عصام جبر الله دولة الجريمة المنظمة: عرضنا في المقال الأول التعريفات الأكثر شيوعآ و قبولا لتعريف الفساد و الجريمة المنظمة ,سنتناول  على ضوء ذلك في الجزء الثانى الحالة السودانية.

الغرض من الملاحظات ليس الوصول لتوصيف تقنى أو أكاديمى للأوضاع السودانية بقدر ما هو جزء من محاولات التوصل للصورة و الأبعاد الحقيقيه لحال البلاد و التخريب الذي حدث لاقتصادها تحديدآ، و ربما لاحقآ ما حدث لكل مجالات الحياة , فهم الآليات التى تم و يتم استخدامها لتنفيذ ذلك كمدخل ضروري لفهمها و رصدها وكشفها و مقاومتها ما أمكن ذلك، و مستقبلآ تساعد في وضع معالجات حول كيفية استرداد المنهوب من الثروات و الموارد المملوكة للشعب و في وضع برامج اقتصادية بديلة كانت اسعافيه قصيرة المدى، أو تنموية متوسطة و طويلة المدى.

 

 

بالرجوع للتعريفات السابقه سنجد أن ما يحدث في السودان تنطبق عليه السمات الرئيسية للجريمة المنظمة و آليات عملها و أساليبها و هى:

التنظيم الشمولي, هرمية البناء,  حصرية العضوية , الانضباط الصارم و الطاعة في التسلسل الهرمي للمنظومة, يشكل ثقافة أو بيئة باطنية فريدة من نوعها, تسعى لديمومة نفسها, على استعداد لاستخدام العنف غير القانوني,  احتكارها لقطاعات محددة أو أقاليم جغرافيه, تحكمها قواعد وأنظمة واضحة مكتوبة و/أو شفهية , الحصانة والحماية من القانون من خلال تقديم المشورة المحترفة أو التخويف أو الفساد أو كلها مجتمعة من أجل ضمان استمرار أنشطتها , التركيز على الأنشطة عالية الربح سريعة العائد و منخفضة المخاطرة  و التى يسهل استغلال  الضعف الإنسانى في تنفيذها , استخدام التخويف ضد أعضاء المنظمة و ضد  الضحايا  وغالبا ضد    أفراد الجمهور,  تواصل العمل و المحاولات لتخريب و افساد الحكومات الشرعية و مؤسساتها .

القول بانطباق سمات الجريمة المنظمة على الحالة السودانيه لا يعنى القفز لاعتبار النظام السودانى مثله مثل عصابة مافيا و اختزاله في ذلك , فالنظام ظلت له أجندة سياسية و أيديولوجية و اجتماعية و عرقيه, لكن يعنى أن نشاطه الاقتصادى تحديدآ يحمل سمات عمل مجموعات الجريمة المنظمة و يجمعهما الهدف الرئيسي لكليهما و هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب المالية و الأرباح في أسرع  وقت بأقل التكاليف و المخاطر و بكل الوسائل المتاحة قانونيه أم غير قانونية.

يجب الانتباه للاختلافات الأساسية بين الجريمة المنظمة و الحالة السودانية:

أولآ: الجريمة المنظمة في معظم البلدان و المجتمعات هى كيانات غير شرعيه تعمل بالسر أو خلف واجهات و تحاول اختراق المجتمع و الدولة و مؤسساتها المختلفه و تسخيرها لتحقيق اهدافها , و في كل الدول و تحت كافة الأنظمة ديمقراطية أم ديكتاتوريه نجد أن هناك مكافحة مهما ضعفت أو قلت للجريمة المنظمة و أن هناك دومآ قطاعات من مؤسسات الدوله ظلت خارج سيطرتها مهما بلغ عمق الاختراق و شراسة العنف الموجه ضد هذه المؤسسات أو الأفراد و المجموعات و الساسة الذين يقاومون الجريمة المنظمة. في الحالة السودانية فإن الوضع معكوس تمامآ، لأن كافة مؤسسات الدولة من أعلاها الى أدناها هى المدخل و المعبر لارتكاب الجرائم الاقتصادية , من رئيس الدولة و أسرته مرورا بالوزراء و الولاه انتهاءآ بأصغر جابي رسوم, الأجهزه و المؤسسات الرسمية المنوط بها التحقيق و المراجعة أو المحاسبة (النائب العام, القضاء , المراجع العام , الشرطه و المباحث الخ …) هى إما والغة في الجرائم نفسها و اقتسام غنائمها أو أنها مُخضعه بالقرار السياسي, أى يمكن التشبيه أو تصور أن تكون المافيا الايطاليه هى الحاكمه أو المسيطره على كل مفاصل الدولة.  أى يمكننا القول أننا أمام حاله أولى و فريدة لأول دولة تسيطر على نشاطها الاقتصادى آليات و وسائل عمل الجريمة المنظمة بالكامل

ثانيآ: منظمات الجريمة المنظمة تتأسس و تتكون بهدف تحقيق الأرباح و رغم أن لبعضها طقوس و تقاليد راسخة و بعضها يتحول لما يشبه ممالك أسريه و عشائرية الى أن الانتماء و الولاء يحكمه الهدف الرئيسي, المنظومة الحاكمة في السودان تأسست في المقام الأول كحزب سياسي  له برنامجه و أهدافه “العادية” مثله مثل أى حزب سياسي آخر رغم استخدام هذا الحزب و تبنيه لأساليب و آليات عمل منظمات الجريمة المنظمة يجب تناول هذا في اطار تناوله كمؤسسة سياسية لها أبعادها الأخرى مع رصد التحولات الكثيرة و الكبيرة التى حدثت و لا زالت تحدث له.

 

ثالثآ:منظمات الجريمة المنظمة هى تجمع أفراد لا يمكن أن نصنفها اجتماعيآ في طبقة أو شريحة محددة و ليس من ضمن أهدافها احداث تحول اجتماعى واسع في هذا الاتجاه أو ذاك رغم أن نشاطها له أثره الاجتماعى و الاقتصادى المؤكد اذ نتحدث عن مليارات الدولارات التى تتداول في هذا المجال الاقتصادى. بالمقابل النظام الحاكم السودانى يمثل مصالح شريحه/طبقه إجتماعية محددة ليس فقط عبر ما يعرف بالفساد بل أكثر عبر السياسات الاقتصاديه الرسمية المعلنة مثل الخصخصة , الغاء مجانية التعليم و العلاج , رفع الدعم عن السلع و الاحتياجات الضرورية , فرض و زيادة الضرائب و الجبايات على العاملين و المنتجين و الطبقات الوسطى و العماليه … الخ . بمعنى آخر أن ما تم تطبيقه من سياسات و ما صاحبها من فساد و إجرام منظم ليس لعيوب أخلاقيه فرديه أو ضعف شخصي بل هو البرنامج و الأهداف الطبيعية لهذه الشريحة الاجتماعية و التى حفلت الأدبيات السياسية خاصه لليسار و الحزب الشيوعى تحديدآ بتوصيف و تشريح لها تحت مسمي الرأسمالية الطفيلية منذ الثمانينات تحديدآ , سنعود لاحقآ لهذه القضيه عند تناول متى و لماذا و كيف حدث هذا داخل تنظيم الجبهة الاسلامية/الحركة الاسلامية

 

اذن، نحن أمام حاله جديدة حسب المعرفة المحدودة المتاحة لى أن هناك دولة سيطرت عليها جماعة سياسية تبنت بالكامل في  كل أجهزتها و مؤسساتها أساليب و و سائل عمل الجريمة المنظمة , حتى في أعتى الديكتاتوريات اليمينية أو اليسارية كان الاخضاع غالبآ يتم لتحقيق الأهداف السياسية و الأيديولوجية و ربما مكاسب شخصيه لبعض الأفراد هنا و هناك , لكن أن يتم توظيف كل جهاز الدولة و مؤسسات القانون و الرقابة و المحاسبة و الضبط لخدمة و تسهيل و حماية النشاط الاقتصادى غير القانونى الشامل فأعتقد أنها سابقة تاريخية جديدة.