إما أن تكون الحكومة قد اكتشفت سريعا أن اطلاق الحريات ليس فى مصلحتها لأنه يكشف اللصوص والفساد العميق فى أجهزة النظام، فتراجعت عنه وعادت الى سيرتها القديمة فى اعتقال السياسيين ومصادرة الصحف واعتقال واستدعاء وإيقاف الصحفيين .. والدليل هو عشرات الممارسات التعسفية المخالفة للقانون التى ارتكبتها أجهزة النظام خلال أقل من شهرين من بيان الحكومة عن الحوار الوطنى واطلاق الحريات السياسية والصحفية المزعومة !!

* الشئ الآخر هو ان الحكومة لم تر أفضل من ارتكاب الممارسات القمعية والتعسفية مثل اعتقال السياسيين ومصادرة الصحف واعتقال وإيقاف الصحفيين للهروب من الحوار وإجهاضه .. لأنها فى الأصل لم تكن جادة أو صادقة فى دعوتها للحوار للوصول الى تفاهم حول حكم البلاد وخافت ان تتورط فى حوار يفضى الى غير ما تريد فسعت لإجهاضه .. وأكبر دليل على كذبها وعدم جديتها فى الدعوة التى أطلقتها أنها بينما كانت تدعو الحركات المسلحة للحضور الى الخرطوم والمشاركة فى الحوار كانت تشن الغارات الجوية والهجمات البرية عليها وعلى المدنيين الذين يقيمون فى المناطق التى تسيطر عليها الحركات، فكيف يدعو شخص شخصا أخر للحوار ويطلق الرصاص على صدره فى نفس الوقت.. بل إن الحكومة إعتقلت الصادق المهدى أكبر داعم ومؤيد للحوار معها بتهم مضحكة لا تخيل على أحد، فكيف تزعم الحكومة أنها تسعى للحوار وهى تقتل وتعتقل من تدعوهم الى الحوار ؟!

* عندما أخطرنى الأخ عوض محمد عوض رئيس مجلس إدارة صحيفة (الجريدة) قبل حوالى شهر من اليوم بإطلاق سراح قلمى ودعانى لكتابة عمودى اليومى بالصحيفة تحت ظل مناخ الحريات الذى توفر، ترددتُ فى قبول الدعوة وبررت له ذلك بأننى لستُ مطمئنا لجدية الحكومة وإنها غالبا ما تتراجع عن دعواها فى أقرب وقت ممكن .. وقلت له بأن جهاز الأمن لن يلبث أن يمارس هوايته المحببة فى ايقافى عن الكتابة لأجل غير مسمى … وتحقق ما تنبأت به بعد أقل من شهر ..!!

8 غير ان كل ذلك لن يثنينى، ولن يثنى غيرى من أبناء الشعب المخلصين، عن مواصلة الرسالة المقدسة فى انتقاد ممارسات النظام وفضح الفساد وتعرية المفسدين، ومهما طال ليل الظلم فلابد له أن ينجلى ولا بد للقيد أن ينكسر !!